تسجيل الدخولمرت الأيام على ليان ببطء شديد، وكأن عقارب الساعة قد قررت أن تعاقبها هي الأخرى. كانت تعيش داخل الجناح في ملل وحزن، تراقب الوقت وهو يمر دون أن يحدث أي شيء جديد، بينما كانت أفكارها لا تتوقف لحظة واحدة.في أغلب الأوقات، كانت تجلس على الأرض مستندة إلى زجاج الشرفة العازل، وتظل تحدق في الخارج.كانت ترى السيارات تتحرك في الشوارع أسفلها، والمارة يسيرون في طريقهم، وكل واحد منهم يعيش حياته بصورة طبيعية، بينما هي محاصرة هنا، بعيدة عن كل شيء.كانت تنظر إليهم طويلًا، ثم تتساءل في حزن:ماذا تفعل أمي الآن؟وكيف حال مازن؟هل يقلقان عليَّ؟كانت تعرف أنهما بالتأكيد يحاولان التواصل معها، لكنهما لن يستطيعا الوصول إليها.وكانت تلك الفكرة تؤلمها أكثر.ثم يعود تفكيرها إلى العرض الذي قدمه لها نوح.ظلت طوال الأيام الماضية تفكر فيه، وتحاول أن تصل إلى قرار، لكنها حتى الآن لم تستطع.كان أمامها خياران، وكل واحد منهما أصعب من الآخر.إما أن تقبل عرضه.أن تعيش مع نوح، وتمثل أمام الجميع أنها زوجة سعيدة، وتتجاهل كل ما فعله بها، ولا تخبر أحدًا بالحقيقة.وفي المقابل، ستلتحق بالجامعة التي كانت تحلم بها، وسيحصل مازن على من
مرت الأيام على ليان كأنها كابوس طويل لا يريد أن ينتهي. كانت تمر ببطء شديد، وكل ساعة منها كانت أثقل من التي سبقتها، حتى أصبح مرور الوقت نفسه عبئًا عليها.وكان أكثر ما يؤلمها هو هذا الجناح.هذا المكان الذي شهد انكسارها في ليلة زفافها، والذي لم تستطع أن تنسى ما حدث فيه مهما حاولت. كلما وقعت عيناها على أحد أركانه، عادت إليها تفاصيل تلك الليلة من جديد.كانت تقول لنفسها مرارًا:إلى هذه الدرجة أراد نوح كسري؟أكان من الصعب عليه أن يأخذني إلى مكان آخر؟لكنها كانت تتذكر كلماته عندما سألته عن سبب إصراره على هذا المكان، وكيف ابتسم حينها وقال لها إنه لن يخبرها، وأنه سيتركها تكتشف الأمر بنفسها.والآن، بعد مرور الأيام، بدأت تفهم ما كان يقصده.كان الجناح مجهزًا بطريقة جعلتها تشعر وكأنها محاصرة بداخله.جميع النوافذ كانت مغلقة، وكذلك الشرفة، والزجاج عازل للصوت، فلم تكن تسمع تقريبًا ما يحدث في الخارج.ولم يكن في الجناح أي هاتف أو وسيلة اتصال تستطيع استخدامها.حتى هاتف الغرفة الخاص بالفندق لم يكن موجودًا.ولم يكن هناك حتى تلفاز.وكأن المكان أُعد ليكون بعيدًا تمامًا عن العالم الخارجي.لكن أكثر ما أصابها ب
توجه نوح وشيري نحو باب الجناح استعدادًا للمغادرة، بينما ظلت ليان واقفة في مكانها تتابعهما بعينين ممتلئتين بالضيق والقهر. كانت تشعر بأن فكرة بقائها وحدها في هذا المكان لمدة شهر كامل تفوق قدرتها على الاحتمال.وقبل أن يمد نوح يده لفتح الباب، صرخت ليان بأعلى صوتها:— توقف!توقف نوح فورًا، والتفت إليها بسرعة.اقتربت ليان منهما، وقالت بصوت مرتجف:— لماذا يجب عليَّ أن أكون حبيسة هذا المكان طوال هذه المدة؟ دعني أخرج. لا أريد أن أبقى هنا.اشتعل الغضب في عيني نوح من تصرفها، واتجه نحوها بخطوات سريعة، ثم أمسك بذراعها وسار بها باتجاه الغرفة التي نامت فيها.— أترك ذراعى لم يرد عليها.فتح باب الغرفة، ثم ألقاها على السرير، وقال بصوت مرتفع:— قلت لكِ إنك لا تستطيعين الخروج من هذا المكان حتى أعود. هل فهمتِ أم لا؟رفعت ليان رأسها إليه، وقد عادت الدموع تنهمر من عينيها.— لا! لن أبقى هنا! اتركني أذهب! ولن أجعل أحدًا يراني، فقط لا تتركني هنا. أنا أكره هذا المكان، ولا أريد أن أجلس فيه دقيقة واحدة، فما بالك بشهر كامل؟اقترب منها نوح، ورفع يده في إشارة تحذيرية، وقال بصرامة:— كفى هذه الأفعال الطفولية، ليست ل
في الصباح، خرج نوح من غرفة النوم، وظل يبحث عن ليان في أرجاء الجناح، لكنه لم يجدها في أي مكان. قال لنفسه لا بد أنها وجدت الغرفة التي أعدها لها، والتي وضع فيها حقيبتها، فاتجه إليها وفتح الباب ودخل.توقف نوح عند الباب للحظات.كانت ليان نائمة.كانت ترتدي رداء الحمام، وقد بدا عليها الإرهاق الشديد. آثار الدموع لا تزال واضحة على وجهها، وعيناها منتفختان من شدة البكاء، ووجهها متورم، بينما كان شعرها مبعثرًا حول وجهها وعلى الوسادة.ظل نوح واقفًا ينظر إليها.ورغم حالتها المزرية، وجد نفسه يقول في داخله:رغم قبحها من الداخل وطمعها، فإن مظهرها من الخارج جيد.ثم خطرت له فكرة أخرى، فابتسم قليلًا.لمَ لا أعبس معها قليلًا؟لكنه هز رأسه رافضًا الفكرة.لا.ثم تذكر أنها فتاة طامعة، وأن كل ما يهمها هو المال.إذا فعلت ذلك، فستعتقد أنها وصلت إلى هدفها.رفض الفكرة تمامًا.حاول أن يصدر صوتًا حتى يوقظها.وبالفعل، بدأت ليان تستيقظ ببطء.كان جسدها منهكًا ومتعبًا، وكأنها لم تنم منذ أيام. لم تكن قادرة على تحريك جسدها، ولا حتى على الاستيقاظ بسهولة. كانت تشعر بألم في كل جزء منها، وكأن النوم هو الشيء الوحيد الذي تستطيع
ظلت ليان واقفة في مكانها بعد أن أغلق نوح الباب خلفه، وأخذ شيري معه إلى الغرفة الأخرى. لم تستطع أن تتحرك، ولم تستطع حتى أن تستوعب ما حدث منذ دقائق قليلة. كانت تنظر إلى الباب المغلق أمامها بعينين زائغتين، وكأنها تنتظر أن يُفتح في أي لحظة، وأن يخرج منه نوح ليخبرها أن كل ما حدث لم يكن سوى مزحة قاسية، وأنه لم يكن يقصد شيئًا مما قاله. لكن الباب ظل مغلقًا. وكان الصمت من حولها أثقل من أن تحتمله. بدأ جسدها يرتجف بعنف، وكأنها تقف في برد قارس في ليلة شتوية شديدة البرودة، رغم أن الطقس في الخارج كان صيفيًا. ضمت ذراعيها إلى جسدها، وأخذت تفركهما بيدين مرتجفتين، محاولة إيقاف ذلك الارتعاش الذي لم تعرف له سببًا. كانت تشعر وكأنها تقف في مكان غريب لا تعرفه، رغم أنها داخل جناح فاخر كان من المفترض أن يكون بداية حياتها الزوجية. أخذت الدنيا تدور من حولها. لم تعد تعرف ما الذي تفكر فيه، ولا كيف وصلت إلى هذه اللحظة. قبل ساعات فقط، كانت عروسًا سعيدة. كانت ترتدي فستان زفافها، وتبتسم لوالدتها، وتستمع إلى مباركات الجميع. كانت تظن أنها ستغادر الفندق برفقة زوجها لتبدأ معه حياتها الجديدة. أما الآن... فهي ت
قال نوح فجأة:— ومع ذلك، ما زال الخطأ يقع على عاتقكِ.نظرت إليه ليان بدهشة، وكأنها لم تفهم كيف يمكن أن يضع اللوم عليها بعد كل ما اكتشفته للتو.تابع نوح بثبات:— أجل. حتى لو كنتُ أنا من يرسل إليكِ تلك الرسائل، كيف رأيتِ أن تلك العلاقة صحيحة؟ علاقة مبنية على الرسائل فقط، ومن المفترض أن تنتهي بالزواج!ظلّت ليان صامتة، بينما تابع نوح حديثه:— كيف لم تفكري أو تشعري أن هناك شيئًا خاطئًا؟ خطيب يتواصل مع خطيبته فقط من خلال رسائل الهاتف، لم يجلس معها، ولم يتحدث إليها حتى يعرف كلٌّ منهما شخصية الآخر. لم يهتم بكِ، ولم يقدم لكِ الزهور أو الهدايا، ولم يحضر أي حفلة أو مناسبة خاصة بكِ. وفي الأعياد لم يأتِ لزيارتكِ، ولم يأخذكِ إلى عشاء رومانسي.كان صوته يزداد حدة مع كل كلمة.— كل هذه الأشياء لم تحدث، ومع ذلك لم تشعري أن هناك خطأ ما؟خفضت ليان عينيها، ولم تجد ما تقوله.أكمل نوح:— لقد تعمدت تجاهلكِ حتى تتفهمي الأمر بنفسكِ وتطلبي فسخ الخطبة. وحتى بعد كل ما فعلته عائلتي من وراء ظهري، ألم يكن هذا التواصل كافيًا حتى تستمري في تلك العلاقة؟صمت لحظة، ثم قال ببرود:— لذلك أنا لا أتعاطف معكِ.رفعت ليان عينيها







