لازومارا

لازومارا

last updateLast Updated : 2026-07-28
By:  amjadUpdated just now
Language: Arab
goodnovel16goodnovel
10
2 ratings. 2 reviews
3Chapters
8views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

خلف ضبابٍ لا يعود منه أحد، تختبئ قرية تُدعى لازومارا، حيث لا يُشترى البقاء إلا بالدم، ولا يخرج من يعبر حدودها كما دخلها. وبين لعنةٍ قديمة وسرٍ دفن منذ سنوات، تبدأ حكاية ستغيّر مصير عالمين... وربما تكشف أن أكثر الوحوش رعبًا قد يكون الإنسان نفسه.

View More

Chapter 1

الفصل الأول: ظلال الذنب

الفصل الأول: ظلال الذنب

❦ ثمن البقاء ❦

كانت قاعة الكاهن كيان تشبه نفقاً غائراً في أحشاء الجبل السفيلي لقرية لازومارا.

كان الهواء هناك ثقيلا... مشبعاً برائحة الرطوبة والحديد الصدئ، حتى إن كل نفسٍ يُستنشق بدا وكأنه يحمل شيئاً من وطأة اللعنة. وكانت جدران الصخر تنضح بقطرات ماء تتساقط بإيقاعٍ ثابت ومقلق... كأنها دقات قلبٍ يحتضر في أعماق الجبل.

في منتصف القاعة، كان الضباب يلتف حول أجسادٍ قليلة تنتمي إلى السلالة النادرة... أولئك الذين وُلدوا بملامح بشرية متناسقة، على عكس بقية سكان القرية المشوهين الذين كانوا يختبئون في الظلال كمسوخٍ أنهكتها اللعنة وشوّهتها عبر السنين.

وقف الكاهن كيان في مقدمة القاعة. كان جسده ضخماً، مغطى بجلدٍ رمادي مجعد يشبه لحاء الأشجار الميتة، وعيناه غائرتين بلا أهداب، ينبعث منهما ضوءٌ أصفر خافت يزيد هيبته رهبة. وعندما تحدث، خرج صوته خشنًا... كحفيف أحجارٍ تحتك ببعضها في ظلامٍ عميق.

الكاهن كيان: «الحاجز السحري الذي يفصل عالمنا المظلم عن عالم البشر... ليس أبدياً. إنه يعيش على دماء الغرباء. ومهمتكم، يا أبناء السلالة النقية، ليست خياراً... أنتم شِباكنا التي نصطاد بها النور، ليبقى عالمنا مستوراً عن أنظار البشر.»

كانت ميلا تقف في الصف الأمامي بين العذارى المكلَّفات بالمهمة، وإلى جوارها مباشرة وقفت آريا، منافستها الشرسة ذات العينين الثاقبتين والنظرات المسمومة، ترمقها بين الحين والآخر بنظراتٍ تخفي خلفها رغبةً واضحة في أن تتعثر ميلا... لتكون هي البديل الذي يحظى بثقة الكاهن.

الكاهن كيان مستكملا وهو يشير بإصبعه العظمي النحيل:

الكاهن كيان: «البشر كائنات ضعيفة، تُقاد بقلوبها قبل عقولها. اقتربوا من حدود الحاجز الضبابي، واستخدموا الصوت الدافئ، والنظرة المنكسرة، والجمال الذي حُرم منه بقية أهل لازومارا. دعوا البشري يثق بكم... ويتبعكم بإرادته حتى يعبر خط الضباب. وما إن يطأ أرضنا... ينتهي دور العاطفة، ويبدأ دورنا.»

حرّك الكاهن خنجراً طقسياً عتيقاً فوق المذبح الحجري، فانبعث من الرمز السحري المحفور في الصخر ضوءٌ أحمر، انعكس على وجوه الحاضرين كأن القاعة بأكملها غمرت بالدم.

لم يكن ذلك مجرد طقسٍ مألوف... بل تذكيراً لهم بأن كل يومٍ يعيشه أهل لازومارا في أمان، إنما يُدفع ثمنه بروح بشري تُراق دماؤها فوق هذا المذبح.

❦ اللقاء الأول عند حدود العالمين ❦

في تلك الليلة، كانت السماء فوق الطريق الإسفلتي الخالي، المحاذي للغابة المظلمة، ملبدة بغيومٍ حجبت ضوء القمر، فلم يبقَ سوى خيوطٍ باهتة تتسلل بين الأشجار الساكنة.

خرجت ميلا من أطراف الضباب بخطواتٍ مترددة... توقفت للحظة، وأغمضت عينيها وهي تستنشق هواء العالم الخارجي لأول مرة. كان مختلفاً... أخفَّ، أنقى، وخالياً من تلك الرائحة الثقيلة التي التصقت بأنفاسها منذ ولادتها في لازومارا.

تقدمت حتى جلست على رصيفٍ متهالك بمحاذاة الطريق الترابي، تضم يديها إلى صدرها، وتبدو بكل براءتها كفتاةٍ ضلّت طريقها في ليلةٍ موحشة. لم تكن تحتاج إلى التمثيل كثيرًا... فداخلها كان الخوف حقيقيًا.

مرّت دقائق ثقيلة، لم يُسمع خلالها سوى صفير الريح بين الأشجار... وفجأة... شقَّ سكون الليل ضوء كشافي سيارةٍ قديمة، أخذ يقترب شيئاً فشيئاً حتى تباطأت السيارة وتوقفت بمحاذاتها.

فُتح الباب، وترجل منها شاب في أواخر العشرينيات. كانت ملامحه هادئة، يرتدي معطفاً بسيطاً، وفي عينيه دفءٌ صادق سبق كلماته. وما إن وقعت عيناه على الفتاة الجالسة وحدها في ذلك المكان المقفر، حتى ارتسم القلق على وجهه.

اقترب منها بحذر، محافظاً على مسافةٍ لا تشعرها بالخوف:

وسيم: «هل أنتِ بخير؟»

لم تجب.

ظل ينظر إليها لحظات، ثم أردف بنبرةٍ أكثر لطفاً:

وسيم: «ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت؟ المكان مهجور... وخطر، خصوصاً بعد حلول الليل.»

رفعت ميلا رأسها ببطء... ولأول مرة في حياتها... التقت بعيني إنسان.

لم يكن فيهما ذلك الاصفرار القاسي الذي اعتادته في أهل لازومارا، ولا تلك النظرات الجامدة التي تخلو من الرحمة. كانتا دافئتين، مليئتين بالقلق، وكأن صاحبتهما يخشى عليها رغم أنه لا يعرف عنها شيئاً.

ترددت قبل أن تنطق، ثم همست بصوتٍ بالكاد سُمع:

ميلا: «ضللت الطريق... ولا أعرف إلى أين أذهب.»

ساد صمتٌ قصير. نظر وسيم إلى الطريق الخالي من حوله، ثم عاد ينظر إليها. كانت ملابسها بسيطة، ويداها ترتجفان من البرد، ولم يرَ في ملامحها ما يدعوه إلى الشك، بل فتاةً تائهة تحتاج إلى المساعدة.

تنهد بهدوء، ثم قال:

وسيم: «لا أستطيع أن أترككِ هنا... ليس في هذا الوقت. بيتي قريب من هنا، يمكنكِ البقاء الليلة حتى نجد طريقة لإعادتك إلى المكان الذي جئتِ منه.»

تجمدت ميلا لثوانٍ... تذكرت كلمات الكاهن: «اجعلوا البشري يتبعكم بإرادته...» لكنها لم تتوقع أبدًا أن يبادر هو بمدّ يده إليها قبل أن تطلب شيئاً.

ترددت لحظة، ثم أومأت برأسها موافقة. فتح لها وسيم باب السيارة، وانتظر حتى جلست، قبل أن يغلقه بهدوء، ثم دار إلى مقعده وأدار المحرك.

تحركت السيارة ببطء، وابتلعتها عتمة الطريق... أما خلفهما... فعند أطراف الغابة... ظل الضباب الأبيض ساكناً، كأنه يراقبهما بصمت.

❦ ثلاثة أيام في منزل وسيم: التحول ❦

كان منزل وسيم بسيطاً، يقع عند أطراف المدينة، تحيط به أشجار الصنوبر وسياجٌ خشبي قديم. لم يكن بيتًا فخماً، لكنه كان يحمل دفئاً غريباً لم تعرفه ميلا من قبل.

في الليلة الأولى، بقيت متيقظة لساعات... كانت تنظر إلى أرجاء المنزل في صمت: إلى المصابيح المعلقة، والستائر التي تحركها الريح، وإلى أصوات المطر الخفيفة وهي تلامس النوافذ. كل شيء بدا مختلفاً عن برودة الكهوف الحجرية التي نشأت فيها.

أما وسيم، فلم يكثر من الأسئلة... اكتفى بأن أحضر لها بطانية جافة، ثم قال بابتسامة هادئة:

وسيم: «ارتاحي الليلة... عندما تشعرين أنكِ مستعدة للكلام، سأستمع.»

ثم انسحب إلى غرفته، تاركاً لها مساحة تشعر فيها بالأمان.

نظرت ميلا إلى الباب الذي أغلقه خلفه، وقد راودها شعورٌ لم تختبره من قبل... الثقة.

مرّت الأيام الثلاثة بهدوءٍ لم تألفه. كان وسيم يخرج صباحاً لإنهاء أعماله، ثم يعود حاملًا معه شيئاً جديداً يريها إياه: مرةً كتاباً، ومرةً زهرةً برية وجدها على الطريق، وأحياناً يكتفي بأن يدعوها لمشاركته كوباً من الشاي عند غروب الشمس.

لم يكن يحاول استجوابها، ولم يُشعرها يومًا بأنها عبءٌ ثقيل. وكلما سألته عن السبب، كان يجيبها بابتسامة بسيطة:

وسيم: «لا أظن أن الإنسان يحتاج إلى سببٍ ليساعد إنساناً آخر.»

كانت تلك الجملة، على بساطتها، تهز شيئاً في أعماقها... ففي لازومارا، لم يكن أحد يقدم شيئاً دون ثمن.

وفي مساء اليوم الثالث، كان المطر يقرع زجاج النوافذ بهدوء، بينما انتشرت رائحة الشاي الساخن في أرجاء المنزل.

جلس وسيم قبالتها، ثم مد يده إلى رفٍ خشبي صغير، وأخرج ألبوماً قديمًا غطاه الغبار... مسح الغلاف بكفه، وابتسم ابتسامة امتزج فيها الحنين بالألم.

فتح الألبوم برفق، فظهرت صورة لرجلٍ وامرأة يبتسمان أمام منزلٍ ريفي... مرر أصابعه فوق الصورة وكأنه يخشى أن تتلاشى:

وسيم: «هذان والداي...»

ساد صمتٌ قصير، ثم تابع بصوتٍ خافت:

وسيم: «رحلا منذ سنوات... لكنهما تركا لي شيئاً أهم من أي إرث.»

رفع عينيه نحوها:

وسيم: «علّماني أن البيت لا يصبح بيتاً بالجدران... بل بالدفء الذي يشعر به من يدخله.»

ظل ينظر إلى الصور وهو يتحدث. أراها رحلاته، وأيام طفولته، والمكان الذي كان يقضي فيه الصيف كل عام، ثم أخرج كاميرا قديمة من حقيبةٍ بجوار الأريكة، وابتسم وهو يناولها إياها:

وسيم: «جرّبي.»

نظرت إليها باستغراب:

ميلا: «لا أعرف كيف أستخدمها.»

ضحك بخفة:

وسيم: «إذن سأعلمكِ.»

وقف بجوارها، وأشار إلى زر التصوير، ثم طلب منها أن توجه العدسة نحو النافذة.

ترددت للحظة... ثم ضغطت الزر. صدر صوت الالتقاط، فابتسم كما لو أن طفلا نجح في أول تجربة له... أما هي، فكانت تبتسم للمرة الأولى منذ غادرت لازومارا!

ولم تدرك ذلك إلا عندما رأت انعكاس وجهها على زجاج النافذة... اختفت ابتسامتها سريعاً، وأحست بوخزةٍ حادة في صدرها.

«هذا الإنسان... ليس طريدة!» كانت تلك أول مرة يخطر فيها هذا الخاطر في ذهنها... وأول مرة تشعر بثقل المهمة التي خرجت من أجلها.

في تلك الليلة... انجرفت ميلا مع دفء العالم الذي لم تعرفه يومًا، ومع المشاعر التي قاومتها طويلًا، حتى وجدت نفسها تمنح قلبها لمن كان من المفترض أن يكون قرباناً... وفي صمت الليل... حملت في أحشائها سرًا لم يكن ينبغي أن يوجد... سرًا سيغيّر مصير لازومارا إلى الأبد.

❦ انكشاف السر... القرار المستحيل ❦

حلَّ منتصف الليل. كان المطر قد هدأ، ولم يبقَ سوى صوت قطرات الماء المتساقطة من حافة السقف، تتردد في سكون المنزل.

استيقظ وسيم على خيطٍ خافت من الضوء تسلل إلى غرفته... في البداية ظن أن القمر قد اخترق الغيوم، لكنه أدرك أن الضوء لا يأتي من خارج نافذته.

نهض بهدوء، واتجه نحو غرفة الجلوس... وما إن وصل إلى الباب... تجمّد في مكانه!

كانت ميلا تقف قرب النافذة، ظهرها إليه، بينما انبعث من جسدها وهجٌ باهت أخذ يزداد شيئاً فشيئاً... راحت خطوطٌ غريبة، أشبه بوسومٍ قديمة، تظهر على رقبتها وذراعيها، ثم تمتد ببطء تحت بشرتها كأنها عروقٌ من نورٍ أحمر خافت!

لم تكن تشبه أي شيء رآه في حياته... اتسعت عيناه، وتراجع خطوةً إلى الخلف دون أن يشعر.

استدارت ميلا على صوت حركته... وما إن وقع بصرها عليه، حتى أدركت أن كل شيء قد انتهى.

ساد صمتٌ ثقيل... كان كلٌ منهما ينظر إلى الآخر، وكأن بينهما عالماً كاملا انهار في لحظة.

قطع وسيم الصمت أخيرًا، لكن صوته لم يكن غاضباً... بل مرتبكاً:

وسيم: «ميلا... ما... هذا؟»

لم تجب... خفضت رأسها، وأسرعت تشد أكمام ثوبها محاولةً إخفاء الوسوم، لكن الضوء كان يزداد وضوحاً.

اقترب منها خطوة:

وسيم: «من أنتِ؟ منذ ثلاثة أيام وأنا أحاول أن أقنع نفسي أن وراء صمتكِ قصةً مؤلمة... لكن ما أراه الآن، لا أستطيع تفسيره. هل كنتِ تكذبين علي؟»

هزت رأسها بسرعة: ميلا: «لا...»

لكن صوتها خرج مكسوراً، وكأنه لم يقنع حتى صاحبه.

ظل وسيم ينظر إليها طويلًا... ولم يتحرك كانت الحيرة وحدها تملأ ملامحه.

أما هي... فكانت تسمع صوت الكاهن يتردد في رأسها: «من يعبر الضباب... لا يعود. السر فوق الجميع. بقاء القرية... قبل كل شيء.»

شعرت بقلبها يضيق... لو تركته يغادر، فسيحمل معه سر لازومارا، ولو أخبر أحداً، فلن يكون الخطر عليها وحدها، بل على القرية بأكملها. أغمضت عينيها للحظة... وحين فتحتهما، كان القرار قد حُسم.

اختفى الارتباك من ملامحها، وحل محله هدوءٌ مصطنع. تقدمت نحوه بخطوات بطيئة، وكانت دموعها حقيقية هذه المرة:

ميلا: «أنا... لم أرد أن أخدعك.»

خفض وسيم حذره قليلًا: وسيم: «إذن أخبريني الحقيقة.»

سقطت دمعة على خدها:

ميلا: «هناك مكان... إذا رأيته ستفهم كل شيء. أرجوك... تعال معي.»

طال الصمت بينهما... ثم تنهد وسيم. لم يكن يثق بما يحدث، لكنه كان يثق بها... وهذا كان كافياً.

أخذ مفاتيح سيارته دون أن ينطق بكلمة. أما ميلا... فما إن استدار عنها، حتى أغمضت عينيها للحظة، وشعرت وكأن شيئاً بداخلها قد انكسر إلى الأبد.

❦ قناع الثلج على المذبح ❦

ابتلعت الغابة آخر خيوط الليل، بينما كانت السيارة تشق الطريق بصمتٍ ثقيل.

لم يكن وسيم يتحدث كثيرًا... كان يقود وعيناه تتنقلان بين الطريق وميلا، وكأنه ينتظر منها أن تكسر ذلك الصمت وتمنحه تفسيرًا يبدد كل ما رآه.

أما هي... فكانت تحدق عبر النافذة، بينما انعكاس وجهها المرتجف يظهر على الزجاج بين الحين والآخر. كلما اقتربا من الضباب، ازداد خفقان قلبها... حتى توقفت السيارة عند أطراف الغابة.

نزلت ميلا أولًا، ثم التفتت إليه:

ميلا: «من هنا.»

نظر وسيم إلى الضباب الكثيف الذي يغطي المكان، وعبس باستغراب:

وسيم: «لا أرى شيئاً...»

أجابت وهي تتقدم خطوة:

ميلا: «ستفهم... عندما تعبر.»

تردد للحظة... لكن ثقته بها غلبت شكوكه. مد يده، وأزاح ستار الضباب... وعبر.

في اللحظة التي وطئت فيها قدماه أرض لازومارا... تبدل كل شيء!

انفجر صراخٌ مرعب بين الأشجار، وانطلقت عشرات الظلال من بين الصخور تحيط به من كل اتجاه.

تراجع مذعوراً: «ميلا!» وقبل أن يتمكن من الحركة، انقضت عليه الأيدي المشوهة وأطبقوا عليه من كل جانب. قاوم بكل ما أوتي من قوة، لكن عددهم كان أكبر.

آخر ما رآه... كان ميلا... واقفةً في مكانها... لا تتحرك.

حين استعاد وعيه... كان مقيداً فوق المذبح الحجري. اشتعلت المشاعل من حوله، فارتسمت ظلال الوحوش على الجدران كأنها كوابيس خرجت من أعماق الأرض.

رفع رأسه بصعوبة... كانت القاعة مكتظة بأهل لازومارا، وفي مقدمتهم وقف الكاهن كيان، وعلى يمينه كانت آريا تراقبه بابتسامةٍ باردة... أما أمامه مباشرة، فوقفت ميلا.

رفع بصره إليها، وكأن وجودها وحده قادر على تفسير هذا الكابوس:

وسيم: «ميلا... ما هذا المكان؟ قولي أي شيء...»

لكنها بقيت صامتة. كانت ملامحها جامدة كالصخر: لا دموع... لا خوف... ولا حتى ارتجافة واحدة. لو رآها غريب، لظن أنها لم تعرف هذا الرجل يومًا.

أما في داخلها... فكان كل شيء ينهار. كانت تسمع نبضات قلبها أعلى من أصوات الحاضرين، وتشعر بأنفاسها تضيق مع كل نظرة يوجهها إليها... لكنها كانت تعرف أن أي ضعفٍ يظهر على وجهها، سيقتلها معه.

ارتفع صوت الكاهن يهز أرجاء القاعة:

الكاهن كيان: «أثبتي ولاءكِ يا ميلا... أثبتي أن دم السلالة النقية... ما زال يجري في عروقكِ!»

تقدمت ميلا خطوة... ثم أخرى... حتى وقفت أمام المذبح.

مد الكاهن إليها الخنجر الطقسي. ترددت أصابعها للحظة... لحظةً قصيرة لم يلحظها أحد... إلا آريا. ضيقت آريا عينيها، وكأنها التقطت تلك الرجفة العابرة.

قبضت ميلا على الخنجر... كان باردًا... أبرد من يديها.

رفع وسيم رأسه بصعوبة، والتقت عيناه بعينيها. لم يكن فيهما غضب، ولا كراهية... بل سؤالٌ واحد حطمها أكثر من أي شيء:

وسيم: «لماذا...؟»

ارتجفت أناملها... ولأول مرة كادت تسقط منها السكين. لكنها شدّت قبضتها بقوة... «سامحني...» قالتها في داخلها... ولم يسمعها أحد.

هوى الخنجر... وغاص في صدره.

تدفقت الدماء فوق الرمز السحري، وسرعان ما بدأت النقوش المحفورة في المذبح تتوهج بلونٍ أحمر قانٍ امتد عبر الأرض كأن الجبل كله عاد إلى الحياة!

ارتفعت همهمات أهل لازومارا، وأخذ الضباب خارج القرية يزداد كثافة من جديد... نجا الحاجز، ودُفع الثمن.

ظل جسد وسيم ساكناً... بينما بقيت عيناه مفتوحتين للحظة، معلقتين بوجه ميلا، قبل أن ينطفئ فيهما آخر أثر للحياة.

أنزلت ميلا الخنجر ببطء، ولم تنظر إليه مرة أخرى. هكذا أراد الجميع أن يروها: امرأةً لم تهتز... امرأةً اختارت قريتها.

وانتهى الطقس.

غادر أهل القرية واحدًا تلو الآخر، وغادرت آريا وهي تلقي على ميلا نظرةً طويلة، كأنها ما زالت تشك في شيءٍ لم تستطع إثباته.

أُطفئت المشاعل، وأغلقت أبواب القاعة... ولم يبقَ إلا ميلا.

انتظرت حتى اختفى آخر صوتٍ في الممرات... ثم... سقط القناع!

أسرعت نحو المذبح، وارتمت بجوار جسد وسيم، تضم رأسه المرتخي بين ذراعيها. انفجر بكاؤها الذي حبسته طوال الطقس، وارتجف جسدها كله وهي تمرر أصابعها المرتعشة على وجهه البارد:

ميلا: «سامحني...»

أغمضت عينيها بقوة، ثم وضعت كفها المرتجفة فوق بطنها... وأجهشت بالبكاء:

ميلا: «سأحميه... مهما كان الثمن.»

وفي تلك اللحظة... لم تكن تعلم أن الجنين الذي أقسمت على حمايته... سيكبر يومًا، ويقف في المكان نفسه... أمام المهمة نفسها... وأمام الاختيار نفسه.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters

reviews

Marah 𐙚
Marah 𐙚
رواية أكثر من رائعة،، أين التكملة!!
2026-07-30 05:19:25
0
0
ريو - Rio
ريو - Rio
قصة مشوقة.. متحمس للفصول الجاية، اتمنى ما تطول علينا 🩷🩷
2026-07-30 03:39:44
1
0
3 Chapters
الفصل الأول: ظلال الذنب
الفصل الأول: ظلال الذنب ❦ ثمن البقاء ❦ كانت قاعة الكاهن كيان تشبه نفقاً غائراً في أحشاء الجبل السفيلي لقرية لازومارا. كان الهواء هناك ثقيلا... مشبعاً برائحة الرطوبة والحديد الصدئ، حتى إن كل نفسٍ يُستنشق بدا وكأنه يحمل شيئاً من وطأة اللعنة. وكانت جدران الصخر تنضح بقطرات ماء تتساقط بإيقاعٍ ثابت ومقلق... كأنها دقات قلبٍ يحتضر في أعماق الجبل. في منتصف القاعة، كان الضباب يلتف حول أجسادٍ قليلة تنتمي إلى السلالة النادرة... أولئك الذين وُلدوا بملامح بشرية متناسقة، على عكس بقية سكان القرية المشوهين الذين كانوا يختبئون في الظلال كمسوخٍ أنهكتها اللعنة وشوّهتها عبر السنين. وقف الكاهن كيان في مقدمة القاعة. كان جسده ضخماً، مغطى بجلدٍ رمادي مجعد يشبه لحاء الأشجار الميتة، وعيناه غائرتين بلا أهداب، ينبعث منهما ضوءٌ أصفر خافت يزيد هيبته رهبة. وعندما تحدث، خرج صوته خشنًا... كحفيف أحجارٍ تحتك ببعضها في ظلامٍ عميق. الكاهن كيان: «الحاجز السحري الذي يفصل عالمنا المظلم عن عالم البشر... ليس أبدياً. إنه يعيش على دماء الغرباء. ومهمتكم، يا أبناء السلالة النقية، ليست خياراً... أنتم شِباكنا التي نصطاد بها ال
last updateLast Updated : 2026-07-26
Read more
الفصل الثاني: أثر الضحية
الفصل الثاني: أثر الضحية❦ أثر على الطريق ❦في العالم الخارجي، كانت أضواء المدينة تتلألأ تحت زخات المطر الخفيف، بينما خيّم الصمت على مبنى الشركة التي يعمل بها وسيم.مرّت ثلاثة أيام كاملة على اختفائه.ثلاثة أيام... دون اتصال، أو رسالة، أو حتى عذرٍ يبرر غيابه.لم يكن ذلك يشبه وسيم أبدًا.فمنذ أن عرفه باسل، لم يتأخر يومًا عن عمله، ولم يختفِ بهذه الطريقة الغامضة. كان أكثر الموظفين التزامًا، وأكثرهم حرصًا على إنهاء كل شيء قبل موعده، حتى أصبح حضوره أمرًا بديهيًا لا ينتبه إليه أحد... إلا عندما غاب.في اليوم الأول، أقنع باسل نفسه بأن صديقه ربما اضطر للسفر أو تعرض لظرفٍ مفاجئ.وفي اليوم الثاني، بدأ القلق يتسلل إلى قلبه.أما مع غروب اليوم الثالث...فلم يعد قادرًا على الكذب على نفسه.كان هناك شيءٌ سيئ قد حدث.استقل سيارته، واتجه مباشرة نحو منزل وسيم الواقع عند أطراف المدينة.كانت السماء ملبدة بالغيوم، والهواء محملًا برائحة المطر والصنوبر.ترجل أمام السياج الخشبي القديم، وقد غطّت الأوراق المبتلة الممر المؤدي إلى الباب.طرق الباب مرة...ثم مرتين...ثم ثلاثًا.لكن لم يجبه سوى الصمت.دار حول المنزل
last updateLast Updated : 2026-07-28
Read more
الفصل الثالث: الهروب وطفلة الظلال
الفصل الثالث: الهروب وطفلة الظلال❦ نداءٌ عبر الضباب ❦كانت برودة الليل تلسع وجنتي ميلا كالسكاكين، بينما بقيت عيناها معلقتين بالشاب القادم من العالم الخارجي.كان باسل يحمل الكاميرا القديمة بيدٍ ترتجف، فيما كان ضوء كشافه يشق الضباب الأبيض المتسلل بين أشجار الصنوبر.ملامحه...وقفته...حتى نبرة صوته وهو ينادي اسم وسيم وسط الغابة...كلها أعادت إلى قلبها تلك الليلة التي غاص فيها الخنجر في صدر الرجل الوحيد الذي أحبته.ومن خلفها...بدأت الظلال تتحرك.خرج أفراد السلالة النقية من بين الأشجار بصمتٍ اعتادته جيدًا.كانت الخناجر الطقسية تلمع تحت ضوء القمر، بينما انعكست العيون الصفراء بين الأغصان كأنها عيون وحوشٍ تترقب لحظة الانقضاض.وفي المقدمة...كان إلياس.ثبت نظره على باسل، ينتظر اللحظة التي يخطو فيها داخل الضباب.لم يكن يفصل ذلك البشري عن الموت...إلا خطوات قليلة.شعرت ميلا بأن أنفاسها تضيق.وبدون وعي...تسللت يدها تحت معطفها، واستقرت فوق بطنها.كان قلب صغير ينبض هناك...آخر ما تبقى لها من وسيم.تردد صوت الكاهن كيان في أعماقها: «لا مكان للعاطفة... بقاء لازومارا فوق كل شيء.»أغمضت عينيها للحظة.
last updateLast Updated : 2026-07-28
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status