Masukأطلق نوح زفرة خفيفة. لم يكن يريد الحديث عن تلك الأمور في الوقت الحالي. فالحقيقة أنه لم يطلب لقاءها ليبرر قراراته، بل لأنه اشتاق إليها وأراد رؤيتها، ولو لبضع دقائق. لكن ليان لم تكن تعلم ذلك، ولم تكن مستعدة لمنحه فرصة للتهرب من أسئلتها. حاول نوح تغيير مسار الحديث، فقال: — هل تناولتِ فطورك؟ ما رأيك في أن نتناول الفطور معًا؟ لم أتناول شيئًا حتى الآن. نظرت إليه ليان بوجه جامد، ثم أجابته بحزم: — لقد تناولت فطوري بالفعل يا نوح، ولا تحاول التهرب من الإجابة عن أسئلتي. أنا لم آتِ إلى هنا لمجرد الجلوس معك، بل جئت لأعرف ما الذي تنوي فعله هذه المرة. وإذا لم تجب عن أسئلتي بوضوح، فسأغادر فورًا. تنهد نوح، وأدرك أنه لن يتمكن من إبقائها معه إذا استمر في المراوغة. لم يكن يريد أن ترحل بهذه السرعة؛ فقد شعر أنه لم يشبع من رؤيتها بعد، وأن الوقت الذي قضاه معها حتى الآن أقصر مما يحتمل. لذلك قرر أن يجيبها، ولو بالقدر الذي يستطيع قوله. قال بهدوء: — أنا لا أنوي فعل أي شيء يا ليان، فلا تقلقي. لم تصدقه ليان، بل عقدت حاجبيها وسألته: — إذن، لماذا أعدت إليَّ كل ما سلبته مني؟ صمت نوح للحظات، ثم رفع عينيه
الفصل: لقاءٌ كشف ما في القلوب في صباح ذلك اليوم، وبعد أن انتهت ليان من تناول فطورها مع سميرة وعم سعيد، لكنها، قبل أن تغادر المنزل، أمسكت هاتفها وظلت تنظر إلى اسم نوح على الشاشة للحظات. كانت لا تزال تفكر في تصرفاته الغريبة في قراره المفاجئ بإعادة مصروفها الشهري، والسماح لسميرة وعم سعيد بالعودة إلى العمل لديها. لم تستطع فهم ما الذي تغير في موقفه، ولماذا تراجع عن قراراته بهذه السرعة، بعد أن كان مصرًّا على استخدامها وسيلة للضغط عليها وإجبارها على الخضوع لرغبته. وفي النهاية، قررت أن تسأله مباشرة، لكنها لم ترغب في كتابة رسالة طويلة أو إظهار اهتمامها بما حدث. فتحت المحادثة بينهما، ثم أرسلت إليه رسالة قصيرة لم تتضمن سوى علامة استفهام واحدة. أغلقت الهاتف ووضعته جانبًا، وهي تتوقع أن يتجاهل رسالتها كما تجاهل كثيرًا من محاولاتها السابقة للتواصل معه. لكنها لم تكن تعلم أن نوح كان مستيقظًا في ذلك الوقت، يستعد للذهاب إلى الشركة، وأن وصول رسالتها سيغير مسار صباحه بالكامل. كان نوح قد انتهى من ارتداء ملابسه، وأخذ يتفقد بعض الرسائل على هاتفه قبل مغادرة الفندق، حين ظهر إشعار برسالة جديدة من ليان.
استمعت شيري إلى كلماته بانتباه شديد، وشعرت وكأن عاصفة الخوف التي اجتاحتها قبل دقائق بدأت تهدأ شيئًا فشيئًا. إذن، لم يكن ابتعاده عنها بالضرورة بسبب اكتشاف خيانتها. بل بدا أن هناك أمرًا آخر أثقل كاهله، وجعله يبتعد عن الجميع، حتى عنها هي. كما أن حديثه لم يتضمن أي إشارة إلى آدم أو إلى التحاليل التي زورت نتائجها. شعرت براحة كبيرة، لكنها أخفتها خلف ملامح الحزن والقلق، ثم نظرت إليه وسألته بصوت خافت: — هل يعني هذا يا نوح أن التحليل الذي أجريته في الخارج أعطى النتيجة نفسها التي ظهرت في التحليل الذي أجريته هنا؟ توقفت الكلمات في حلق نوح للحظة. شعر بغصة مؤلمة في صدره، وأدار وجهه نحو النافذة، محاولًا إخفاء ما أثاره السؤال في داخله. لم يرغب في الخوض في هذا الموضوع مرة أخرى، لكنه اكتفى بإيماءة صامتة تؤكد لها أن النتيجة لم تتغير. راقبت شيري رد فعله، إلا أن ما رأته لم يزدها إلا اطمئنانًا. إذن، كل شيء يسير كما خططت له. إنه لا يعرف شيئًا عن الحقيقة، بل أنة تأكد من أنة عقيم شعرت بفرحة عارمة تتسلل إلى قلبها، وكأنها نجحت في اجتياز أخطر عقبة كانت تخشاها. فطالما أن نوح لم يكتشف تزويرها، ولم يعرف بخي
الفصل: خلف قناع البراءة عادت شيري إلى مكتبها بخطوات سريعة، وما إن دخلت حتى أغلقت الباب خلفها بإحكام، ثم أخذت تتجول في أرجائه ذهابًا وإيابًا، عاجزة عن الاستقرار في مكانها أو ترتيب أفكارها. كان خبر عودة نوح إلى الشركة قد أربكها تمامًا، وأشعل في داخلها عاصفة من الأسئلة والمخاوف التي لم تستطع السيطرة عليها. نوح عاد! لكن متى عاد؟ ولماذا لم يخبرني؟ ولماذا لم يرجع إلى القصر؟ أين يقيم الآن؟ ولماذا انقطع عن التواصل معي طوال الأسابيع الماضية؟ توقفت شيري أمام مكتبها، ثم مررت يدها في شعرها بتوتر. لم تستطع فهم تصرفاته. كيف يعود إلى البلاد دون أن يخبرها، مع أنها زوجته؟ وكيف تكتشف عودته من حديث الموظفين بدلًا من أن تسمع الخبر منه مباشرة؟ كانت غاضبة منه بشدة بسبب تصرفه، لكنها في الوقت نفسه كانت خائفة من السبب الذي دفعه إلى الابتعاد عنها كل تلك المدة. هل يُعقل أنه اكتشف خيانتي؟ هل عرف ما حدث بيني وبين آدم؟ وهل لهذا السبب ابتعد عني؟ ما إن خطرت الفكرة في ذهنها حتى شعرت بقلبها يخفق بعنف، لكنها سرعان ما هزت رأسها نافية، وكأنها تحاول طرد ذلك الاحتمال من عقلها. لا، لم يكن الأمر منطقيًّا. كانت تعرف
الفصل: عودة نوح إلى الشركة في اليوم نفسه، كانت شيري تجلس في مكتبها، غارقة في أفكارها، بينما ينهش القلق قلبها ويثقل صدرها شعور خانق بالندم والخوف. لم تستطع التوقف عن التفكير فيما حدث بينها وبين آدم. كلما استرجعت تفاصيل تلك الليلة.شعرت وكأنها تعيش كابوسًا طويلًا، كابوسًا تمنت لو أنها استيقظت منه لتكتشف أن شيئًا لم يحدث، وأنها لم ترتكب ذلك الخطأ الذي قد يدمر حياتها إذا انكشف أمره. لكن الحقيقة كانت أقسى من أن تتجاهلها؛ فما حدث لم يكن حلمًا، ولم يكن بإمكانها محوه من ذاكرتها مهما حاولت. أغمضت عينيها للحظة، فعادت إلى ذاكرتها تفاصيل زيارتها لوالديها، حين اضطرت إلى إخبارهما بما جرى بينها وبين آدم. تذكرت نظرات الصدمة والغضب التي ارتسمت على وجهيهما، وتذكرت على وجه الخصوص ثورة والدها عليها، حين انهال عليها بالتوبيخ والكلمات القاسية، غير قادر على تصديق أنها ارتكبت حماقة كهذه. حاولت شيري الدفاع عن نفسها مرارًا، وظلت تكرر أنها لم تكن تنوي فعل ذلك، وأن ما حدث لم يكن سوى لحظة ضعف استسلمت لها دون تفكير. وأخبرتهما أنها لم تكن تريد خيانة نوح، لكنها لم تستطع تحمّل ابتعاده عنها طوال الفترة الماضية، ح
الفصل: أسرارٌ خلف الملفات في اليوم التالي، كان حازم جالسًا في مكتبه داخل الشركة، وقد أوشك وقت العمل على الانتهاء. ومع اقتراب نهاية اليوم، انشغل ذهنه بالتفكير في اللقاء الذي جمعه بنوح في الفندق مساء الأمس. لم يستطع حازم نسيان مظهر صديقه حين رآه للمرة الأولى بعد أسابيع من الغياب. فقد بدا نوح مختلفًا تمامًا عما اعتاده منه؛ كان الحزن واضحًا على ملامحه، والإرهاق يثقل عينيه، بينما ظهرت هالات داكنة تحتهما، وكأنه لم ينعم بنوم هادئ منذ فترة طويلة. لقد أثار منظره قلق حازم منذ اللحظة الأولى، ولذلك لم يستطع منع نفسه من سؤاله بلهفة: — نوح، ما الذي حدث لك؟ لماذا تبدو بهذه الحالة؟ هل تواجه مشكلة ما؟ لكن نوح أصر على أنه بخير، وأنه لا يعاني أي مشكلة تستدعي القلق. لم يقتنع حازم بإجابته فقال. — حسنًا، إذا كنت بخير كما تقول، فلماذا سافرت بهذه الطريقة المفاجئة؟ ولماذا انقطعت عن الجميع طوال هذه الفترة؟ لقد حاولت الاتصال بك مرارًا، لكنك لم تجب عن أي من اتصالاتي! ظل نوح صامتًا للحظات، وكأنه يبحث عن إجابة مناسبة، ثم أخبره بأنه شعر ببعض الإرهاق والتعب، الأمر الذي أثار مخاوفه من احتمال إصابته بمرض في ال







