Share

الفصل الاول

last update publish date: 2026-08-21 22:12:34

لم تكن تتذكر متى شعرت بالخوف الحقيقي آخر مرة.

ليس الخوف السريع الذي يمرّ كرجفة، ولا القلق العابر قبل الامتحانات أو القرارات المصيرية، بل ذلك الخوف العميق، الصامت، الذي يزحف إلى العظام دون صوت، ويستقر هناك كأنه وُلد معها.

ذلك الخوف بدأ حين فتحت عينيها.

لم يكن الضوء أول ما رأته، بل الظلال. ظلال كثيفة تتشابك فوق رأسها، وكأن السماء نفسها مغطاة بشبكة من السواد. احتاجت ثوانٍ طويلة حتى تدرك أن تلك ليست ظلالًا، بل أغصان أشجار عالية، شاهقة، متداخلة بطريقة غير طبيعية.

كان الهواء باردًا. أبرد مما ينبغي.

حاولت أن تتحرك، فشعرت بألم خفيف في مؤخرة رأسها. تأوهت وهمست بلا وعي:

«ما الذي حدث…؟»

جلست ببطء، كأن جسدها لا يطيعها تمامًا. الأرض تحتها رطبة، أوراق شجر مبتلة تلتصق بملابسها. رائحة الطين امتزجت برائحة أخرى… نفاذة، حادة، كأنها خليط بين المطر والحديد.

التفتت حولها.

غابة.

غابة واسعة، عميقة، لا يظهر لها نهاية. الأشجار لم تكن فقط طويلة، بل سميكة الجذوع، متقاربة، وكأنها جدار حيّ يحيط بها من كل جانب. لم يكن هناك طريق واضح، ولا أثر لأي وجود بشري.

قفز قلبها بقوة.

«لا… لا لا اشعر أنني لست في عالمي ليست هذه الغابه التي كنت أمر من جانبها…»

قامت بسرعة أكبر مما ينبغي، فترنحت، واضطرت أن تتشبث بجذع شجرة قريبة. أخذت نفسًا عميقًا، تحاول استعادة توازنها… وتذكّر.

الطريق.

السيارة.

المطر الخفيف.

ثم ضوء مفاجئ… وصوت اصطدام؟

وضعت يدها على جيبها بسرعة. هاتفها ما زال هناك. أخرجته بلهفة، ضغطت على الزر.

لا شيء.

الشاشة سوداء، باردة، بلا حياة.

شعرت بالذعر يتسلل إلى صدرها.

«حسناً… حسناً، اهدئي ستجدي تفسير لهذا»

لكن صوتها المرتجف فضحها.

بدأت تمشي. لم تعرف إلى أين، فقط كانت تتحرك. الصمت حولها كان ثقيلًا، غير مريح. لا أصوات غابة مألوفة ولا أي شيء. فقط خطواتها، وصوت تنفسها، ودقات قلبها التي أصبحت أعلى من اللازم والبوم الواقف على اغصان الأشجار .

بعد دقائق—أو ساعات، لم تعد تعرف—شعرت به.

إحساس غريب.

كأن الهواء نفسه تغيّر.

توقفت فجأة.

شعرت بقشعريرة تسري على طول عمودها الفقري. لم يكن بردًا… بل إحساسًا بأنها ليست وحدها.

نظرت خلفها.

لا شيء.

لكن الإحساس لم يختفِ.

تابعت السير، أسرع قليلًا، خطواتها غير منتظمة. كل مرة كانت تلتفت، كانت تشعر أن شيئًا ما ينسحب بعيدًا عن مجال رؤيتها.

وفجأة—

خشخشة.

صوت واضح هذه المرة، من بين الأشجار على يسارها.

تجمدت في مكانها.

«هل من أحداً هناك ؟»

خرج صوتها ضعيفًا، كأن الغابة ابتلعته قبل أن يصل لأي أذن.

الخشخشة تكررت. أقرب.

خطوة.

ثم أخرى.

بدأ عقلها يصرخ: اهربي!

لكن قدميها لم تتحركا.

رأت الظل.

لم يكن إنسانًا. هذا ما أدركته فورًا.

طويل بشكل غير طبيعي، كتفاه عريضتان، حركته صامتة أكثر مما يجب. لم ترَ ملامحه بوضوح، فقط شكله، وطريقة وقوفه… كأن الغابة تعرفه، وكأنه جزء منها.

اختفى.

اختفى ببساطة، كأنه لم يكن هناك أصلًا.

شهقت، وتراجعت خطوة، ثم أخرى، حتى اصطدمت بجذع شجرة.

«بالتأكيد اتخيل … هذا ليس حقيقي؟»

قبل أن تتمكن من التقاط أنفاسها، دوّى الصوت.

عواء.

لم يكن عواء ذئب عادي. كان أعمق، أطول، يحمل نبرة غريبة جعلت معدتها تنقبض. تبعه عواء آخر… ثم ثالث.

من أماكن مختلفة.

كأن الغابة كلها ردّت.

ركضت.

لم تفكر. لم تخطط. فقط ركضت.

الأغصان كانت تخدش ذراعيها، جذور الأشجار تعرقل خطواتها، أنفاسها تقطعت، لكن الخوف كان أقوى من الألم. لم تكن تعرف مما تهرب، لكنها كانت متأكدة من شيء واحد:

ما خلفها… أخطر.

بعد مسافة لم تعد تشعر بساقيها بعدها، لمحت شيئًا مختلفًا بين الأشجار.

ضوء.

ضوء خافت، دافئ، لا يشبه ظلمة الغابة.

دفعتها غريزة النجاة للأمام. خرجت من بين الأشجار فجأة، لتجد نفسها على أطراف مكان لم تتوقعه.

قرية.

بيوت خشبية صغيرة، مصطفّة بشكل غريب، مصابيح صفراء تضيء الممرات، وسياج خشبي يحيط بالمكان كله. بدا كأنه خارج الزمن، لا ينتمي لأي عصر تعرفه.

توقفت، تلهث، تنظر حولها بذهول.

كان هناك أناس.

رجال ونساء، يتحركون بهدوء، لكن ما لفت انتباهها لم يكن وجودهم… بل نظراتهم.

كلهم توقفوا.

كلهم نظروا إليها.

شعرت فجأة بأنها عارية، مكشوفة، كأنهم لا يرون ملابسها أو وجهها، بل شيئًا أعمق. شيء لا تعرفه عن نفسها.

تقدّم رجل في منتصف العمر، ملامحه قاسية، عيناه داكنتان بشكل غير مريح.

«من أنتِ؟»

سؤاله كان مباشرًا… حادًا.

ابتلعت ريقها.

« أنا… تائهة. تعرّضتُ لحادثٍ بالسيارة بالقرب من الغابه عندما ظهر ضوء قوي امامي ، وحين أفقتُ وجدتُ نفسي هنا. هل يمكنني… هل يمكنني استخدام الهاتف؟»

لم يجب فورًا.

نظر إليها طويلًا بإستغراب ، ثم نظر خلفه، حيث تبادل بعض القرويين نظرات سريعة، صامتة، مليئة بالمعاني.

«أنتِ غريبة.»

قالها ببطء.

هزت رأسها بسرعة.

«نعم… نعم، لكنني إنسانة عادية، لا شأن لي بأي شيء… أقسم .»

لم تعرف لماذا قالت الجملة الأخيرة، لكنها شعرت فجأة بالحاجة لتبرير وجودها.

اقتربت امرأة أخرى، شابة، عيناها رماديتان، نظرتها أقل قسوة، لكنها أكثر حذرًا.

«ادخلي.»

قالت بهدوء.

«الليل هنا ليس آمن.»

ارتعشت.

لم تسأل لماذا.

دخلت.

خلف الأسوار، شعرت بشيء غريب… كأن الغابة تعرفها. العواء اختفى، لكن الصمت هنا كان مختلفًا.

قادوها إلى بيت صغير. أجلسوها قرب النار. قدموا لها ماءً، ثم طعامًا.

لم تلاحظ أن أحدًا لم يأكل معها.

لم تلاحظ أن الأبواب أُغلقت بإحكام.

ولم ترَ العيون الذهبية، خلف نافذة بعيدة، تراقبها باهتمام صامت.

الفتاة البشرية…

دخلت عالمًا ليس لها.

ولم تكن تعرف أن وجودها وحده…

قادر على إشعال حرب.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الغريبه//strange    الفصل السادس والاربعون

    غابت شمس الأصيل ورسمت على أفق المملكة الملكية أطيافاً من اللون الأرجواني والذهبي، لتتراجع أضواء النهار وتترك الساحة لليلٍ هادئ تتلألأ في سمائه نجومٌ ماسية ناصعة النقاء. كانت القلعة الملكية تنعم بسكون عميق لم تشهده منذ أعوام؛ فالساحات التي كانت تعج بصليل السيوف وهمهمات السحرة، أصبحت اليوم معطرة بنسيم الزنابق المائية وأزهار الياسمين الجبلي التي تفتح أوراقها مع اشتداد ظلمة الليل.في الجناح الملكي الأعلى، المخصص للألفا واللونا، كانت الشموع العطرية المصنوعة من شمع العسل واللافندر تشتعل في كؤوس بلورية مرتفعة، ترسل أضواءً خافقة ودافئة تنعكس على الجدران الرخامية المكسوة بالستائر المخملية الداكنة.كانت اللونا أوركيد تقف بجانب الشرفة العريضة، تتطلع إلى امتداد الغابة الساحرة والبحيرة الشفافة التي تعكس نور القمر الفضي الكامل. كانت ترتدي رداءً نومياً فاخراً من الحرير الحريري ذي اللون الياقوتي العميق، ينساب على جسدها الممشوق ببراعة ساحرة، وتتدلى خصلات شعرها الذهبي الناري على كتفيها وظهرها كأمواج من الضياء الساطع. كانت يداها الرقيقتان تتلمسان الإفريز الحجري، وعيناها الذهبيتان تنبضان ببريق هادئ يجمع

  • الغريبه//strange    الفصل الخامس والاربعون

    غابت شمس النهار خلف التلال الزبرجدية لتترك عرش السماء لليلٍ مرصع بالنجوم الماسية المتلألئة. كانت النسمات الشمالية الدافيء تنساب بين أروقة القلعة الملكية حاملة معها عبق أزهار الياسمين وعطور الفينيكس الذهبية. خلت القاعة الكبرى من صخب الاجتماعات وقرارات الحكم، واكتفت الشموع العطرية المصنوعة من شمع العسل الجبلي بإرسال أضواء دافئة تحاكي ضياء الأقمار المكتملة.في الشرفة الخاصة ببرج اللونا، كانت أوركيد تقف بفتنة أسطورية أمام نسيج الليل. كانت ترتدي رداءً من الحرير الماروني الناعم ينساب مع جسدها الانسيابي كجرعة من السحر، بينما تهطل خصلات شعرها الذهبي حول كتفيها كشلال من الضياء الناري. كانت تنظر إلى الأفق، وتستشعر الحضور المهيب وزئير العاطفة المتصاعد خلفها دون أن تلتفت؛ فالروح تعرف رفيقها قبل أن تراه الأبصار.تقدم الألفا ألكسندر بخطوات متزنة وواثقة تحاكي مشية ملك القفر والعرش. كانت هالته الفضية تحيط به كنسيج أسطوري دافئ تزيل أي أثر للبرودة الليلية. استقر خلفها تماماً، ولمس خصرها برفق قبل أن يلف ذراعيه القويتين حول جسدها، ويجذبها إلى صدره العريض الصادق في نبضاته.وضع ألكسندر ذقنه على انحناءة عنق

  • الغريبه//strange    الفصل الرابع والاربعون

    كان الصباح في القلعة الملكية يحمل نسائماً دافئة وشعوراً استثنائياً بالاسترخاء لم تعتده الجدران الحجرية منذ عقود. خلت الساحات من صليل السيوف، واستبدلت صيحات التدريب بصوت العصافير وألحان الجداول القريبة. في الحديقة الملكية الكبرى، قررت اللونا أوركيد تنظيم جلسة شاي هادئة تجمع بين جميع الأزواج والرفاق، لكن هدوء القلعة لا يدوم طويلاً حين يجتمع هذا الجمع في مكان واحد.كانت الطاولة الخشبية العريضة مزينة بزهور الياسمين والورد الجوري، وتتوسطها أطباق المعجنات الفاخرة التي أعدها طهاة العرش. تجلس أوركيد إلى جوار زوجها الألفا ألكسندر، بينما تتكئ الأميرة نيرا برقة على كتف زوجها إلياس، وتجلس يلينا بالقرب من نيثان، في حين يتنقل سير أوريان بين الحضور بعباءته السحرية الأنيقة، وتحاول سيلين تجاهل محاولاته المتكررة لإبهارها.بدأ الأمر عندما قرر سير أوريان تقديم عرض سحري بسيط لإضفاء لمسة من السحر الملكي على الفنجان الخاص به. رفع عصاه الأبنوسية بثقة، وتنحنح قائلاً بصوت جنائزي افتعله لإظهار الهيبة:— "احذروا جميعاً! سأقوم الآن باستدعاء بذور النعناع الأثيري مباشرة من القمم الشمالية لتنزل في فنجاني وتنشر عبقاً

  • الغريبه//strange    الفصل الثالث والاربعون

    كان الصباح يشرق على القلعة الملكية بضياء دافئ ينساب بين أعمدة الرخام الأبيض والحدائق المهرجانية التي امتزجت فيها أزهار البر بأعشاب أطلانطس المائية الشفافة. بعد انقضاء معارك الجبال وتطهير كهوف الزمرد المتجمد، عاش القطيع الملكي وشعوبه الحليفة أياماً من السكينة المطلقة. غير أن سكون الطبيعة في العوالم الأسطورية لا يعني زوال الأسرار، بل غالباً ما يكون الهدوء الذي يسبق انكشاف أسرار أعمق وأعتى.في قاعة المخطوطات الأثرية التابعة لعرش القطيع، كانت اللونا أوركيد تجلس أمام طاولة ضخمة من خشب الأبنوس المعتق. كانت أوراق البردي القديمة تحيط بها، ونور الفينيكس الهادئ يتوهج في عينيها الذهبيتين وهي تتفحص وثيقة عتيقة ذات حواف فضية متآكلة، أُخرجت حديثاً من خبايا الأرشيف الملكي.تقدم الألفا ألكسندر بخطوات متزنة هزت أرضية القاعة برفق، وهالته الفضية تحيط به كغطاء ملكي مهيب. وقف خلف أوركيد ووضع يديه على كتفيها، ينظر إلى الرموز المنقوشة بمداد لا ينطفئ.قال ألكسندر بصوت رجولي عميق يحمل نبرة التساؤل:— "أراكي غارقة في دراسة هذا المخطوط منذ بزوغ الفجر يا أوركيد... هل هناك ما يشغل روح الفينيكس في أيام السلام هذه؟

  • الغريبه//strange    الفصل الثاني والاريعون

    كان السلام في القلعة الملكية يشبه بحيرة زجاجية صافية، ولكن الأعماق الأسطورية للعالم لا تظل ساكنة للأبد. بعد أسابيع من عودة الأبطال من مملكة أطلانطس المائية واستقرار "ختم الأبديات"، بدأت ظاهرة غريبة تتجلى عند التخوم الشمالية لغابة الهامس. لم تكن المياه هذه المرة هي مصدر القلق، بل كانت طبقات الأثير الجوي التي تربط بين أعالي الجبال والأعماق المائية.في قاعة العرش، كانت الأميرة نيرا تقف بجوار زوجها إلياس أمام خريطة سحرية مصنوعة من الكريستال المائي. رغم أنها تتنفس هواء البر وتتحرك بقدميها البشريتين الكاملتين ببراعة، إلا أن عينيها الكحيلتين كانتا تنبضان بالضوء الزبرجدي الخاص بحوريات البحر كلما اقتربت من البلورة السحرية.رفعت نيرا يدها فوق الخريطة، فتصاعدت قطرات مائية صغيرة شكلت مجسماً ثلاثي الأبعاد للجبال الشمالية، وقالت بصوت جاد يحمل رنين الأعماق:— "يا ألفا ألكسندر... يا لونا أوركيد... السحر المائي الذي أعدنا تثبيته في أطلانطس أحدث استجابة عكسية في المرتفعات المتجمدة. بقايا طاقة الساحرة مورغانا التي طُردت من خندق الهاوية لم تتبدد تماماً، بل صعدت عبر التداخلات الأثيرية وتجمعت في 'كهوف الزم

  • الغريبه//strange    الفصل الواحد واربعون

    لم تكد القلعة الملكية تستكين لدفء الانتصار الذي تحقق في أعماق أطلانطس، حتى كانت أرجاء البلاط تفيض بهالة من المهابة الممتزجة بالهدوء الحذر. كانت الشمس تصب أشعتها الذهبية على جدران القلعة العتيدة، لتبدو الحجارة الرمادية وكأنها توهجت بسحر عتيق ينبض بالحياة. استقر الألفا ألكسندر في المجلس الأعلى برفقة اللونا أوركيد، حيث انتشرت المخطوطات المائية والرموز المرجانية التي أهدتها الملكة نيريدا لأبطال البر.وقفت نيرا بجوار زوجها إلياس، وعلى الرغم من أنها عادت إلى هيئتها البشرية الكاملة بمجرد أن وطأت قدمها اليابسة، إلا أن عينيها الكحيلتين كانتا تلمعان ببريق المحيط. كانت روحها تبدو متصلة بتلك المياه العميقة التي تركت فيها جزءاً من كيانها كأميرة لأطلانطس. ابتسم إلياس وهو ينظر إليها بامتنان، ويمسك بيدها برقة تعكس عمق الرابطة بينهما، رغماً عن كل الفوارق بين طبيعة المستذئبين وأسرار شعب الحوريات.قالت نيرا بصوت دافئ ينساب كالهمس المائي:— "إن أطلانطس تنعم الآن بالأمان، يا ألكسندر. لكن بلورة 'قلب المحيط' لم تسترد طاقتها بالكامل بعد. إنها تحتاج إلى وقت لتستعيد بريقها الأزرق الصافي بعد أن امتدت إليها يد ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status