Masukاستيقظت أوركيد قبل الفجر بقليل.
لم يكن استيقاظًا طبيعيًا، بل انتزاعًا مفاجئًا من سكون ثقيل، كأن يدًا غير مرئية جذبت روحها بعنف إلى سطح الوعي. فتحت عينيها وهي تلهث، وقطرات العرق البارد تغطي جبينها، وقلبها يخفق بقوة غير معتادة، كأنه يحاول كسر قفصها الصدري من الداخل. ساد الصمت. لكن الصمت لم يكن فارغًا. كان مشحونًا… مترقّبًا. جلست ببطء، وأول ما انتبهت له هو الحرارة. جسدها كله كان دافئًا، أكثر مما ينبغي، لا يشبه حرارة الحمى، بل دفئًا عميقًا، ثابتًا، ينبع من الداخل وينتشر في أطرافها بهدوء مخيف. وضعت كفها على صدرها. دقات قلبها كانت منتظمة، لكنها قوية، ثابتة، كأنها دقات قلب شخص آخر… أقوى منها. تمتمت بصوت خافت: «ما الذي يحدث لي؟» نهضت، واتجهت نحو النافذة الصغيرة. كان الفجر لم يكتمل بعد، والسماء ما تزال رمادية حمراء داكنة. القرية بدت ساكنة، لكن أوركيد شعرت—دون أن ترى—أنها ليست نائمة. هناك حركة. أرواح يقِظة. نظرات. ارتعشت دون سبب واضح، وابتعدت عن النافذة. حين التفتت، لمحت المرآة. ترددت لحظة، ثم اقتربت. انعكاسها كان مألوفًا… ومقلقًا في آن واحد. عيناها كانتا أكثر صفاءً. لون بشرتهما بدا أعمق، أنقى. كأن الضوء، الخافت ، يستجيب لها أكثر مما ينبغي. رفعت يدها ببطء، ولاحظت أن الجرح الصغير الذي كان في معصمها—ذلك الذي رأته في الليلة الماضية—قد اختفى تمامًا. لا أثر. لا ندبة. ابتلعت ريقها. «هذا غير ممكن…» مدّت أناملها تتحسس جلدها، كأنها تبحث عن دليل يؤكد أنها ما تزال بشرية كما كانت دائمًا. لكن الإحساس تحت أصابعها لم يكن مألوفًا. لم يكن جلد شخص مريض… بل جلد شخص يتعافى بسرعة غير طبيعية. طرق خفيف على الباب جعلها تنتفض. تراجعت خطوة، وقلبها يقفز. «أوركيد.» الصوت كان نسائيًا، هادئًا، لكن يحمل حذرًا واضحًا. فتحت الباب ببطء. كانت المرأة ذات العينين الرماديتين تقف هناك. اسمها—كما أخبروها—كان ليثيا. لم تكن ودودة، لكنها لم تكن عدائية. نظرتها كانت دائمًا ثابتة، فاحصة، كأنها ترى أكثر مما يُقال. قالت ليثيا: «الألفا يطلب حضورك.» تجمدت أوركيد. «الألفا؟» أومأت المرأة. «ألكسندر.» لم تعرف لماذا، لكن مجرد سماع الاسم جعل الحرارة في صدرها تتصاعد فجأة. إحساس غريب، غير مبرر، جعل أنفاسها تختل. «الآن؟» سألت. «الآن.» سارت خلف ليثيا عبر ممرات القرية. كلما تقدمت، شعرت بثقل النظرات. لم يكن القرويون يقتربون منها، لكنهم لم يشيحوا بوجوههم أيضًا. كانوا يراقبونها… بصمت، بفضول، وبشيء يشبه الارتياب. سمعت همسات مكتومة. «بشرية…» «كيف وصلت إلى هنا؟» «رائحتها… ليست طبيعية.» شدّت أوركيد ذراعيها حول جسدها، محاولة أن تبدو ثابتة. توقفوا أمام بيت أكبر من البقية، مبني من خشب داكن وحجر، يقف في قلب القرية كرمز سلطة صامت. قبل أن تطرق ليثيا الباب، انفتح من الداخل. وخرج هو. الألفا ألكسندر. كان أطول مما توقعت، عريض الكتفين، حضوره يفرض نفسه دون حاجة إلى كلمات. شعره الداكن كان مربوطًا خلف رأسه، وملامحه حادة، لكن ليست قاسية… بل مهيبة. عيناه كانتا ذهبيتين داكنتين، كأنهما تحملان ظلال ليل طويل. حين وقعت عيناه عليها، توقف الزمن. لم يكن نظره فاحصًا فقط… كان عميقًا، ثابتًا، كأنه يرى ما وراء جلدها وعظامها. شعرت أوركيد بأنفاسها تختفي، وبالحرارة داخلها تشتعل دون سبب مفهوم. خفض بصره أولًا. كأنه هو من تراجع. قال بصوت هادئ، عميق: «ادخلي.» دخلت. كان البيت بسيطًا من الداخل، لكنه يحمل أثر القيادة. خرائط قديمة على الجدران، أسلحة معلقة، ورائحة خشب ونار. لم تكن وحدها. رجلان آخران كانا هناك. الأول كان ذا شعر فضي قصير وعينين حادتين، يقف قريبًا من ألكسندر بثقة واضحة. تقدّم خطوة وقال: «أنا دارِن… صديق الألفا.» الثاني كان أصغر سنًا، عيناه سوداوان، حركته هادئة لكنها يقِظة. «وأنا كايل، مساعد الألفا.» أومأت أوركيد برأسها، ثم نظرت إلى ألكسندر. «لماذا استدعيتني؟» ساد صمت قصير. ثم قال ألكسندر: «لأن وجودك هنا يثير أسئلة.» رفعت ذقنها قليلًا. «وأنا لا أملك إجابات.» نظر إليها دارِن باهتمام. «وهذا ما يقلقنا.» تقدّم ألكسندر خطوة. «أنتِ بشرية.» قالها كا سؤال وليس كا حقيقه «نعم.» توقف للحظة، ثم تابع: «ولا يوجد بشر في هذه الأرض.» انقبض قلبها. «أنا لم أختر المجيء.» «لكن الدم لا يخطئ الطريق.» قالها كايل بصوت منخفض. التفتت إليه. «أي دم؟» ساد توتر خفي في الغرفة. قال ألكسندر بصرامة هادئة: «اهدأ، كايل.» ثم عاد بنظره إلى أوركيد. «ما نشعر به ليس تهديدًا بعد… لكنه خلل.» شدّت أصابعها. «أنا لست خللًا.» للحظة، مرّ شيء غريب في عينيه… شيء يشبه الاعتذار. «أعلم.» قالها بهدوء. «ولهذا لم نطردك.» تجرأت وسألت: «وماذا ترون إذن؟» تبادل الرجال نظرات صامتة. قال دارِن أخيرًا: «نرى بشرية… برائحة لا تشبه البشر.» ارتعشت أوركيد. «أنا لا أفهم.» اقترب ألكسندر أكثر، حتى صارت المسافة بينهما قصيرة بشكل جعلها تشعر بأنفاسه. توقفت الحرارة داخلها عن كونها مزعجة… وصارت مألوفة، كأنها وجدت مصدرها. قال بصوت منخفض: «ولا يجب أن تفهمي الآن.» رفع رأسه، ونظر إلى الآخرين. «راقبوها. لا تُؤذى. ولا تُسأل أكثر.» ثم عاد إليها. «ستبقين هنا مؤقتًا.» سألته، بصوت خافت: «وإن كنتُ خطرًا؟» نظر في عينيها مباشرة. «عندها… سأكون أول من يواجه ذلك.» خرجت من البيت وقلبها يضرب بعنف. لم تكن تعرف أن في أعماقها دمًا نقيًا، قديمًا، لا ينتمي لمصاصي الدماء، ولا يخضع لهم. دم العنقاء… الذي إن عُرف، سيسيل دم العالم لأجله. لكن ذلك الدم… كان قد بدأ بالفعل بالاستيقاظ. .......... لم تستطع أوركيد النوم بعد خروجها من بيت الألفا. سارت في الممر الخشبي المؤدي إلى الغرفة التي خُصصت لها، لكن خطواتها كانت بطيئة، كأن الأرض نفسها صارت أثقل. كلمات ألكسندر ما زالت تتردد في رأسها، لا بصوتها… بل بإحساسها. الدم لا يخطئ الطريق. لم تكن تفهم ما يعنيه، لكنها شعرت أن الجملة لم تُقَل عبثًا. حين أغلقت الباب خلفها، استندت عليه للحظة، أغمضت عينيها، وأخذت نفسًا عميقًا. الحرارة داخلها لم تختفِ، لكنها صارت أكثر انتظامًا، كأن شيئًا ما استقر بدل أن يهدأ. خلعت معطفها ببطء، وجلست على حافة الفراش. يداها كانتا ترتجفان قليلًا. رفعت كفها أمام عينيها، راقبت خطوطها، لون جلدها، نبض العروق تحتها. كل شيء… طبيعي. ومع ذلك، لم يكن كذلك. أغمضت عينيها مرة أخرى، وحين فتحتهما— رأت نارًا. لم تكن في الغرفة، بل في رأسها. لهيبٌ صامت، بلا صوت احتراق، يتراقص في الظلام. شعرت بحرارته، لا تحرق، بل تُغذّي. شهقت، ونهضت واقفة. «توقّفي.» همست لنفسها. «توقّفي عن هذا.» لكن النار لم تختفِ فورًا. تلاشت ببطء، كما لو أنها انسحبت إلى عمق لا تستطيع الوصول إليه. في الخارج، كانت القرية تغلي بصمت. وقف دارِن قرب إحدى النيران الكبيرة في الساحة، ذراعاه معقودتان، عيناه تراقبان البيوت. اقترب منه كايل بخطوات حذرة. قال كايل بصوت منخفض: «وجودها يربك القطيع.» لم يلتفت دارِن. «وجودها يربك الألفا.» سكت كايل لحظة، ثم قال: «هل تشك؟» تنهد دارِن ببطء. «أشك في كل ما لا أفهمه.» نظر كايل نحو بيت ألكسندر. «لكنه لم يبعدها.» التفت دارِن أخيرًا، عينيه تضيقان. «لأنه شعر بشيء… وأنا أيضًا.» خفض كايل صوته أكثر. «رائحتها ليست بشرية، لكنها ليست…» «مستذئبة.» أكمل دارِن. «ولا مصاصة دماء.» ساد صمت ثقيل. قال كايل: «وهذا أخطر.» في تلك الأثناء، كان ألكسندر يقف وحده في بيته، أمام الخريطة القديمة المعلّقة على الجدار. القلعة—قلعته—كانت مُعلّمة بعلامة سوداء، محاطة برموز قديمة للحصار. مدّ يده، مرّر أصابعه فوق العلامة، وعيناه تشتعلان بغضب مكبوت. «مصاصو الدماء…» همس بالاسم كأنه لعنة. لكنه، رغم كل ذلك، لم يكن يفكر في الحرب القادمة فقط. كان يفكر فيها. في أوركيد. في اللحظة التي وقعت فيها عيناها على عينيه، شعر بشيء لم يشعر به منذ سنوات. لم يكن تهديدًا… بل صدى. صدى عميق في صدره، في دمه، كأن جسده تعرّف على شيء أقدم من العقل. هز رأسه بعنف. «ليس الآن.» قالها لنفسه. عاد إلى أوركيد. كانت مستلقية على الفراش حين بدأ الألم. ليس ألمًا حادًا، بل ضغطًا بطيئًا، يبدأ من عمودها الفقري ويمتد إلى كتفيها. تأوهت، انكمشت قليلًا، وضغطت أسنانها على شفتها. «اهدئي…» لكن جسدها لم يطع. شعرت بحرارة أقوى، تتركز بين كتفيها، كأن شيئًا يحاول التمدد، لا للخارج… بل للداخل. كأن جسدها يُعاد ترتيبه دون إذنها. جلست فجأة، تلهث. ثم توقّف كل شيء. اختفى الألم كما بدأ، تاركًا خلفه إرهاقًا غريبًا… وقوة. نهضت بحذر، مشت خطوتين، ثم توقفت بدهشة. جسدها كان أخف. توازنها أدق. سمعها—لأول مرة—صوت خطوات بعيدة خارج الغرفة، رغم أن المسافة لم تكن قريبة. وضعت يدها على أذنها. «مستحيل…» طرقة خفيفة على الباب. تجمدت. «أوركيد.» صوت ألكسندر. ترددت لحظة، ثم فتحت الباب. كان يقف هناك وحده. لم يكن يرتدي درعه، بل معطفًا داكنًا بسيطًا. عيناه كانتا أقل حدّة… وأكثر تركيزًا. نظر إليها، ولاحظ فورًا الشحوب الخفيف على وجهها. قال: «هل تشعرين بألم؟» توسعت عيناها. «كيف عرفت؟» لم يجب مباشرة. «لأنني رأيت هذا من قبل.» ابتلعت ريقها. «رأيته… عند من؟» نظر إليها طويلًا، ثم قال: «عند من لم يكونوا بشرًا بالكامل.» ارتجفت. «لكنني بشرية.» اقترب خطوة. «نعم.» ثم أضاف بصوت أخفض: «لكن ليس فقط.» رفعت رأسها بعناد. «أنا لا أفهم ما الذي تلمّح إليه.» قال بهدوء: «ولهذا جئت.» تراجع خطوة، مانحًا إياها مساحة. «ما تشعرين به لن يختفي. لكنه أيضًا… لن يؤذيكِ.» سألته بصوت مرتجف: «وكيف تكون متأكدًا؟» نظر في عينيها، بثبات. «لأن ما في دمكِ لا يعرف الأذى.» لم تفهم، لكن كلماتِه—رغم غموضها—منحتها شعورًا غريبًا بالأمان. قال: «في الأيام القادمة، راقبي جسدك. إن شعرتِ بشيء… تعالي إليّ.» ترددت، ثم سألت: «لماذا أنت؟» ساد صمت قصير. ثم قال ألكسندر: «لأنني المسؤول عن كل ما يحدث داخل هذه الأرض…» وتوقّف لحظة، قبل أن يكمل: «ولأن وجودكِ هنا، مرتبط بي أكثر مما ينبغي.» غادر قبل أن تسأله المزيد. وأوركيد بقيت واقفة عند الباب، قلبها يخفق، وجسدها دافئ، وفي أعماقها— شيء بأجنحة من نار، يرفرف… منتظرًا وقته. ........... خرج ألكسندر من البيت قبل أن يكتمل الليل. لم يخبر أحدًا. لم ينادِ دارِن، ولم يكلّف كايل بالمراقبة. كان يحتاج إلى الصمت، إلى الغابة، إلى المساحة الوحيدة التي يستطيع فيها أن يكون صادقًا مع نفسه… ومع ذئبه. خطواته كانت سريعة، ثابتة، كأن جسده يعرف الطريق دون حاجة إلى تفكير. ما إن تجاوز حدود القرية حتى تغيّر الهواء. رائحة الأشجار، الأرض الرطبة، والظلام الحيّ… كل ذلك استقبله كأنه ابن عاد إلى رحم موطنه. توقّف عند عمق الغابة. أغلق عينيه. وحين فتحهما… لم يكن وحده. «أخيرًا.» الصوت لم يُسمَع بالأذن. كان في رأسه. في صدره. في دمه. شدّ ألكسندر فكيه. «اصمت.» ضحك الذئب في داخله، ضحكة خشنة، قديمة. «تأخرتَ كثيرًا. كنتَ تعلم.» خلع معطفه، رماه جانبًا، ومرّر يده في شعره بعصبية. «ما أشعر به لا يعني شيئًا.» «كاذب.» قالها الذئب بوضوح جارح. «حين نظرتَ إليها، استيقظتُ. وحين اقتربتْ، صرختُ في دمك.» أدار ألكسندر ظهره، كأن بإمكانه الهروب. «هي بشرية.» «لا.» جاء الرد فوريًا. «هي الرفيقة المقدّرة.» تصلبت عضلاته. «لا تقلها.» «إنكارك لا يغيّر الحقيقة.» انحنى ألكسندر قليلًا، واضعًا يديه على ركبتيه. تنفّسه صار أثقل. الحرارة التي كان يكبتها منذ لقائه بأوركيد بدأت تتمرد. «إن وسمتها الآن…» قال بصوت منخفض. «سأجرّها إلى حرب لم تخترها.» «وإن لم تفعل…» اقترب الصوت في رأسه، صار أعمق، أشرس. «ستتألم.» رفع رأسه فجأة. «أنا أتحمّل.» ضحك الذئب مرة أخرى. «لا تتحدث عن نفسك فقط.» ساد صمت قصير، ثم قال الذئب بنبرة أخطر: «أنت تعلم ما يحدث للألفا حين يرفض رفيقته.» قبض ألكسندر على قبضتيه. «سأسيطر.» «ستضعف.» «ستفقد تركيزك.» «وسينزف القطيع ثمن ذلك.» شدّ أنفاسه، ثم قال بحدة: «كفى.» لكن جسده… لم يتوقف. بدأ التحوّل. لم يكن كاملاً. لم يسمح له بذلك. لكنه ترك الذئب يخرج بما يكفي ليُسكته. تمددت عظامه قليلًا، اشتدت حواسه، وانحنت قامته، وعيناه توهّجتا بالذهب. ركض. ركض بين الأشجار، قافزًا فوق الجذوع، ممزّقًا الهواء بسرعة، حتى صار العالَم كله رائحة وصوتًا وحركة. كانت الغابة تعرفه. تفسح له الطريق. توقف أخيرًا عند فسحة صغيرة، القمر فوقه مباشرة. رفع رأسه، أطلق زفيرًا حادًا. «الوسم.» قال الذئب بإصرار. «أسنانكِ في عنقها. دمك ودمها يختلطان. وشم الذئب يظهر.» أغمض ألكسندر عينيه بقوة. «وحينها سيعرف الجميع.» «وسيحترمونها.» «وسيطاردها مصاصو الدماء.» سكت الذئب لحظة. ثم قال ببطء: «هم سيطاردونها مهما فعلت.» فتح ألكسندر عينيه. «ليس الآن.» «الوقت لا ينتظر.» «وأنا الألفا.» قالها بنبرة قاطعة. «وأنا من يقرر.» عاد التحوّل للانكماش. عاد جسده بشريًا، لكن الألم لم يختفِ. ذلك الألم الخافت، العميق، الذي يبدأ من الصدر ويمتد إلى العظم… ألم الرفض. ارتدى معطفه، واستدار عائدًا. في القرية، كانت أوركيد مستيقظة. جلست على فراشها، واضعة يدها على رقبتها دون وعي. إحساس غريب هناك… دفء، وخز، كأن شيئًا كان يجب أن يكون… ولم يحدث. همست: «ألكسندر…» لم تعرف لماذا نطقت اسمه. وفي اللحظة نفسها، توقف هو فجأة، قلبه يخفق بقوة، وأنفاسه تختل. «ألم تشعر؟» قال الذئب بهدوء قاتل. «هي تناديك دون أن تعرف.» شدّ ألكسندر أسنانه. «ليس الآن.» عاد إلى القرية، وقراره ثقيل كالسلاسل. لم يخبرها أنها رفيقته المقدّرة. لم يوسمها. لم يخبرها أن دمها لا يجب أن يبقى بلا تدريب، وأنها إن لم تتعلّم كيف تُخرج ذئبتها وعنقاءها عند الخطر… فسيفعل الخطر ذلك بدلًا عنها. لكن القدر… لا ينتظر موافقة أحد.غابت شمس الأصيل ورسمت على أفق المملكة الملكية أطيافاً من اللون الأرجواني والذهبي، لتتراجع أضواء النهار وتترك الساحة لليلٍ هادئ تتلألأ في سمائه نجومٌ ماسية ناصعة النقاء. كانت القلعة الملكية تنعم بسكون عميق لم تشهده منذ أعوام؛ فالساحات التي كانت تعج بصليل السيوف وهمهمات السحرة، أصبحت اليوم معطرة بنسيم الزنابق المائية وأزهار الياسمين الجبلي التي تفتح أوراقها مع اشتداد ظلمة الليل.في الجناح الملكي الأعلى، المخصص للألفا واللونا، كانت الشموع العطرية المصنوعة من شمع العسل واللافندر تشتعل في كؤوس بلورية مرتفعة، ترسل أضواءً خافقة ودافئة تنعكس على الجدران الرخامية المكسوة بالستائر المخملية الداكنة.كانت اللونا أوركيد تقف بجانب الشرفة العريضة، تتطلع إلى امتداد الغابة الساحرة والبحيرة الشفافة التي تعكس نور القمر الفضي الكامل. كانت ترتدي رداءً نومياً فاخراً من الحرير الحريري ذي اللون الياقوتي العميق، ينساب على جسدها الممشوق ببراعة ساحرة، وتتدلى خصلات شعرها الذهبي الناري على كتفيها وظهرها كأمواج من الضياء الساطع. كانت يداها الرقيقتان تتلمسان الإفريز الحجري، وعيناها الذهبيتان تنبضان ببريق هادئ يجمع
غابت شمس النهار خلف التلال الزبرجدية لتترك عرش السماء لليلٍ مرصع بالنجوم الماسية المتلألئة. كانت النسمات الشمالية الدافيء تنساب بين أروقة القلعة الملكية حاملة معها عبق أزهار الياسمين وعطور الفينيكس الذهبية. خلت القاعة الكبرى من صخب الاجتماعات وقرارات الحكم، واكتفت الشموع العطرية المصنوعة من شمع العسل الجبلي بإرسال أضواء دافئة تحاكي ضياء الأقمار المكتملة.في الشرفة الخاصة ببرج اللونا، كانت أوركيد تقف بفتنة أسطورية أمام نسيج الليل. كانت ترتدي رداءً من الحرير الماروني الناعم ينساب مع جسدها الانسيابي كجرعة من السحر، بينما تهطل خصلات شعرها الذهبي حول كتفيها كشلال من الضياء الناري. كانت تنظر إلى الأفق، وتستشعر الحضور المهيب وزئير العاطفة المتصاعد خلفها دون أن تلتفت؛ فالروح تعرف رفيقها قبل أن تراه الأبصار.تقدم الألفا ألكسندر بخطوات متزنة وواثقة تحاكي مشية ملك القفر والعرش. كانت هالته الفضية تحيط به كنسيج أسطوري دافئ تزيل أي أثر للبرودة الليلية. استقر خلفها تماماً، ولمس خصرها برفق قبل أن يلف ذراعيه القويتين حول جسدها، ويجذبها إلى صدره العريض الصادق في نبضاته.وضع ألكسندر ذقنه على انحناءة عنق
كان الصباح في القلعة الملكية يحمل نسائماً دافئة وشعوراً استثنائياً بالاسترخاء لم تعتده الجدران الحجرية منذ عقود. خلت الساحات من صليل السيوف، واستبدلت صيحات التدريب بصوت العصافير وألحان الجداول القريبة. في الحديقة الملكية الكبرى، قررت اللونا أوركيد تنظيم جلسة شاي هادئة تجمع بين جميع الأزواج والرفاق، لكن هدوء القلعة لا يدوم طويلاً حين يجتمع هذا الجمع في مكان واحد.كانت الطاولة الخشبية العريضة مزينة بزهور الياسمين والورد الجوري، وتتوسطها أطباق المعجنات الفاخرة التي أعدها طهاة العرش. تجلس أوركيد إلى جوار زوجها الألفا ألكسندر، بينما تتكئ الأميرة نيرا برقة على كتف زوجها إلياس، وتجلس يلينا بالقرب من نيثان، في حين يتنقل سير أوريان بين الحضور بعباءته السحرية الأنيقة، وتحاول سيلين تجاهل محاولاته المتكررة لإبهارها.بدأ الأمر عندما قرر سير أوريان تقديم عرض سحري بسيط لإضفاء لمسة من السحر الملكي على الفنجان الخاص به. رفع عصاه الأبنوسية بثقة، وتنحنح قائلاً بصوت جنائزي افتعله لإظهار الهيبة:— "احذروا جميعاً! سأقوم الآن باستدعاء بذور النعناع الأثيري مباشرة من القمم الشمالية لتنزل في فنجاني وتنشر عبقاً
كان الصباح يشرق على القلعة الملكية بضياء دافئ ينساب بين أعمدة الرخام الأبيض والحدائق المهرجانية التي امتزجت فيها أزهار البر بأعشاب أطلانطس المائية الشفافة. بعد انقضاء معارك الجبال وتطهير كهوف الزمرد المتجمد، عاش القطيع الملكي وشعوبه الحليفة أياماً من السكينة المطلقة. غير أن سكون الطبيعة في العوالم الأسطورية لا يعني زوال الأسرار، بل غالباً ما يكون الهدوء الذي يسبق انكشاف أسرار أعمق وأعتى.في قاعة المخطوطات الأثرية التابعة لعرش القطيع، كانت اللونا أوركيد تجلس أمام طاولة ضخمة من خشب الأبنوس المعتق. كانت أوراق البردي القديمة تحيط بها، ونور الفينيكس الهادئ يتوهج في عينيها الذهبيتين وهي تتفحص وثيقة عتيقة ذات حواف فضية متآكلة، أُخرجت حديثاً من خبايا الأرشيف الملكي.تقدم الألفا ألكسندر بخطوات متزنة هزت أرضية القاعة برفق، وهالته الفضية تحيط به كغطاء ملكي مهيب. وقف خلف أوركيد ووضع يديه على كتفيها، ينظر إلى الرموز المنقوشة بمداد لا ينطفئ.قال ألكسندر بصوت رجولي عميق يحمل نبرة التساؤل:— "أراكي غارقة في دراسة هذا المخطوط منذ بزوغ الفجر يا أوركيد... هل هناك ما يشغل روح الفينيكس في أيام السلام هذه؟
كان السلام في القلعة الملكية يشبه بحيرة زجاجية صافية، ولكن الأعماق الأسطورية للعالم لا تظل ساكنة للأبد. بعد أسابيع من عودة الأبطال من مملكة أطلانطس المائية واستقرار "ختم الأبديات"، بدأت ظاهرة غريبة تتجلى عند التخوم الشمالية لغابة الهامس. لم تكن المياه هذه المرة هي مصدر القلق، بل كانت طبقات الأثير الجوي التي تربط بين أعالي الجبال والأعماق المائية.في قاعة العرش، كانت الأميرة نيرا تقف بجوار زوجها إلياس أمام خريطة سحرية مصنوعة من الكريستال المائي. رغم أنها تتنفس هواء البر وتتحرك بقدميها البشريتين الكاملتين ببراعة، إلا أن عينيها الكحيلتين كانتا تنبضان بالضوء الزبرجدي الخاص بحوريات البحر كلما اقتربت من البلورة السحرية.رفعت نيرا يدها فوق الخريطة، فتصاعدت قطرات مائية صغيرة شكلت مجسماً ثلاثي الأبعاد للجبال الشمالية، وقالت بصوت جاد يحمل رنين الأعماق:— "يا ألفا ألكسندر... يا لونا أوركيد... السحر المائي الذي أعدنا تثبيته في أطلانطس أحدث استجابة عكسية في المرتفعات المتجمدة. بقايا طاقة الساحرة مورغانا التي طُردت من خندق الهاوية لم تتبدد تماماً، بل صعدت عبر التداخلات الأثيرية وتجمعت في 'كهوف الزم
لم تكد القلعة الملكية تستكين لدفء الانتصار الذي تحقق في أعماق أطلانطس، حتى كانت أرجاء البلاط تفيض بهالة من المهابة الممتزجة بالهدوء الحذر. كانت الشمس تصب أشعتها الذهبية على جدران القلعة العتيدة، لتبدو الحجارة الرمادية وكأنها توهجت بسحر عتيق ينبض بالحياة. استقر الألفا ألكسندر في المجلس الأعلى برفقة اللونا أوركيد، حيث انتشرت المخطوطات المائية والرموز المرجانية التي أهدتها الملكة نيريدا لأبطال البر.وقفت نيرا بجوار زوجها إلياس، وعلى الرغم من أنها عادت إلى هيئتها البشرية الكاملة بمجرد أن وطأت قدمها اليابسة، إلا أن عينيها الكحيلتين كانتا تلمعان ببريق المحيط. كانت روحها تبدو متصلة بتلك المياه العميقة التي تركت فيها جزءاً من كيانها كأميرة لأطلانطس. ابتسم إلياس وهو ينظر إليها بامتنان، ويمسك بيدها برقة تعكس عمق الرابطة بينهما، رغماً عن كل الفوارق بين طبيعة المستذئبين وأسرار شعب الحوريات.قالت نيرا بصوت دافئ ينساب كالهمس المائي:— "إن أطلانطس تنعم الآن بالأمان، يا ألكسندر. لكن بلورة 'قلب المحيط' لم تسترد طاقتها بالكامل بعد. إنها تحتاج إلى وقت لتستعيد بريقها الأزرق الصافي بعد أن امتدت إليها يد ا







