LOGINلم يكن الشكّ يأتي على هيئة صوت.
كان يأتي على هيئة فراغ. فراغ بارد تسلّل إلى صدر ألكسندر مع أول خيط من الفجر، حين وقف في أعلى نقطة من القرية، يراقب الضباب وهو ينزلق ببطء بين البيوت الخشبية. الغابة كانت هادئة أكثر من اللازم، والهدوء—في عالمه—لم يكن فألًا حسنًا. اقترب دارِن منه، خطواته صامتة، لكن رائحته محمّلة بالتوتر. قال دون مقدمات: «وصلتنا إشارات من الحدود الغربية.» لم يلتفت ألكسندر. «أي نوع من الإشارات؟» تردّد دارِن لحظة. «توقّف الصيادون عن الاقتراب من تلك المنطقة… والليل هناك صار أطول.» أغمض ألكسندر عينيه ببطء. «مصاصو الدماء.» قالها كحقيقة لا تحتاج إلى تأكيد. تقدّم كايل هذه المرة، يحمل لفافة جلدية قديمة. «وهذا.» فتحها على صخرة قريبة. كانت رموزًا مرسومة بالدم الجاف، تعاويذ قديمة لا يستخدمها إلا السحرة المرتبطون بمصاصي الدماء. قال كايل بصوت منخفض: «هم لا يعرفون مكانها… لكنهم يشعرون بشيء.» شدّ ألكسندر فكه. «دمها.» سادت لحظة صمت ثقيل. قال دارِن: «إن كانوا قد شكّوا… فلن يتوقفوا.» فتح ألكسندر عينيه، ونظر إلى القرية. «لهذا لن تبقى هنا.» --- كانت أوركيد تجلس قرب النافذة حين طرق الباب. هذه المرة، لم تنتفض. كأن جسدها صار يتوقع وجوده. فتحت، فوجدت ألكسندر واقفًا وحده. لم يكن في ملامحه شيء من القسوة المعتادة، لكن في عينيه شيء لم تره من قبل—قلق مكبوت. قال بهدوء: «ارتدي معطفك.» ترددت. «إلى أين؟» «مكان آمن.» رفعت حاجبيها. «قلتَ إن القرية آمنة.» أجاب دون أن يرفع صوته: «كانت كذلك.» لم يناقشها. لم يشرح. فقط استدار، وبدأ بالسير. وجدت نفسها تلحق به دون وعي، كما لو أن قدميها تعرفان أنه لا خيار آخر. دخلوا الغابة. كلما تعمّقوا، تغيّر الهواء. صار أنقى. أخف. وشعرت أوركيد بشيء غريب—الحرارة داخلها لم تعد مضطربة، بل هادئة… منسجمة. قالت بعد صمت طويل: «ألكسندر.» «نعم.» «هل أنا في خطر؟» توقف. التفت إليها ببطء. «أنتِ الخطر… وأنتِ الهدف.» اتسعت عيناها. «هذا ليس مطمئنًا.» قال بصراحة: «لم أقصد أن يكون كذلك.» تابعا السير حتى انفتحت الغابة فجأة. بحيرة. مياهها صافية بشكل غير طبيعي، تعكس السماء كمرآة زرقاء، تحيط بها أزهار برية بألوان لم ترَ مثلها من قبل. المكان كان هادئًا… مقدسًا، كأن الزمن يمرّ حوله لا خلاله. شهقت أوركيد دون أن تشعر. «إنه… جميل لا يشبه الغابه او القريه السماء صافيه والقمر يضئ وليس باللون الاحمر» راقبها ألكسندر بصمت. «هذا مكاني لا يعرفه احد محمي بالسحر المكان الوحيد الذي يوجد به السماء صافيه والقمر بشكله الطبيعي» التفتت إليه. «مكانك؟» «لا يعرفه أحد.» قالها بنبرة تحمل ثقل سنوات. «هنا أُفكّر. أقرر. وأهرب من الضوضاء.» اقتربت من حافة الماء، ركعت، لمست سطح البحيرة. كان الماء باردًا… لكن لم يؤلمها. بالعكس، شعرت بأن شيئًا في داخلها يستجيب له. قالت دون أن تنظر إليه: «لماذا أحضرتني إلى هنا؟» تنفّس بعمق. «لأن مصاصي الدماء بدأوا يشكّون بوجودك.» التفتت فجأة. «ماذا؟» «لم يعرفوا من أنتِ.» تابع بهدوء. «لكن دمكِ ترك أثرًا في العالم.» ارتعشت. «أنا لم أفعل شيئًا.» «وجودكِ وحده كافٍ.» ساد صمت، ثم قالت بصوت خافت: «ألكسندر… ماذا أكون؟» نظر إلى البحيرة، لا إليها. «أنتِ رفيقتي المقدّرة.» تجمّدت وهي تقول في رأسها اهذه رواية من احدى الروايات الخياليه «ماذا قلت؟» التفت إليها أخيرًا، نظر في عينيها مباشرة. «أنتِ رفيقتي.» ضحكت ضحكة قصيرة، مهزوزة. «هذا—هذا مستحيل.» اقترب خطوة. «أعلم أن الأمر يبدو…» قاطعته: «لا، لا يبدو غريبًا فقط. يبدو مخيفًا.» تراجعت خطوة. «أنا لا أفهم هذا العالم. لا أفهمكم. والآن تقول لي إنني مرتبطة بكِ… هكذا؟» خفض صوته. «الرفقة ليست اختيارًا.» «وهذا ما يخيفني.» قالتها بصراحة مؤلمة. «أنت تتحدث عن وسم، ودم، وأقدار… وأنا ما زلت أحاول أن أصدق أن كل هذا حقيقي.» ساد صمت طويل . ثم قال ألكسندر: «لن أوسمكِ الآن.» رفعت رأسها بحدة. «جيد.» تابع: «ليس لأنكِ رفضتِ… بل لأنكِ لستِ مستعدة.» تنفّست بصعوبة. «أنا خائفة.» اقترب خطوة، ثم توقّف، كأنه يحترم حدودها. «وأنا لن أكون سببًا في خوفك.» نظر حوله، ثم قال: «ستعيشين معي… في منزلي.» تصلبت. «ماذا؟» «غرفة لكِ وحدك.» قالها بسرعة. «لن يقترب منكِ أحد. ولن يُفرض عليكِ شيء.» نظرت إليه طويلًا، تبحث عن خدعة، عن تهديد… لكنها لم تجد. قالت أخيرًا: «حسنًا.» لكن قلبها كان يخفق بجنون. وفي أعماق البحيرة، انعكس شيء لم تره— وميض نار… كأنه يراقب ................ لم يتحدثا في طريق العودة من البحيرة. كان الصمت بينهما أثقل من أي نقاش، لكنه لم يكن فارغًا. أوركيد كانت تشعر به كخيط مشدود، كل خطوة تقطع جزءًا منه، دون أن ينقطع تمامًا. سارت خلف ألكسندر، تراقب ظهره العريض، طريقة تحركه الواثقة، وكأن الغابة تنحني قليلًا حين يمرّ. لم تكن تخافه… وهذا ما أربكها أكثر. قالت فجأة، تكسر الصمت: «ماذا يعني أن أكون رفيقتك؟» لم يتوقف عن السير. «يعني أن دمينا تعارفا قبل أن نلتقي.» عقدت حاجبيها. «هذا ليس جوابًا.» توقف هذه المرة. استدار ببطء، وقال بهدوء محسوب: «يعني أنكِ لستِ ضيفة في هذا العالم، مهما شعرتِ بذلك انتي جوهرة هذا العالم __ المنقذه.» تقدمت خطوة. «لكني بشرية عاديه.» نظر إليها نظرة طويلة. «لو كنتِ كذلك فقط… لما وصلنا إلى هنا.» لم تجادله. لم تستطع. تابعا السير حتى بدت أطراف القرية من جديد، لكنهما لم يدخلاها. انعطف ألكسندر نحو ممر جانبي، أقل استخدامًا، يقود إلى بيت منفصل قليلًا عن البقية. قال وهو يشير إلى المبنى: «هنا.» كان المنزل متينًا، بسيطًا، تحيط به الأشجار من الخلف، كأنه محميّ طبيعيًا. فتح الباب، وأشار لها بالدخول. في الداخل، كان المكان هادئًا، دافئًا، ورائحته تشبه رائحة الخشب والنار القديمة. قال: «غرفتكِ في الأعلى.» صعدت الدرج ببطء، خلفه ، لكن على مسافة واضحة. فتح بابًا في نهاية الممر. غرفة بسيطة، نافذتها تطل على الغابة، فراش، طاولة صغيرة، وخزانة خشبية. قال: «لن يدخلها أحد دون إذنك.» نظرت إليه، ثم سألت بصوت منخفض: «حتى أنت؟» أجاب دون تردد: «حتى أنا.» شعرت بشيء في صدرها يلين قليلًا. جلست على حافة الفراش، وضعت يديها على ركبتيها. «قلتَ إن مصاصي الدماء شكّوا بوجودي.» أومأ. «السحر الذي يستخدمونه قديم. لا يحدد الأسماء… بل الأثر.» «وأثري؟» «غير مألوف.» قالها بصراحة. «لا يشبه دم المستذئبين. ولا يشبه دمهم.» ابتلعت ريقها. «وهذا يجعلني هدفًا.» اقترب خطوة، ثم توقف. «يجعلكِ مطمعًا.» سكتت، ثم سألت: «هل سيأتون إلى هنا؟» نظر نحو النافذة. «ليس بعد.» ثم أضاف بصوت أخفض: «لكنهم سيحاولون.» شدّت أصابعها. «وأنت؟ ماذا ستفعل؟» نظر إليها مباشرة. «سأحميك.» قالتها باندفاع: «لأنني رفيقتك؟» لم ينكر. «نعم.» خفضت نظرها. «وهذا بالضبط ما لا أستطيع قبوله الآن.» رفع حاجبه قليلًا. «لماذا؟» رفعت رأسها، وفي عينيها خوف صادق. «لأنني لا أريد أن أكون سبب ألمك، أو سبب حرب، أو… قدر لم أختره.» ساد صمت. ثم قال ألكسندر بصوت عميق: «القدر لا يسأل.» قالت بمرارة: «لكن البشر يفعلون.» نظر إليها طويلًا، ثم قال: «ولهذا لن أضغط عليكِ.» تنهّد، واستدار. «ارتاحي. سنبدأ غدًا.» رفعت رأسها بسرعة. «نبدأ ماذا؟» توقف عند الباب. «تعوّدكِ على جسدك.» تصلبت. «كيف؟» التفت إليها، وفي عينيه جدّ لا يقبل المزاح. «ستلاحظين أشياء. سرعة. قوّة. حرارة.» سكت لحظة. «وأريدكِ أن تخبريني بكل شيء.» خرج وأغلق الباب خلفه. بقيت أوركيد وحدها تتأفف من طريقته دائماً ما يتركها بنصف كلامها اقتربت من النافذة، نظرت إلى الغابة. القمر كان عاليًا، ضوؤه ينسكب على الأشجار، وعلى البحيرة البعيدة التي لا تُرى من هنا. وضعت يدها على صدرها. الدقات كانت هادئة… لكن عميقة. همست: «أنا لستُ رفيقة أحد.» لكن شيئًا في داخلها… لم يصدّق. في الطابق السفلي، كان ألكسندر واقفًا وحده، يده على صدره، حيث الألم الخفيف عاد ينبض. «أنت تؤجل ما لا يُؤجَّل.» قال الذئب في داخله. أغمض عينيه. «هي خائفة.» «وأنت؟» فتح عينيه. «أنا مسؤول.» ضحك الذئب ببطء. «وستدفع الثمن.» وفي مكان بعيد، تحت سماء لا تعرف الرحمة، وقف مصاص دماء أمام دائرة سحرية متوهجة. قال بصوت بارد: «الأثر يزداد وضوحًا.» ابتسم آخر. «اقتربنا.» ............ في البداية، ظنّت أوركيد أنه مجرّد صدى أفكار. كانت مستلقية على الفراش، تحدّق في السقف الخشبي، تسمع صوت الغابة من خلف النافذة: حفيف أوراق، نداءات بعيدة، وصمت بينهما… صمت حيّ. ثم جاء الصوت. «أنتِ لستِ وحدك.» انتفضت فجأة، جلست، قلبها يخفق بعنف. نظرت حولها بسرعة. الغرفة فارغة. الباب مغلق. لا أحد. ابتلعت ريقها. «أنا متعبة…» وضعت كفها على جبينها، أغمضت عينيها بقوة. «انظري إليّ.» هذه المرة، لم يكن الصوت حادًا. كان… ثابتًا. دافئًا بطريقة غريبة، كأنه لا يطلب بل ينتظر. فتحت عينيها. «لا.» قالتها لنفسها. «أنا أتخيل. كل هذا كثير عليّ.» نهضت، اقتربت من المرآة، نظرت إلى انعكاسها. «أنا بخير.» لكن شيئًا في عينيها كان مختلفًا. لم يكن لونًا… بل عمقًا. عادت إلى الفراش، سحبت الغطاء، وأدارت ظهرها للغرفة. «سأنام.» وحين حاول الصوت أن يعود— تجاهلته. في أعماقها، تحرّكت ذئبة. لم تكن غاضبة… بل مرتبكة. تدور، تصطدم بجدران غير مرئية، تحاول أن تجد طريقها إلى السطح. وفي مكان أعمق، أقدم، كانت هناك نار. العنقاء. هادئة. مجنّحة. تراقب. رأت الذئبة تضرب بجسدها حدود الوعي، رأت ارتباكها، جوعها، حاجتها للخروج. لكنها لم تتدخّل. لفّت جناحيها حول نفسها، وتركت الذئبة تصطدم… لتتعلّم. النار لا تُستَفَز. النار تنتظر. --- في الأسفل، كانت التعويذة تعمل. خطوط قديمة محفورة في أساس البيت، رُسمت بدم أجداد ألكسندر، تشتعل بنور خافت لا تراه العين، لكن تشعر به الأرض. رائحة أوركيد—ذلك المزيج النادر—تتلاشى عند حدود المنزل، تختفي، كأنها لم تكن. في أماكن بعيدة، توقّف مصاصو الدماء. وقف أحدهم، عيناه تضيقان. «الرائحة… انقطعت.» قال آخر، وهو يمرّر يده فوق الهواء: «محميّة.» ضحك ثالث بسخرية باردة. «إذن هي قريبة… وقريبة جدًا.» لكنهم لم يستطيعوا العبور. ليس بعد. --- وفي قلب أراضيهم، ارتفعت القلعة. قلعة الألفا… التي لم تعد له. كانت فخمة، شاهقة، جدرانها الحجرية السوداء تلمع تحت ضوء القمر، نوافذها العالية تعكس ضوءًا أحمر خافتًا. لم يدمّرها مصاصو الدماء… بل زيّنوها. حولوا قاعاتها الواسعة إلى صالات مظلمة، شموع سوداء، ستائر ثقيلة، وأصوات ضحك بارد تتردّد بين الأعمدة. جلس أحدهم على عرش لم يكن له. «قلعة جميلة.» قالها بإعجاب. «من المؤسف أن أصحابها الأصليين لم يعرفوا قيمتها.» رفع آخر كأسًا مملوءًا بدم داكن. «لكنها الآن… لنا.» وفي أعماق القلعة، تحرّك شيء. سحر قديم. نداء خافت. نداء لم يعرفوا مصدره بعد. --- عاد الألم إلى ألكسندر بقسوة. كان يقف خارج البيت، في الظل، يحدّق في الغابة، حين ضربه الألم فجأة، كأن مخلبًا انغرس في صدره. انحنى قليلًا، قبض على سترته، وأنفاسه تقطعت. «قلتُ لك.» صوت الذئب لم يكن غاضبًا هذه المرة. كان صارمًا. «ليس الآن…» همس ألكسندر، وأسنانُه تصطكّ. «أنت تمزّقنا.» رفع رأسه بعنف. «أنا أحميها.» «أنت تخاف.» ساد صمت ثقيل. ثم قال ألكسندر بصوت منخفض، منكسر: «إن وسمتها… سيبدأ كل شيء.» «سيبدأ سواءً أردت أم لا.» اشتد الألم، انتشر في عظامه، في روحه. كان ألم الرفقة غير المكتملة—ألم لا يُشفى بالقوة ولا بالإنكار. «هي لا تصدّق.» قالها بصعوبة. «ولا تثق. ولا تفهم.» «وأنت كنتَ مثلها.» أغمض ألكسندر عينيه. رأى نفسه أصغر، ضائعًا، غاضبًا، قبل أن يفهم ما يعنيه أن تكون ألفا. فتح عينيه ببطء. «سأمنحها وقتًا.» ضحك الذئب بمرارة. «والوقت… ليس في صفّك.» نظر ألكسندر نحو نافذة غرفتها في الأعلى. الضوء كان خافتًا. شعر بها… بنبضها… بارتباكها. همس: «نامي بسلام، أوركيد.» وفي داخلها، تحرّكت الذئبة مرة أخرى، أقرب هذه المرة، أقوى. لكن أوركيد— شدّت الغطاء حول نفسها، وأغمضت عينيها، واختارت… ألا تسمع. ولم تكن تعلم أن تجاهل الصوت… لا يمنعه من النمو. ꧁꧁꧁꧂꧂꧂ متنسوش تعليق تصويت🤭❄لم يكن الشكّ يأتي على هيئة صوت.كان يأتي على هيئة فراغ.فراغ بارد تسلّل إلى صدر ألكسندر مع أول خيط من الفجر، حين وقف في أعلى نقطة من القرية، يراقب الضباب وهو ينزلق ببطء بين البيوت الخشبية. الغابة كانت هادئة أكثر من اللازم، والهدوء—في عالمه—لم يكن فألًا حسنًا.اقترب دارِن منه، خطواته صامتة، لكن رائحته محمّلة بالتوتر.قال دون مقدمات: «وصلتنا إشارات من الحدود الغربية.»لم يلتفت ألكسندر. «أي نوع من الإشارات؟»تردّد دارِن لحظة. «توقّف الصيادون عن الاقتراب من تلك المنطقة… والليل هناك صار أطول.»أغمض ألكسندر عينيه ببطء. «مصاصو الدماء.»قالها كحقيقة لا تحتاج إلى تأكيد.تقدّم كايل هذه المرة، يحمل لفافة جلدية قديمة. «وهذا.»فتحها على صخرة قريبة. كانت رموزًا مرسومة بالدم الجاف، تعاويذ قديمة لا يستخدمها إلا السحرة المرتبطون بمصاصي الدماء.قال كايل بصوت منخفض: «هم لا يعرفون مكانها… لكنهم يشعرون بشيء.»شدّ ألكسندر فكه. «دمها.»سادت لحظة صمت ثقيل.قال دارِن: «إن كانوا قد شكّوا… فلن يتوقفوا.»فتح ألكسندر عينيه، ونظر إلى القرية. «لهذا لن تبقى هنا.»---كانت أوركيد تجلس قرب النافذة حين طرق الباب.هذه ا
استيقظت أوركيد قبل الفجر بقليل.لم يكن استيقاظًا طبيعيًا، بل انتزاعًا مفاجئًا من سكون ثقيل، كأن يدًا غير مرئية جذبت روحها بعنف إلى سطح الوعي. فتحت عينيها وهي تلهث، وقطرات العرق البارد تغطي جبينها، وقلبها يخفق بقوة غير معتادة، كأنه يحاول كسر قفصها الصدري من الداخل.ساد الصمت.لكن الصمت لم يكن فارغًا.كان مشحونًا… مترقّبًا.جلست ببطء، وأول ما انتبهت له هو الحرارة. جسدها كله كان دافئًا، أكثر مما ينبغي، لا يشبه حرارة الحمى، بل دفئًا عميقًا، ثابتًا، ينبع من الداخل وينتشر في أطرافها بهدوء مخيف.وضعت كفها على صدرها.دقات قلبها كانت منتظمة، لكنها قوية، ثابتة، كأنها دقات قلب شخص آخر… أقوى منها.تمتمت بصوت خافت: «ما الذي يحدث لي؟»نهضت، واتجهت نحو النافذة الصغيرة. كان الفجر لم يكتمل بعد، والسماء ما تزال رمادية حمراء داكنة. القرية بدت ساكنة، لكن أوركيد شعرت—دون أن ترى—أنها ليست نائمة.هناك حركة.أرواح يقِظة.نظرات.ارتعشت دون سبب واضح، وابتعدت عن النافذة. حين التفتت، لمحت المرآة.ترددت لحظة، ثم اقتربت.انعكاسها كان مألوفًا… ومقلقًا في آن واحد.عيناها كانتا أكثر صفاءً. لون بشرتهما بدا أعمق، أنقى.
لم تنم.أغمضت عينيها، نعم، لكن النوم لم يأتِ.كلما حاول عقلها أن يهدأ، كانت الصور تقتحمها بلا رحمة: الغابة، الظلال، العواء… ثم تلك العيون.العيون الذهبية.فتحت عينيها فجأة، صدرها يعلو ويهبط بعنف.النار في الموقد كانت ما تزال مشتعلة، لكن ضوءها صار أضعف، أطول ظلالًا، كأنها تشوّه ملامح الغرفة.كانت وحدها.نهضت ببطء، قدماها حافيتان على أرضية خشبية باردة. البيت صامت، صمتًا غير طبيعي. لا صوت تنفس، لا حركة، لا حياة.كلهم اختفوا؟اقتربت من النافذة بحذر. الخارج كان مظلمًا، لكن القمر—مكتمل، ضخم—ينير القرية بضوء فضي مريض باللون الأحمر. رأت بعض البيوت، مغلقة. ساكنة.كأن الجميع يختبئون من شيء ما.أو… من شخص.ارتعشت دون أن تعرف السبب.فجأة، شعرت بوخزة حادة في معصمها.تأوهت، نظرت إلى يدها.جرح.لم تتذكر متى أصيبت به. خط رفيع من الدم بدأ يتشكل، أحمر داكن… لكنه لم يكن عاديًا.كان يتوهج.شهقت، تراجعت خطوة.«ما هذا…؟»الدم لم يسقط فورًا، بل ظل معلقًا للحظة، كأنه حيّ. ثم، دون تفسير، سُحب إلى داخل الجرح، واختفى.لم يبقَ أثر.تسارعت أنفاسها. عقلها رفض المشهد، حاول إنكاره، لكنه فشل.قبل أن تستوعب ما حدث، ان
لم تكن تتذكر متى شعرت بالخوف الحقيقي آخر مرة.ليس الخوف السريع الذي يمرّ كرجفة، ولا القلق العابر قبل الامتحانات أو القرارات المصيرية، بل ذلك الخوف العميق، الصامت، الذي يزحف إلى العظام دون صوت، ويستقر هناك كأنه وُلد معها.ذلك الخوف بدأ حين فتحت عينيها.لم يكن الضوء أول ما رأته، بل الظلال. ظلال كثيفة تتشابك فوق رأسها، وكأن السماء نفسها مغطاة بشبكة من السواد. احتاجت ثوانٍ طويلة حتى تدرك أن تلك ليست ظلالًا، بل أغصان أشجار عالية، شاهقة، متداخلة بطريقة غير طبيعية.كان الهواء باردًا. أبرد مما ينبغي.حاولت أن تتحرك، فشعرت بألم خفيف في مؤخرة رأسها. تأوهت وهمست بلا وعي:«ما الذي حدث…؟»جلست ببطء، كأن جسدها لا يطيعها تمامًا. الأرض تحتها رطبة، أوراق شجر مبتلة تلتصق بملابسها. رائحة الطين امتزجت برائحة أخرى… نفاذة، حادة، كأنها خليط بين المطر والحديد.التفتت حولها.غابة.غابة واسعة، عميقة، لا يظهر لها نهاية. الأشجار لم تكن فقط طويلة، بل سميكة الجذوع، متقاربة، وكأنها جدار حيّ يحيط بها من كل جانب. لم يكن هناك طريق واضح، ولا أثر لأي وجود بشري.قفز قلبها بقوة.«لا… لا لا اشعر أنني لست في عالمي ليست هذه
استيقظتُ على إحساسٍ غريب، كأنني خرجت من حلمٍ لم ينتهِ بعد.الأرض تحت قدمي كانت باردة أكثر مما ينبغي، والهواء يضغط على صدري بثقلٍ لا يُرى. كل شيء بدا واقعيًا… واقعيًا إلى حدّ الشك. لا شيء واضح، ولا شيء خاطئ بما يكفي ليُفسَّر، ومع ذلك كان قلبي يخبرني أنني لست حيث يجب أن أكون.الأصوات هنا لا تأتي كاملة؛ همسات مبتورة، خطوات تتوقّف قبل أن تُسمَع، وأنفاس لا أعرف مصدرها. كنت أشعر بالمراقبة، لا كخوفٍ مفاجئ، بل كحقيقة قديمة، كأن هذا الإحساس كان ينتظرني منذ زمن طويل. الغابة – إن كان يمكن تسميتها غابة – لا تفتح طرقها بسهولة، وكأنها تختبر نوايا العابرين قبل أن تسمح لهم بالمرور.كلما حاولت تذكّر كيف وصلت، انزلقت ذاكرتي بعيدًا، كالماء بين الأصابع. لا حادث، لا بوابة، لا انتقال درامي… فقط فجوة صامتة بين لحظة أعرفها، ولحظة لا أفهمها. وهذا ما جعل الرعب أعمق: لم يكن هناك تفسير أتشبّث به.كان الليل هنا مختلفًا، ليس لأنه مظلم، بل لأنه يقظ.شيء ما يستمع… ينتظر… يتعرّف عليّ ببطء.وأنا، دون أن أدرك السبب، شعرت بأن هذا المكان لا يريد إيذائي بعد،كأنه يفضّل أن أفهم… أو أن أتذكّر.لكن السؤال الذي بدأ ينهشني لم