Home / المذؤوب / الغريبه//strange / الفصل الثاني

Share

الفصل الثاني

last update publish date: 2026-08-21 22:13:42

لم تنم.

أغمضت عينيها، نعم، لكن النوم لم يأتِ.

كلما حاول عقلها أن يهدأ، كانت الصور تقتحمها بلا رحمة: الغابة، الظلال، العواء… ثم تلك العيون.

العيون الذهبية.

فتحت عينيها فجأة، صدرها يعلو ويهبط بعنف.

النار في الموقد كانت ما تزال مشتعلة، لكن ضوءها صار أضعف، أطول ظلالًا، كأنها تشوّه ملامح الغرفة.

كانت وحدها.

نهضت ببطء، قدماها حافيتان على أرضية خشبية باردة. البيت صامت، صمتًا غير طبيعي. لا صوت تنفس، لا حركة، لا حياة.

كلهم اختفوا؟

اقتربت من النافذة بحذر. الخارج كان مظلمًا، لكن القمر—مكتمل، ضخم—ينير القرية بضوء فضي مريض باللون الأحمر. رأت بعض البيوت، مغلقة. ساكنة.

كأن الجميع يختبئون من شيء ما.

أو… من شخص.

ارتعشت دون أن تعرف السبب.

فجأة، شعرت بوخزة حادة في معصمها.

تأوهت، نظرت إلى يدها.

جرح.

لم تتذكر متى أصيبت به. خط رفيع من الدم بدأ يتشكل، أحمر داكن… لكنه لم يكن عاديًا.

كان يتوهج.

شهقت، تراجعت خطوة.

«ما هذا…؟»

الدم لم يسقط فورًا، بل ظل معلقًا للحظة، كأنه حيّ. ثم، دون تفسير، سُحب إلى داخل الجرح، واختفى.

لم يبقَ أثر.

تسارعت أنفاسها. عقلها رفض المشهد، حاول إنكاره، لكنه فشل.

قبل أن تستوعب ما حدث، انفتح باب البيت.

لم تسمع خطواته، لكنه كان هناك.

رجل طويل، ملامحه حادة كأنها نُحتت من حجر. شعره أسود، عيناه… لم تكونا داكنتين كالبقية.

كانتا حمراوين.

لم تشعر بالخوف فورًا. شعرت بشيء أسوأ.

«لا يجب أن تكوني هنا.»

صوته كان منخفضًا، لكنه اخترقها.

تراجعت غريزيًا.

«من انت ؟»

ابتسم.

ابتسامة بلا دفء.

«سؤال خاطئ.»

تقدّم خطوة.

«السؤال الحقيقي: ماذا أنتِ؟»

تجمّد جسدها.

«إنسانة.»

ضحك بهدوء.

ضحكة قصيرة، ساخرة.

«لو كنتِ إنسانة… لما تنفّسَت الغابة حين دخلتِها.»

اقترب أكثر.

«ولما ارتجفت النبوءات التي دفناها بالدم.»

قبل أن تسأله عمّا يعنيه، دخل شخص آخر—

المرأة الرمادية العينين.

وقفت بينهما بسرعة.

«كفى.»

نظرت إليه بحدة.

«هي لا تعلم.»

نظر إليها، عينيه الحمراوين تضيقان.

«وهذا هو الخطر بعينه.»

(ابن المرأة نصفه مصاص دماء ومستذئب لا ينتمي للقطيع او مصاصي الدماء فضل أن يعيش وحده يتجول بالغابه)

التفتت المرأة إليها، ملامحها مشدودة.

«عودي للفراش. الآن.»

«لكن—»

«الآن!»

قالتها بنبرة لم تحتمل النقاش.

ترددت، ثم عادت ببطء، قلبها يخبط صدرها. قبل أن تدخل الغرفة، سمعت الرجل يقول:

«دمها استيقظ.»

سكون.

ثم همس، كأنه صلاة ملعونة:

«دم العنقاء… ودم المستذئب.»

تجمدت في مكانها.

العنقاء؟

قبل أن تفهم، أُغلق الباب.

في تلك الليلة، حين غفت أخيرًا، لم تحلم.

تذكّرت.

رأت نارًا تحرق سماءً سوداء.

رأت ذئابًا تركع.

ورأت كائنات شاحبة بعيون حمراء تشرب الدم حتى آخر قطرة.

ثم سمعت صوتًا قديمًا، متشققًا بالزمن:

"حين يولد الهجين الذي لا يجب أن يولد…

سيُراق الدم ليُغلق الحرب،

أو تُفتح أبواب الفناء."

استيقظت وهي تصرخ.

وفي مكان بعيد، في قلعة غارقة في الظلال، فتح ملك مصاصي الدماء عينيه ببطء.

«وجدناها.»

قال.

وابتسم.

استيقظت أوركيد قبل الفجر بقليل.

لم يكن استيقاظًا طبيعيًا، بل انتزاعًا مفاجئًا من سكون ثقيل، كأن يدًا غير مرئية جذبت روحها بعنف إلى سطح الوعي. فتحت عينيها وهي تلهث، وقطرات العرق البارد تغطي جبينها، وقلبها يخفق بقوة غير معتادة، كأنه يحاول كسر قفصها الصدري من الداخل.

ساد الصمت.

لكن الصمت لم يكن فارغًا.

كان مشحونًا… مترقّبًا.

جلست ببطء، وأول ما انتبهت له هو الحرارة. جسدها كله كان دافئًا، أكثر مما ينبغي، لا يشبه حرارة الحمى، بل دفئًا عميقًا، ثابتًا، ينبع من الداخل وينتشر في أطرافها بهدوء مخيف.

وضعت كفها على صدرها.

دقات قلبها كانت منتظمة، لكنها قوية، ثابتة، كأنها دقات قلب شخص آخر… أقوى منها.

تمتمت بصوت خافت: «ما الذي يحدث لي؟»

نهضت، واتجهت نحو النافذة الصغيرة. كان الفجر لم يكتمل بعد، والسماء ما تزال رمادية حمراء داكنة. القرية بدت ساكنة، لكن أوركيد شعرت—دون أن ترى—أنها ليست نائمة.

هناك حركة.

أرواح يقِظة.

نظرات.

ارتعشت دون سبب واضح، وابتعدت عن النافذة. حين التفتت، لمحت المرآة.

ترددت لحظة، ثم اقتربت.

انعكاسها كان مألوفًا… ومقلقًا في آن واحد.

عيناها كانتا أكثر صفاءً. لون بشرتهما بدا أعمق، أنقى. كأن الضوء، الخافت ، يستجيب لها أكثر مما ينبغي. رفعت يدها ببطء، ولاحظت أن الجرح الصغير الذي كان في معصمها—ذلك الذي رأته في الليلة الماضية—قد اختفى تمامًا.

لا أثر.

لا ندبة.

ابتلعت ريقها.

«هذا غير ممكن…»

مدّت أناملها تتحسس جلدها، كأنها تبحث عن دليل يؤكد أنها ما تزال بشرية كما كانت دائمًا. لكن الإحساس تحت أصابعها لم يكن مألوفًا. لم يكن جلد شخص مريض… بل جلد شخص يتعافى بسرعة غير طبيعية.

طرق خفيف على الباب جعلها تنتفض.

تراجعت خطوة، وقلبها يقفز.

«أوركيد.»

الصوت كان نسائيًا، هادئًا، لكن يحمل حذرًا واضحًا.

فتحت الباب ببطء.

كانت المرأة ذات العينين الرماديتين تقف هناك. اسمها—كما أخبروها—كان ليثيا. لم تكن ودودة، لكنها لم تكن عدائية. نظرتها كانت دائمًا ثابتة، فاحصة، كأنها ترى أكثر مما يُقال.

قالت ليثيا: «الألفا يطلب حضورك.»

تجمدت أوركيد. «الألفا؟»

أومأت المرأة. «ألكسندر.»

لم تعرف لماذا، لكن مجرد سماع الاسم جعل الحرارة في صدرها تتصاعد فجأة. إحساس غريب، غير مبرر، جعل أنفاسها تختل.

«الآن؟» سألت.

«الآن.»

سارت خلف ليثيا عبر ممرات القرية. كلما تقدمت، شعرت بثقل النظرات. لم يكن القرويون يقتربون منها، لكنهم لم يشيحوا بوجوههم أيضًا. كانوا يراقبونها… بصمت، بفضول، وبشيء يشبه الارتياب.

سمعت همسات مكتومة.

«بشرية…» «كيف وصلت إلى هنا؟» «رائحتها… ليست طبيعية.»

شدّت أوركيد ذراعيها حول جسدها، محاولة أن تبدو ثابتة.

توقفوا أمام بيت أكبر من البقية، مبني من خشب داكن وحجر، يقف في قلب القرية كرمز سلطة صامت. قبل أن تطرق ليثيا الباب، انفتح من الداخل.

وخرج هو.

الألفا ألكسندر.

كان أطول مما توقعت، عريض الكتفين، حضوره يفرض نفسه دون حاجة إلى كلمات. شعره الداكن كان مربوطًا خلف رأسه، وملامحه حادة، لكن ليست قاسية… بل مهيبة. عيناه كانتا ذهبيتين داكنتين، كأنهما تحملان ظلال ليل طويل.

حين وقعت عيناه عليها، توقف الزمن.

لم يكن نظره فاحصًا فقط… كان عميقًا، ثابتًا، كأنه يرى ما وراء جلدها وعظامها. شعرت أوركيد بأنفاسها تختفي، وبالحرارة داخلها تشتعل دون سبب مفهوم.

خفض بصره أولًا.

كأنه هو من تراجع.

قال بصوت هادئ، عميق: «ادخلي.»

دخلت.

كان البيت بسيطًا من الداخل، لكنه يحمل أثر القيادة. خرائط قديمة على الجدران، أسلحة معلقة، ورائحة خشب ونار. لم تكن وحدها.

رجلان آخران كانا هناك.

الأول كان ذا شعر فضي قصير وعينين حادتين، يقف قريبًا من ألكسندر بثقة واضحة. تقدّم خطوة وقال: «أنا دارِن… صديق الألفا.»

الثاني كان أصغر سنًا، عيناه سوداوان، حركته هادئة لكنها يقِظة. «وأنا كايل، مساعد الألفا.»

أومأت أوركيد برأسها، ثم نظرت إلى ألكسندر. «لماذا استدعيتني؟»

ساد صمت قصير.

ثم قال ألكسندر: «لأن وجودك هنا يثير أسئلة.»

رفعت ذقنها قليلًا. «وأنا لا أملك إجابات.»

نظر إليها دارِن باهتمام. «وهذا ما يقلقنا.»

تقدّم ألكسندر خطوة. «أنتِ بشرية.»

قالها كا سؤال وليس كا حقيقه

«نعم.»

توقف للحظة، ثم تابع: «ولا يوجد بشر في هذه الأرض.»

انقبض قلبها. «أنا لم أختر المجيء.»

«لكن الدم لا يخطئ الطريق.»

قالها كايل بصوت منخفض.

التفتت إليه. «أي دم؟»

ساد توتر خفي في الغرفة.

قال ألكسندر بصرامة هادئة: «اهدأ، كايل.»

ثم عاد بنظره إلى أوركيد. «ما نشعر به ليس تهديدًا بعد… لكنه خلل.»

شدّت أصابعها. «أنا لست خللًا.»

للحظة، مرّ شيء غريب في عينيه… شيء يشبه الاعتذار.

«أعلم.»

قالها بهدوء.

«ولهذا لم نطردك.»

تجرأت وسألت: «وماذا ترون إذن؟»

تبادل الرجال نظرات صامتة.

قال دارِن أخيرًا: «نرى بشرية… برائحة لا تشبه البشر.»

ارتعشت أوركيد. «أنا لا أفهم.»

اقترب ألكسندر أكثر، حتى صارت المسافة بينهما قصيرة بشكل جعلها تشعر بأنفاسه. توقفت الحرارة داخلها عن كونها مزعجة… وصارت مألوفة، كأنها وجدت مصدرها.

قال بصوت منخفض: «ولا يجب أن تفهمي الآن.»

رفع رأسه، ونظر إلى الآخرين. «راقبوها. لا تُؤذى. ولا تُسأل أكثر.»

ثم عاد إليها. «ستبقين هنا مؤقتًا.»

سألته، بصوت خافت: «وإن كنتُ خطرًا؟»

نظر في عينيها مباشرة. «عندها… سأكون أول من يواجه ذلك.»

خرجت من البيت وقلبها يضرب بعنف.

لم تكن تعرف أن في أعماقها دمًا نقيًا، قديمًا، لا ينتمي لمصاصي الدماء، ولا يخضع لهم.

دم العنقاء… الذي إن عُرف، سيسيل دم العالم لأجله.

لكن ذلك الدم…

كان قد بدأ بالفعل بالاستيقاظ.

..........

لم تستطع أوركيد النوم بعد خروجها من بيت الألفا.

سارت في الممر الخشبي المؤدي إلى الغرفة التي خُصصت لها، لكن خطواتها كانت بطيئة، كأن الأرض نفسها صارت أثقل. كلمات ألكسندر ما زالت تتردد في رأسها، لا بصوتها… بل بإحساسها.

الدم لا يخطئ الطريق.

لم تكن تفهم ما يعنيه، لكنها شعرت أن الجملة لم تُقَل عبثًا.

حين أغلقت الباب خلفها، استندت عليه للحظة، أغمضت عينيها، وأخذت نفسًا عميقًا. الحرارة داخلها لم تختفِ، لكنها صارت أكثر انتظامًا، كأن شيئًا ما استقر بدل أن يهدأ.

خلعت معطفها ببطء، وجلست على حافة الفراش. يداها كانتا ترتجفان قليلًا. رفعت كفها أمام عينيها، راقبت خطوطها، لون جلدها، نبض العروق تحتها.

كل شيء… طبيعي.

ومع ذلك، لم يكن كذلك.

أغمضت عينيها مرة أخرى، وحين فتحتهما—

رأت نارًا.

لم تكن في الغرفة، بل في رأسها. لهيبٌ صامت، بلا صوت احتراق، يتراقص في الظلام. شعرت بحرارته، لا تحرق، بل تُغذّي.

شهقت، ونهضت واقفة.

«توقّفي.»

همست لنفسها.

«توقّفي عن هذا.»

لكن النار لم تختفِ فورًا. تلاشت ببطء، كما لو أنها انسحبت إلى عمق لا تستطيع الوصول إليه.

في الخارج، كانت القرية تغلي بصمت.

وقف دارِن قرب إحدى النيران الكبيرة في الساحة، ذراعاه معقودتان، عيناه تراقبان البيوت. اقترب منه كايل بخطوات حذرة.

قال كايل بصوت منخفض: «وجودها يربك القطيع.»

لم يلتفت دارِن. «وجودها يربك الألفا.»

سكت كايل لحظة، ثم قال: «هل تشك؟»

تنهد دارِن ببطء. «أشك في كل ما لا أفهمه.»

نظر كايل نحو بيت ألكسندر. «لكنه لم يبعدها.»

التفت دارِن أخيرًا، عينيه تضيقان. «لأنه شعر بشيء… وأنا أيضًا.»

خفض كايل صوته أكثر. «رائحتها ليست بشرية، لكنها ليست…»

«مستذئبة.»

أكمل دارِن.

«ولا مصاصة دماء.»

ساد صمت ثقيل.

قال كايل: «وهذا أخطر.»

في تلك الأثناء، كان ألكسندر يقف وحده في بيته، أمام الخريطة القديمة المعلّقة على الجدار. القلعة—قلعته—كانت مُعلّمة بعلامة سوداء، محاطة برموز قديمة للحصار.

مدّ يده، مرّر أصابعه فوق العلامة، وعيناه تشتعلان بغضب مكبوت.

«مصاصو الدماء…»

همس بالاسم كأنه لعنة.

لكنه، رغم كل ذلك، لم يكن يفكر في الحرب القادمة فقط.

كان يفكر فيها.

في أوركيد.

في اللحظة التي وقعت فيها عيناها على عينيه، شعر بشيء لم يشعر به منذ سنوات. لم يكن تهديدًا… بل صدى. صدى عميق في صدره، في دمه، كأن جسده تعرّف على شيء أقدم من العقل.

هز رأسه بعنف. «ليس الآن.»

قالها لنفسه.

عاد إلى أوركيد.

كانت مستلقية على الفراش حين بدأ الألم.

ليس ألمًا حادًا، بل ضغطًا بطيئًا، يبدأ من عمودها الفقري ويمتد إلى كتفيها. تأوهت، انكمشت قليلًا، وضغطت أسنانها على شفتها.

«اهدئي…»

لكن جسدها لم يطع.

شعرت بحرارة أقوى، تتركز بين كتفيها، كأن شيئًا يحاول التمدد، لا للخارج… بل للداخل. كأن جسدها يُعاد ترتيبه دون إذنها.

جلست فجأة، تلهث.

ثم توقّف كل شيء.

اختفى الألم كما بدأ، تاركًا خلفه إرهاقًا غريبًا… وقوة.

نهضت بحذر، مشت خطوتين، ثم توقفت بدهشة. جسدها كان أخف. توازنها أدق. سمعها—لأول مرة—صوت خطوات بعيدة خارج الغرفة، رغم أن المسافة لم تكن قريبة.

وضعت يدها على أذنها. «مستحيل…»

طرقة خفيفة على الباب.

تجمدت.

«أوركيد.»

صوت ألكسندر.

ترددت لحظة، ثم فتحت الباب.

كان يقف هناك وحده. لم يكن يرتدي درعه، بل معطفًا داكنًا بسيطًا. عيناه كانتا أقل حدّة… وأكثر تركيزًا.

نظر إليها، ولاحظ فورًا الشحوب الخفيف على وجهها.

قال: «هل تشعرين بألم؟»

توسعت عيناها. «كيف عرفت؟»

لم يجب مباشرة.

«لأنني رأيت هذا من قبل.»

ابتلعت ريقها. «رأيته… عند من؟»

نظر إليها طويلًا، ثم قال: «عند من لم يكونوا بشرًا بالكامل.»

ارتجفت. «لكنني بشرية.»

اقترب خطوة. «نعم.»

ثم أضاف بصوت أخفض: «لكن ليس فقط.»

رفعت رأسها بعناد. «أنا لا أفهم ما الذي تلمّح إليه.»

قال بهدوء: «ولهذا جئت.»

تراجع خطوة، مانحًا إياها مساحة. «ما تشعرين به لن يختفي. لكنه أيضًا… لن يؤذيكِ.»

سألته بصوت مرتجف: «وكيف تكون متأكدًا؟»

نظر في عينيها، بثبات. «لأن ما في دمكِ لا يعرف الأذى.»

لم تفهم، لكن كلماتِه—رغم غموضها—منحتها شعورًا غريبًا بالأمان.

قال: «في الأيام القادمة، راقبي جسدك. إن شعرتِ بشيء… تعالي إليّ.»

ترددت، ثم سألت: «لماذا أنت؟»

ساد صمت قصير.

ثم قال ألكسندر: «لأنني المسؤول عن كل ما يحدث داخل هذه الأرض…» وتوقّف لحظة، قبل أن يكمل: «ولأن وجودكِ هنا، مرتبط بي أكثر مما ينبغي.»

غادر قبل أن تسأله المزيد.

وأوركيد بقيت واقفة عند الباب، قلبها يخفق، وجسدها دافئ، وفي أعماقها—

شيء بأجنحة من نار،

يرفرف…

منتظرًا وقته.

...........

خرج ألكسندر من البيت قبل أن يكتمل الليل.

لم يخبر أحدًا.

لم ينادِ دارِن، ولم يكلّف كايل بالمراقبة. كان يحتاج إلى الصمت، إلى الغابة، إلى المساحة الوحيدة التي يستطيع فيها أن يكون صادقًا مع نفسه… ومع ذئبه.

خطواته كانت سريعة، ثابتة، كأن جسده يعرف الطريق دون حاجة إلى تفكير. ما إن تجاوز حدود القرية حتى تغيّر الهواء. رائحة الأشجار، الأرض الرطبة، والظلام الحيّ… كل ذلك استقبله كأنه ابن عاد إلى رحم موطنه.

توقّف عند عمق الغابة.

أغلق عينيه.

وحين فتحهما… لم يكن وحده.

«أخيرًا.»

الصوت لم يُسمَع بالأذن.

كان في رأسه.

في صدره.

في دمه.

شدّ ألكسندر فكيه. «اصمت.»

ضحك الذئب في داخله، ضحكة خشنة، قديمة. «تأخرتَ كثيرًا. كنتَ تعلم.»

خلع معطفه، رماه جانبًا، ومرّر يده في شعره بعصبية. «ما أشعر به لا يعني شيئًا.»

«كاذب.»

قالها الذئب بوضوح جارح.

«حين نظرتَ إليها، استيقظتُ. وحين اقتربتْ، صرختُ في دمك.»

أدار ألكسندر ظهره، كأن بإمكانه الهروب. «هي بشرية.»

«لا.»

جاء الرد فوريًا.

«هي الرفيقة المقدّرة.»

تصلبت عضلاته. «لا تقلها.»

«إنكارك لا يغيّر الحقيقة.»

انحنى ألكسندر قليلًا، واضعًا يديه على ركبتيه. تنفّسه صار أثقل. الحرارة التي كان يكبتها منذ لقائه بأوركيد بدأت تتمرد.

«إن وسمتها الآن…»

قال بصوت منخفض.

«سأجرّها إلى حرب لم تخترها.»

«وإن لم تفعل…»

اقترب الصوت في رأسه، صار أعمق، أشرس.

«ستتألم.»

رفع رأسه فجأة. «أنا أتحمّل.»

ضحك الذئب مرة أخرى. «لا تتحدث عن نفسك فقط.»

ساد صمت قصير، ثم قال الذئب بنبرة أخطر: «أنت تعلم ما يحدث للألفا حين يرفض رفيقته.»

قبض ألكسندر على قبضتيه. «سأسيطر.»

«ستضعف.»

«ستفقد تركيزك.»

«وسينزف القطيع ثمن ذلك.»

شدّ أنفاسه، ثم قال بحدة: «كفى.»

لكن جسده… لم يتوقف.

بدأ التحوّل.

لم يكن كاملاً. لم يسمح له بذلك. لكنه ترك الذئب يخرج بما يكفي ليُسكته. تمددت عظامه قليلًا، اشتدت حواسه، وانحنت قامته، وعيناه توهّجتا بالذهب.

ركض.

ركض بين الأشجار، قافزًا فوق الجذوع، ممزّقًا الهواء بسرعة، حتى صار العالَم كله رائحة وصوتًا وحركة. كانت الغابة تعرفه. تفسح له الطريق.

توقف أخيرًا عند فسحة صغيرة، القمر فوقه مباشرة.

رفع رأسه، أطلق زفيرًا حادًا.

«الوسم.»

قال الذئب بإصرار.

«أسنانكِ في عنقها. دمك ودمها يختلطان. وشم الذئب يظهر.»

أغمض ألكسندر عينيه بقوة. «وحينها سيعرف الجميع.»

«وسيحترمونها.»

«وسيطاردها مصاصو الدماء.»

سكت الذئب لحظة.

ثم قال ببطء: «هم سيطاردونها مهما فعلت.»

فتح ألكسندر عينيه. «ليس الآن.»

«الوقت لا ينتظر.»

«وأنا الألفا.»

قالها بنبرة قاطعة.

«وأنا من يقرر.»

عاد التحوّل للانكماش. عاد جسده بشريًا، لكن الألم لم يختفِ. ذلك الألم الخافت، العميق، الذي يبدأ من الصدر ويمتد إلى العظم… ألم الرفض.

ارتدى معطفه، واستدار عائدًا.

في القرية، كانت أوركيد مستيقظة.

جلست على فراشها، واضعة يدها على رقبتها دون وعي. إحساس غريب هناك… دفء، وخز، كأن شيئًا كان يجب أن يكون… ولم يحدث.

همست: «ألكسندر…»

لم تعرف لماذا نطقت اسمه.

وفي اللحظة نفسها، توقف هو فجأة، قلبه يخفق بقوة، وأنفاسه تختل.

«ألم تشعر؟»

قال الذئب بهدوء قاتل.

«هي تناديك دون أن تعرف.»

شدّ ألكسندر أسنانه. «ليس الآن.»

عاد إلى القرية، وقراره ثقيل كالسلاسل.

لم يخبرها أنها رفيقته المقدّرة.

لم يوسمها.

لم يخبرها أن دمها لا يجب أن يبقى بلا تدريب،

وأنها إن لم تتعلّم كيف تُخرج ذئبتها وعنقاءها عند الخطر…

فسيفعل الخطر ذلك بدلًا عنها.

لكن القدر…

لا ينتظر موافقة أحد.

.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الغريبه//strange    الفصل الرابع

    لم يكن الشكّ يأتي على هيئة صوت.كان يأتي على هيئة فراغ.فراغ بارد تسلّل إلى صدر ألكسندر مع أول خيط من الفجر، حين وقف في أعلى نقطة من القرية، يراقب الضباب وهو ينزلق ببطء بين البيوت الخشبية. الغابة كانت هادئة أكثر من اللازم، والهدوء—في عالمه—لم يكن فألًا حسنًا.اقترب دارِن منه، خطواته صامتة، لكن رائحته محمّلة بالتوتر.قال دون مقدمات: «وصلتنا إشارات من الحدود الغربية.»لم يلتفت ألكسندر. «أي نوع من الإشارات؟»تردّد دارِن لحظة. «توقّف الصيادون عن الاقتراب من تلك المنطقة… والليل هناك صار أطول.»أغمض ألكسندر عينيه ببطء. «مصاصو الدماء.»قالها كحقيقة لا تحتاج إلى تأكيد.تقدّم كايل هذه المرة، يحمل لفافة جلدية قديمة. «وهذا.»فتحها على صخرة قريبة. كانت رموزًا مرسومة بالدم الجاف، تعاويذ قديمة لا يستخدمها إلا السحرة المرتبطون بمصاصي الدماء.قال كايل بصوت منخفض: «هم لا يعرفون مكانها… لكنهم يشعرون بشيء.»شدّ ألكسندر فكه. «دمها.»سادت لحظة صمت ثقيل.قال دارِن: «إن كانوا قد شكّوا… فلن يتوقفوا.»فتح ألكسندر عينيه، ونظر إلى القرية. «لهذا لن تبقى هنا.»---كانت أوركيد تجلس قرب النافذة حين طرق الباب.هذه ا

  • الغريبه//strange    الفصل الثالث

    استيقظت أوركيد قبل الفجر بقليل.لم يكن استيقاظًا طبيعيًا، بل انتزاعًا مفاجئًا من سكون ثقيل، كأن يدًا غير مرئية جذبت روحها بعنف إلى سطح الوعي. فتحت عينيها وهي تلهث، وقطرات العرق البارد تغطي جبينها، وقلبها يخفق بقوة غير معتادة، كأنه يحاول كسر قفصها الصدري من الداخل.ساد الصمت.لكن الصمت لم يكن فارغًا.كان مشحونًا… مترقّبًا.جلست ببطء، وأول ما انتبهت له هو الحرارة. جسدها كله كان دافئًا، أكثر مما ينبغي، لا يشبه حرارة الحمى، بل دفئًا عميقًا، ثابتًا، ينبع من الداخل وينتشر في أطرافها بهدوء مخيف.وضعت كفها على صدرها.دقات قلبها كانت منتظمة، لكنها قوية، ثابتة، كأنها دقات قلب شخص آخر… أقوى منها.تمتمت بصوت خافت: «ما الذي يحدث لي؟»نهضت، واتجهت نحو النافذة الصغيرة. كان الفجر لم يكتمل بعد، والسماء ما تزال رمادية حمراء داكنة. القرية بدت ساكنة، لكن أوركيد شعرت—دون أن ترى—أنها ليست نائمة.هناك حركة.أرواح يقِظة.نظرات.ارتعشت دون سبب واضح، وابتعدت عن النافذة. حين التفتت، لمحت المرآة.ترددت لحظة، ثم اقتربت.انعكاسها كان مألوفًا… ومقلقًا في آن واحد.عيناها كانتا أكثر صفاءً. لون بشرتهما بدا أعمق، أنقى.

  • الغريبه//strange    الفصل الثاني

    لم تنم.أغمضت عينيها، نعم، لكن النوم لم يأتِ.كلما حاول عقلها أن يهدأ، كانت الصور تقتحمها بلا رحمة: الغابة، الظلال، العواء… ثم تلك العيون.العيون الذهبية.فتحت عينيها فجأة، صدرها يعلو ويهبط بعنف.النار في الموقد كانت ما تزال مشتعلة، لكن ضوءها صار أضعف، أطول ظلالًا، كأنها تشوّه ملامح الغرفة.كانت وحدها.نهضت ببطء، قدماها حافيتان على أرضية خشبية باردة. البيت صامت، صمتًا غير طبيعي. لا صوت تنفس، لا حركة، لا حياة.كلهم اختفوا؟اقتربت من النافذة بحذر. الخارج كان مظلمًا، لكن القمر—مكتمل، ضخم—ينير القرية بضوء فضي مريض باللون الأحمر. رأت بعض البيوت، مغلقة. ساكنة.كأن الجميع يختبئون من شيء ما.أو… من شخص.ارتعشت دون أن تعرف السبب.فجأة، شعرت بوخزة حادة في معصمها.تأوهت، نظرت إلى يدها.جرح.لم تتذكر متى أصيبت به. خط رفيع من الدم بدأ يتشكل، أحمر داكن… لكنه لم يكن عاديًا.كان يتوهج.شهقت، تراجعت خطوة.«ما هذا…؟»الدم لم يسقط فورًا، بل ظل معلقًا للحظة، كأنه حيّ. ثم، دون تفسير، سُحب إلى داخل الجرح، واختفى.لم يبقَ أثر.تسارعت أنفاسها. عقلها رفض المشهد، حاول إنكاره، لكنه فشل.قبل أن تستوعب ما حدث، ان

  • الغريبه//strange    الفصل الاول

    لم تكن تتذكر متى شعرت بالخوف الحقيقي آخر مرة.ليس الخوف السريع الذي يمرّ كرجفة، ولا القلق العابر قبل الامتحانات أو القرارات المصيرية، بل ذلك الخوف العميق، الصامت، الذي يزحف إلى العظام دون صوت، ويستقر هناك كأنه وُلد معها.ذلك الخوف بدأ حين فتحت عينيها.لم يكن الضوء أول ما رأته، بل الظلال. ظلال كثيفة تتشابك فوق رأسها، وكأن السماء نفسها مغطاة بشبكة من السواد. احتاجت ثوانٍ طويلة حتى تدرك أن تلك ليست ظلالًا، بل أغصان أشجار عالية، شاهقة، متداخلة بطريقة غير طبيعية.كان الهواء باردًا. أبرد مما ينبغي.حاولت أن تتحرك، فشعرت بألم خفيف في مؤخرة رأسها. تأوهت وهمست بلا وعي:«ما الذي حدث…؟»جلست ببطء، كأن جسدها لا يطيعها تمامًا. الأرض تحتها رطبة، أوراق شجر مبتلة تلتصق بملابسها. رائحة الطين امتزجت برائحة أخرى… نفاذة، حادة، كأنها خليط بين المطر والحديد.التفتت حولها.غابة.غابة واسعة، عميقة، لا يظهر لها نهاية. الأشجار لم تكن فقط طويلة، بل سميكة الجذوع، متقاربة، وكأنها جدار حيّ يحيط بها من كل جانب. لم يكن هناك طريق واضح، ولا أثر لأي وجود بشري.قفز قلبها بقوة.«لا… لا لا اشعر أنني لست في عالمي ليست هذه

  • الغريبه//strange    مقدمه

    استيقظتُ على إحساسٍ غريب، كأنني خرجت من حلمٍ لم ينتهِ بعد.الأرض تحت قدمي كانت باردة أكثر مما ينبغي، والهواء يضغط على صدري بثقلٍ لا يُرى. كل شيء بدا واقعيًا… واقعيًا إلى حدّ الشك. لا شيء واضح، ولا شيء خاطئ بما يكفي ليُفسَّر، ومع ذلك كان قلبي يخبرني أنني لست حيث يجب أن أكون.الأصوات هنا لا تأتي كاملة؛ همسات مبتورة، خطوات تتوقّف قبل أن تُسمَع، وأنفاس لا أعرف مصدرها. كنت أشعر بالمراقبة، لا كخوفٍ مفاجئ، بل كحقيقة قديمة، كأن هذا الإحساس كان ينتظرني منذ زمن طويل. الغابة – إن كان يمكن تسميتها غابة – لا تفتح طرقها بسهولة، وكأنها تختبر نوايا العابرين قبل أن تسمح لهم بالمرور.كلما حاولت تذكّر كيف وصلت، انزلقت ذاكرتي بعيدًا، كالماء بين الأصابع. لا حادث، لا بوابة، لا انتقال درامي… فقط فجوة صامتة بين لحظة أعرفها، ولحظة لا أفهمها. وهذا ما جعل الرعب أعمق: لم يكن هناك تفسير أتشبّث به.كان الليل هنا مختلفًا، ليس لأنه مظلم، بل لأنه يقظ.شيء ما يستمع… ينتظر… يتعرّف عليّ ببطء.وأنا، دون أن أدرك السبب، شعرت بأن هذا المكان لا يريد إيذائي بعد،كأنه يفضّل أن أفهم… أو أن أتذكّر.لكن السؤال الذي بدأ ينهشني لم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status