بيت / الرومانسية / اللؤلؤ والندوب / الفصل الخامس عشر

مشاركة

الفصل الخامس عشر

last update تاريخ النشر: 2026-07-24 06:23:31

قيود الرحمة

لم تتذكر هاجر شيئأ مما حدث في ذلك اليوم. كل ما تتذكره أنها استيقظت لتجد نفسها في منزل غريب، وعلمت لاحقا أنه منزل علياء، الأخت الكبرى لمحمد.

كانت علياء امرأة صارمة وقاسية. توسلت إليها هاجر مرارا أن تسمح لها بالعودة إلى المغرب، لكنها كانت ترفض في كل مرة. بل إنها في إحدى محاولات الهرب صفعتها بقوة، وحذرتها من تكرار الأمر.

كانت هاجر تدرك أن إجازتها قد انتهت، وأن تأخرها عن العمل سيؤدي حتما إلى فصلها. وكانت تعلم أيضا أن العثور على وظيفة أخرى بالمستوى نفسه ليس أمرا سهلا، خاصة وهي ترى كثيرا من الشباب الحاصلين على المؤهلات نفسها ما زالوا يعانون البطالة.

لم تكن الوظيفة بالنسبة إليها مجرد عمل، بل كانت مصدر رزق الأسرة. فمنذ تقاعد والدها، لم يعد معاشه البسيط يكفي حتى لتغطية الفواتير الأساسية، كما كانت هي المسؤولة عن مصاريف علاج أختها، وهو عبء لم يكن بإمكان أحد غيرها تحمله.

ومع مرور الأيام، بدأت تستسلم للأمر الواقع، فقد أيقنت أن قرار فصلها من العمل قد يكون قد صدر بالفعل.

عندها، عادت إليها تلك الأفكار السوداوية التي ظنت يوما أنها تخلصت منها. الأفكار نفسها التي كانت تهمس لها بأن حياتها بلا قيمة، وأن وجودها لا يهم أحدا، وتدفعها إلى إنهاء حياتها.

في الماضي، كانت تقاومها بإيذاء نفسها، محاولة أن تجعل الألم الجسدي يطغى على الألم النفسي. لكن تلك الأفكار كانت قد انتصرت عليها ذات يوم، ولم يكن يفصلها عن الانتحار سوى خطوة واحدة، لولا تدخل وجدان في اللحظة الأخيرة وإنقاذها من الموت.

ومنذ ذلك اليوم، خفت وطأة تلك الأفكار لأنها وجدت في وجدان شخصا يحبها ويمنحها سببا للاستمرار. وحتى عندما كانت تعود إليها بين الحين والآخر، كانت تتمكن من مقاومتها، وإن كان ذلك بطرق مؤذية لنفسها.

لكن هذه المرة عادت أشد قسوة من أي وقت مضى.

كانت تلاحقها في كل لحظة، وترسم لها صورا متعددة للموت، وكأنها تدعوها إلى الاستسلام. وكانت هاجر تحاول بكل ما بقي لديها من قوة أن تطردها من رأسها، خصوصا بعد أن مر شهران من دون أن تأتيها الدورة الشهرية، وبدأ الشك يتسلل إلى قلبها بأنها قد تكون حاملا

ذلك الاحتمال زادها خوفا واضطرابا، فعادت إلى إيذاء نفسها في محاولة يائسة لإسكات تلك الأصوات التي كانت تلتهم عقلها.

لكن علياء كانت تراقبها باستمرار. كانت تفسد كل محاولة تؤذي بها نفسها، حتى إنها في إحدى المرات ضبطتها وهي تنتف شعرها بعنف، فلم تجد وسيلة لإيقافها إلا أن قيدت يديها حتى لا تؤذي نفسها أكثر.

_________

فرحت هاجر كثيرا بعودة محمد إلى مصر. أولا لأنها كانت تشتاق إليه، رغم أن هذا الشعور كان يثقل قلبها بتأنيب الضمير، فهو في النهاية زوج خالتها. وثانيا لأنها سئمت من الحصار الذي فرضته عليها علياء، وكانت تأمل أن يعيدها محمد إلى المغرب، لكنه رفض.

في ذلك الصباح، كانت تجلس إلى جواره وهو نائم نوما عميقا. وفي تلك الأثناء سمعت علياء تنادي من خارج الغرفة:

"محمد سأذهب مع عصمة إلى المستوصف، فتسنيم مريضة."

لم يجبها، فقد كان غارقا في نومه.

اقتربت هاجر من النافذة، وتأكدت من أن علياء قد غادرت بالفعل. شعرت أن هذه فرصتها الوحيدة للهرب. ستغادر هذه القرية أولا، ثم تتوجه إلى السفارة المغربية لتطلب المساعدة في العودة إلى وطنها. كانت قد قررت ألا تخبرهم بالحقيقة، بل ستختلق قصة تحمي بها محمد من أي مساءلة.

خرجت مسرعة، تركض بكل ما أوتيت من قوة، تحاول الابتعاد قبل أن يستيقظ محمد.

لكنها توقفت فجأة وهي تشعر بوخزة مؤلمة في بطنها، فوضعت يدها عليها وهمست:

"اهدأ لا بد أن التعب هو السبب."

ثم جمدت في مكانها.

إلى أين ستهرب؟

وكيف ستعود إلى المغرب وهي تحمل طفلا لا يعلم أحد بأمره؟

هل سيقبل به أهلها؟ أم سيجبرونها على التخلي عنه؟

وهل سيحبون طفلا لم يختاروا قدومه، وهم الذين لم يشعروا يوما بأنها هي نفسها محبوبة؟

وكيف سيعيش صغيرها بلا أب؟ ماذا ستمنحه هي، وهي التي بالكاد تستطيع حمل أوجاعها النفسية؟

وتساءلت في مرارة:

"ولماذا أترك محمد أصلا؟ أهو حب عمري أتخلى عنه من أجل خالتي؟ وهل سبق أن ضحى أحد من أجلي؟"

كانت الأسئلة تمزقها، حتى انتشلها منها صوت رجل مسن قال بلطف:

"إلى أين أنت ذاهبة يا ابنتي؟"

التفتت مذعورة، فرأت شيخا يجلس على عربة يجرها حمار.

ابتسم لها وقال:

"إذا كان طريقك في طريقي، فأنا أوصلك."

ترددت للحظة، ثم قالت:

"أنا ذاهبة إلى بيت الحاجة علياء."

هز رأسه مبتسما:

"تفضلي، فهو في طريقي."

وصلت أخيرا، ونزلت من العربة وهي تشعر أن قدميها لم تعودا تحملانها.

وقفت أمام الباب، ورفعت يدها لتطرقه بتردد. كانت تخشى ما ينتظرها خلفه أكثر مما تخشى الطريق الذي سلكته.

لكن لم يجبها أحد.

جلست أمام الباب بصمت، وأسندت ظهرها إلى الجدار، ثم وضعت يدها على بطنها بحنان.

بعد كل ما دار في عقلها، كانت قد اتخذت قرارها.

من أجل هذا الطفل ستتحمل كل شيء، وستفعل المستحيل لتحميه، مهما كان الثمن.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الثامن عشر

    الحورية الغجريةلم يتوقع طوم يوما أن يقع في الحب من النظرة الأولى، أو أن يؤمن بشيء كان يراه مجرد خرافة. لطالما سمع أصدقاءه الفرنسيين يتحدثون مازحين عن سحر المغربيات، وكان يضحك من حديثهم، مؤمنا أن ما يربطه بالمغرب لا يتجاوز شركاته واستثماراته. بل كان قد حسم أمره منذ سنوات إذا تزوج يوما فلن يتزوج إلا فرنسية، وكان يتخيل أبناءه يحملون دماء فرنسية خالصة.لكن كل تلك القناعات انهارت في لحظة واحدة، يوم حضر حفل زفاف خالة وليد، صديقه المقرب ومدير أحد الأقسام في شركته.هناك، وقعت عيناه عليها.بدت له كأنها حورية غجرية خرجت من صفحات الأساطير. أنوثة آسرة دون تكلف، ووجه ملائكي بريء، وبشرة قمحية صافية تشع دفئا، وعينان واسعتان كعيني غزال تائه، وشفاه ممتلئة تخفي خلفها صفا من الأسنان البيضاء كاللؤلؤ. أما شعرها الأسود الطويل المنسدل بحرية، فكان أكثر ما أسر قلبه.قطع شروده صوت وليد وهو يبتسم:"هذه جوجو، وهذه هاجر، صديقتها."ثم أضاف مازحا:"أهلا بالجميلات وهذا طوم، رئيسي في العمل."احمر وجه هاجر، وخفضت رأسها بخجل قبل أن ترفع عينيها إليه قائلة بصوت هادئ:"تشرفنا، سيد طوم."لم يكن صوتها مجرد كلمات عابرة، بل

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل السابع عشر

    مشاعر"أبو حمزة أبو حمزة، استيقظ يا كسول."فتح محمد عينيه ببطء، ونظر إليها باستغراب.كانت تقف أمامه تبتسم بسعادة، وقالت:"لقد جهزت لك الفطور."نظر إلى الصينية الموضوعة أمامه، فوجد كوبا من الشاي، ومسمنا مغربيا لا يزال ساخنا، إلى جانب كوب ماء ووردة صغيرة زينت المائدة.ابتسم وهو يتأمل ما أمامه، ثم رفع بصره إليها وقال:"هل أنت من أعددت كل هذا؟"أومأت برأسها وهي تبتسم.قال بحنان:"ولماذا أتعبت نفسك يا حياتي؟ تسنيم موجودة، كان بإمكانك أن تطلبي منها."تبدلت ملامح هاجر، وخفضت رأسها قليلا وهي تقول بخجل:"كنت أريدك أن تتذوق شيئا من صنعي."ثم رفعت عينيها إليه بتردد وسألته:"ألم يعجبك؟"ضحك محمد من براءتها وتعابيرها الطفولية، ثم أمسك يدها وقال:"كل ما يأتي منك عسل يا عسل. حتى لو قدمت لي خبزا يابسا، فسأراه أشهى طعام."ثم قبل يدها برفق، وقال مبتسما:"محظوظ ذلك الصغير الذي ستصبحين أمه."وضعت هاجر يدها على بطنها بحنان وهمست:"ابننا."ابتسم محمد وقال:"وما أدراك أنه ولد يا هاجر؟ ربما تكون بنتا."هزت رأسها بثقة وقالت:"لا أشعر أنه ولد. ألم نتفق أن يكون أول أطفالنا ولدا؟"ضحك وهو يربت على يدها وقال:"ك

  • اللؤلؤ والندوب   إلى قرائي الأعزاء،

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بنات 🌸 وصلت بهذا الجزء من الرواية، وحابة أعرف رأيكم بكل صراحة. هل شدتكم الأحداث؟ وهل الشخصيات قدرت توصلكم إحساسها؟ تشجعوني أكمل، ولا في أشياء تحسون إنها تحتاج تعديل أو تطوير؟ رأيكم يهمني جدا، سواء كان مدحاأو نقدا لأنه بيساعدني أقدم رواية أفضل. ❤️

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل السادس عشر

    لن أضيعك مرة أخرىكيف غفل عنها؟لم يصدق محمد ما رآه عندما استيقظ.مد يده إلى جواره، فلم يجد هاجر.اعتدل في جلسته بسرعة، وأخذ يجول ببصره في الغرفة، ثم خرج يناديها. منذ عودته إلى مصر لم تكن تخرج من الغرفة إلا برفقته، لذلك لم يخطر بباله يوما أنها قد تحاول الهرب.ازداد اضطرابه عندما اكتشف أن المنزل خال تماما.تشبث بأمل أخير، وظن أنها خرجت مع علياء. أمسك هاتفه واتصل بها على الفور."علياء هاجر عندك، أليس كذلك؟"ساد صمت لثوان قبل أن تجيبه:"لاخرجت أنا وعصمة وحدنا."في تلك اللحظة شعر وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.أغلق الهاتف، وخرج من المنزل كالمجنون، يبحث عنها في كل مكان، يسأل كل من يصادفه إن كان قد رأى فتاة غريبة تمر من هنا.كانت فكرة واحدة تفتك بعقله:إن ضاعت مني هاجر مرة أخرى فلن أسامح نفسي أبدااا.وبينما كان على وشك أن يفقد الأمل، اهتز هاتفه معلنا وصول رسالة من علياء.فتحها بيدين مرتجفتين.كانت صورة لهاجر نائمة أمام باب المنزل.اتصل بعلياء فورا وهو يكاد يختنق من القلق."أين وجدتموها؟"أجابته بهدوء:"عندما عدنا إلى البيت وجدناها نائمة أمام منزل."لم ينتظر محمد أن يسمع المزيد.أغلق الهاتف

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الخامس عشر

    قيود الرحمة لم تتذكر هاجر شيئأ مما حدث في ذلك اليوم. كل ما تتذكره أنها استيقظت لتجد نفسها في منزل غريب، وعلمت لاحقا أنه منزل علياء، الأخت الكبرى لمحمد. كانت علياء امرأة صارمة وقاسية. توسلت إليها هاجر مرارا أن تسمح لها بالعودة إلى المغرب، لكنها كانت ترفض في كل مرة. بل إنها في إحدى محاولات الهرب صفعتها بقوة، وحذرتها من تكرار الأمر. كانت هاجر تدرك أن إجازتها قد انتهت، وأن تأخرها عن العمل سيؤدي حتما إلى فصلها. وكانت تعلم أيضا أن العثور على وظيفة أخرى بالمستوى نفسه ليس أمرا سهلا، خاصة وهي ترى كثيرا من الشباب الحاصلين على المؤهلات نفسها ما زالوا يعانون البطالة. لم تكن الوظيفة بالنسبة إليها مجرد عمل، بل كانت مصدر رزق الأسرة. فمنذ تقاعد والدها، لم يعد معاشه البسيط يكفي حتى لتغطية الفواتير الأساسية، كما كانت هي المسؤولة عن مصاريف علاج أختها، وهو عبء لم يكن بإمكان أحد غيرها تحمله. ومع مرور الأيام، بدأت تستسلم للأمر الواقع، فقد أيقنت أن قرار فصلها من العمل قد يكون قد صدر بالفعل. عندها، عادت إليها تلك الأفكار السوداوية التي ظنت يوما أنها تخلصت منها. الأفكار نفسها التي كانت تهمس لها بأن

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الرابع عشر

    ملجأ القلبلم يستطع محمد إخفاء سعادته بتعلق هاجر به.فمنذ لحظة وصوله، لم تبتعد عنه ولو للحظة.كانت تمسك بيده أينما ذهب، وحتى أثناء تناول الطعام، بقيت تجلس إلى جواره، وكأنها تخشى أن يغيب عن ناظريها.وكان هذا بالضبط ما يتمناه.أن يصبح هو ملجأها الوحيد، والشخص الذي تلجأ إليه كلما خافت أو انكسرت.نظر إليها وهي تجلس بصمت، وقد زادها الثوب الصعيدي البسيط براءة ورقة، فابتسم دون أن يشعر.ثم نهض عن المائدة وقال:"سأذهب لأرتاح قليلا."قالت علياء:"لقد طلبت من تسنيم أن تجهز لك الغرفة."أجابها بلا مبالاة:"لا داعي."ثم أمسك بيد هاجر لتنهض معه، وقال:"سأنام في غرفتي."نظرت إليه علياء باستغراب، وقالت بحزم:"لكن هاجر تقيم في تلك الغرفة."التفت إليها بثبات، ثم قال:"أعلم فأنا من أسكنها فيها منذ اليوم الأول."ساد الصمت لثوان، بينما كانت علياء تراقب هاجر، التي لم تفلت يد محمد، بل تشبثت بها أكثر، وكأنها تخشى أن يطلب منها أحد الابتعاد عنه.تنهدت علياء في هدوء.لأول مرة منذ أشهر، لم تر في عيني هاجر ذلك الذعر الذي كان يلازمها.كانت ملامحها لا تزال شاحبة، لكنها بدت أكثر هدوءا، وكأن وجود محمد أعاد إليها جزءا

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status