LOGINمشاعر
"أبو حمزة أبو حمزة، استيقظ يا كسول." فتح محمد عينيه ببطء، ونظر إليها باستغراب. كانت تقف أمامه تبتسم بسعادة، وقالت: "لقد جهزت لك الفطور." نظر إلى الصينية الموضوعة أمامه، فوجد كوبا من الشاي، ومسمنا مغربيا لا يزال ساخنا، إلى جانب كوب ماء ووردة صغيرة زينت المائدة. ابتسم وهو يتأمل ما أمامه، ثم رفع بصره إليها وقال: "هل أنت من أعددت كل هذا؟" أومأت برأسها وهي تبتسم. قال بحنان: "ولماذا أتعبت نفسك يا حياتي؟ تسنيم موجودة، كان بإمكانك أن تطلبي منها." تبدلت ملامح هاجر، وخفضت رأسها قليلا وهي تقول بخجل: "كنت أريدك أن تتذوق شيئا من صنعي." ثم رفعت عينيها إليه بتردد وسألته: "ألم يعجبك؟" ضحك محمد من براءتها وتعابيرها الطفولية، ثم أمسك يدها وقال: "كل ما يأتي منك عسل يا عسل. حتى لو قدمت لي خبزا يابسا، فسأراه أشهى طعام." ثم قبل يدها برفق، وقال مبتسما: "محظوظ ذلك الصغير الذي ستصبحين أمه." وضعت هاجر يدها على بطنها بحنان وهمست: "ابننا." ابتسم محمد وقال: "وما أدراك أنه ولد يا هاجر؟ ربما تكون بنتا." هزت رأسها بثقة وقالت: "لا أشعر أنه ولد. ألم نتفق أن يكون أول أطفالنا ولدا؟" ضحك وهو يربت على يدها وقال: "كل ما يرزقنا الله به خير، سواء كان ولدا أو بنتا. أهم شيء أن يأتي إلى الدنيا سالما معافى." نفخت شفتيها بدلال وقالت: "لا إن شاء الله سيكون ولدا." انفجر محمد ضاحكا، ثم جذبها إلى حضنه وقال وهو يقبل رأسها: "كم أحبك يا مجنونتي." كانت هاجر مستندة إلى صدره، تعبث بأصابعه في صمت. توقفت فجأة عند خاتم الزواج الذي يزين يده، ثم نظرت إلى يدها الخالية. لم يخف ذلك عن محمد، فسألها مبتسما: "بماذا تفكرين؟" ترددت قليلا، ثم قالت بخجل: "كنت أتمنى لو كان لدي خاتم زواج مثلك." ابتسم وهو ينظر إليها بعطف، ثم قال: "وما رأيك أن أشتري لك خاتم زواج؟" أشرقت عيناها بسعادة، وقالت بسرعة: "حقا؟" لكن فرحتها لم تدم سوى لحظات، إذ خفضت رأسها وأضافت على استحياء: "ليس بالضرورة أن يكون من الذهب يكفي أن يكون من الفضة." ضحك محمد من براءتها، وأدرك أنها تظن أنه لم يشتر لها خاتما بسبب ضيق الحال. والحقيقة أنه، رغم زواجهما، لم يخطر بباله أمر الخاتم وسط الظروف المتلاحقة التي عاشاها. رفع ذقنها برفق، ثم مرر أصابعه بين خصلات شعرها وهو يقول: "حبيبتي تستحق أجمل خاتم زواج، وليس أي خاتم." احمر وجه هاجر خجلا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة. همست بصوت يكاد لا يسمع: "شكرا." ابتسم محمد وهو يتأملها، وشعر أن أبسط أمنياتها كانت كافية لتجعله يرغب في أن يمنحها العالم كله. في اليوم التالي، ذهب محمد إلى محل للمجوهرات. كان قد دخل وهو ينوي شراء خاتم زواج فقط، لكن الأمر لم يجر كما خطط. كلما وقعت عيناه على قطعة ذهبية، تخيلها وهي تتزين بها. تخيل ابتسامتها، ولمعة عينيها، وخجلها وهي تشكره. لم يستطع المقاومة. أضاف سوارا ثم عقدا ثم خاتما آخر وفي النهاية خرج من المحل يحمل علبة أكبر بكثير مما كان ينوي شراءه. ----------- ما إن فتحت هاجر العلبة حتى اتسعت عيناها بدهشة. "كل هذا لي؟" أومأ برأسه مبتسما. كانت تلتقط كل قطعة وكأنها كنز ثمين، تمرر أصابعها عليها بحذر، وتردد بين الحين والآخر: "شكرا شكرا يا محمد." لم تكن قيمة الذهب هي ما أسعدها، بل لأنها شعرت لأول مرة أن هناك من يفكر في إسعادها. راقبها محمد بصمت. في زواجه السابق، كانت الهدايا أمرا اعتياديا، حتى فقدت معناها مع مرور الوقت. أما اليوم، فقد كانت ابتسامة هاجر وهي تمسك قطعة صغيرة من الذهب تمنحه شعورا لم يعرفه من قبل. أدرك أن قيمة الهدية لا تقاس بثمنها، بل بفرحة من يتلقاها. وبعد قليل، خرجت هاجر من الغرفة وهي ترتدي كل ما اشتراه لها. كل الأساور في معصميها. والعقد حول عنقها. والخواتم في أصابعها. أما شعرها الطويل المنسدل على كتفيها، فزادها جمالا في عينيه. وقفت أمامه وهي تدور حول نفسها بسعادة، ثم قالت: "ما رأيك؟" نظر إليها لثوان، ثم انفجر ضاحكا. عقدت حاجبيها وقالت بتذمر: "لماذا تضحك؟" اقترب منها وهو لا يزال يبتسم، ثم أمسك بيديها وقال: "يا حبيبتي كل قطعة جميلة عليك، لكن ليس كلها دفعة واحدة." نظرت إليه باستغراب وقالت: "لكن خالة علياء ترتدي ذهبها كله." ابتسم عندما سمع اسم علياء. كان يعرف أن هاجر، رغم مرور الوقت، ما زالت تهابها. لذلك لم تكن تنزل من الغرفة إلا برفقته، باستثناء بعض الصباحات التي كانت تستيقظ باكرا لتعد له الفطور قبل أن يصحى . وبينما يساعدها على نزع بعض الأساور، سألها بهدوء: "بالمناسبة لماذا لم تذهبي اليوم مع خالتي علياء إلى العرس الذي دعيت إليه؟" لم تجبه. اقتربت منه في صمت، وجلست إلى جواره، ثم أسندت رأسها إلى كتفه واحتضنته. ابتسم محمد. لقد فهم إشارتها. كلما أرادت هاجر أن تهرب من سؤال لا ترغب في الإجابة عنه، كانت تلجأ إلى حضنه، وكأنها تطلب منه أن يغلق الموضوع دون أن تنطقمشاعر"أبو حمزة أبو حمزة، استيقظ يا كسول."فتح محمد عينيه ببطء، ونظر إليها باستغراب.كانت تقف أمامه تبتسم بسعادة، وقالت:"لقد جهزت لك الفطور."نظر إلى الصينية الموضوعة أمامه، فوجد كوبا من الشاي، ومسمنا مغربيا لا يزال ساخنا، إلى جانب كوب ماء ووردة صغيرة زينت المائدة.ابتسم وهو يتأمل ما أمامه، ثم رفع بصره إليها وقال:"هل أنت من أعددت كل هذا؟"أومأت برأسها وهي تبتسم.قال بحنان:"ولماذا أتعبت نفسك يا حياتي؟ تسنيم موجودة، كان بإمكانك أن تطلبي منها."تبدلت ملامح هاجر، وخفضت رأسها قليلا وهي تقول بخجل:"كنت أريدك أن تتذوق شيئا من صنعي."ثم رفعت عينيها إليه بتردد وسألته:"ألم يعجبك؟"ضحك محمد من براءتها وتعابيرها الطفولية، ثم أمسك يدها وقال:"كل ما يأتي منك عسل يا عسل. حتى لو قدمت لي خبزا يابسا، فسأراه أشهى طعام."ثم قبل يدها برفق، وقال مبتسما:"محظوظ ذلك الصغير الذي ستصبحين أمه."وضعت هاجر يدها على بطنها بحنان وهمست:"ابننا."ابتسم محمد وقال:"وما أدراك أنه ولد يا هاجر؟ ربما تكون بنتا."هزت رأسها بثقة وقالت:"لا أشعر أنه ولد. ألم نتفق أن يكون أول أطفالنا ولدا؟"ضحك وهو يربت على يدها وقال:"ك
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بنات 🌸 وصلت بهذا الجزء من الرواية، وحابة أعرف رأيكم بكل صراحة. هل شدتكم الأحداث؟ وهل الشخصيات قدرت توصلكم إحساسها؟ تشجعوني أكمل، ولا في أشياء تحسون إنها تحتاج تعديل أو تطوير؟ رأيكم يهمني جدا، سواء كان مدحاأو نقدا لأنه بيساعدني أقدم رواية أفضل. ❤️
لن أضيعك مرة أخرىكيف غفل عنها؟لم يصدق محمد ما رآه عندما استيقظ.مد يده إلى جواره، فلم يجد هاجر.اعتدل في جلسته بسرعة، وأخذ يجول ببصره في الغرفة، ثم خرج يناديها. منذ عودته إلى مصر لم تكن تخرج من الغرفة إلا برفقته، لذلك لم يخطر بباله يوما أنها قد تحاول الهرب.ازداد اضطرابه عندما اكتشف أن المنزل خال تماما.تشبث بأمل أخير، وظن أنها خرجت مع علياء. أمسك هاتفه واتصل بها على الفور."علياء هاجر عندك، أليس كذلك؟"ساد صمت لثوان قبل أن تجيبه:"لاخرجت أنا وعصمة وحدنا."في تلك اللحظة شعر وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.أغلق الهاتف، وخرج من المنزل كالمجنون، يبحث عنها في كل مكان، يسأل كل من يصادفه إن كان قد رأى فتاة غريبة تمر من هنا.كانت فكرة واحدة تفتك بعقله:إن ضاعت مني هاجر مرة أخرى فلن أسامح نفسي أبدااا.وبينما كان على وشك أن يفقد الأمل، اهتز هاتفه معلنا وصول رسالة من علياء.فتحها بيدين مرتجفتين.كانت صورة لهاجر نائمة أمام باب المنزل.اتصل بعلياء فورا وهو يكاد يختنق من القلق."أين وجدتموها؟"أجابته بهدوء:"عندما عدنا إلى البيت وجدناها نائمة أمام منزل."لم ينتظر محمد أن يسمع المزيد.أغلق الهاتف
قيود الرحمة لم تتذكر هاجر شيئأ مما حدث في ذلك اليوم. كل ما تتذكره أنها استيقظت لتجد نفسها في منزل غريب، وعلمت لاحقا أنه منزل علياء، الأخت الكبرى لمحمد. كانت علياء امرأة صارمة وقاسية. توسلت إليها هاجر مرارا أن تسمح لها بالعودة إلى المغرب، لكنها كانت ترفض في كل مرة. بل إنها في إحدى محاولات الهرب صفعتها بقوة، وحذرتها من تكرار الأمر. كانت هاجر تدرك أن إجازتها قد انتهت، وأن تأخرها عن العمل سيؤدي حتما إلى فصلها. وكانت تعلم أيضا أن العثور على وظيفة أخرى بالمستوى نفسه ليس أمرا سهلا، خاصة وهي ترى كثيرا من الشباب الحاصلين على المؤهلات نفسها ما زالوا يعانون البطالة. لم تكن الوظيفة بالنسبة إليها مجرد عمل، بل كانت مصدر رزق الأسرة. فمنذ تقاعد والدها، لم يعد معاشه البسيط يكفي حتى لتغطية الفواتير الأساسية، كما كانت هي المسؤولة عن مصاريف علاج أختها، وهو عبء لم يكن بإمكان أحد غيرها تحمله. ومع مرور الأيام، بدأت تستسلم للأمر الواقع، فقد أيقنت أن قرار فصلها من العمل قد يكون قد صدر بالفعل. عندها، عادت إليها تلك الأفكار السوداوية التي ظنت يوما أنها تخلصت منها. الأفكار نفسها التي كانت تهمس لها بأن
ملجأ القلبلم يستطع محمد إخفاء سعادته بتعلق هاجر به.فمنذ لحظة وصوله، لم تبتعد عنه ولو للحظة.كانت تمسك بيده أينما ذهب، وحتى أثناء تناول الطعام، بقيت تجلس إلى جواره، وكأنها تخشى أن يغيب عن ناظريها.وكان هذا بالضبط ما يتمناه.أن يصبح هو ملجأها الوحيد، والشخص الذي تلجأ إليه كلما خافت أو انكسرت.نظر إليها وهي تجلس بصمت، وقد زادها الثوب الصعيدي البسيط براءة ورقة، فابتسم دون أن يشعر.ثم نهض عن المائدة وقال:"سأذهب لأرتاح قليلا."قالت علياء:"لقد طلبت من تسنيم أن تجهز لك الغرفة."أجابها بلا مبالاة:"لا داعي."ثم أمسك بيد هاجر لتنهض معه، وقال:"سأنام في غرفتي."نظرت إليه علياء باستغراب، وقالت بحزم:"لكن هاجر تقيم في تلك الغرفة."التفت إليها بثبات، ثم قال:"أعلم فأنا من أسكنها فيها منذ اليوم الأول."ساد الصمت لثوان، بينما كانت علياء تراقب هاجر، التي لم تفلت يد محمد، بل تشبثت بها أكثر، وكأنها تخشى أن يطلب منها أحد الابتعاد عنه.تنهدت علياء في هدوء.لأول مرة منذ أشهر، لم تر في عيني هاجر ذلك الذعر الذي كان يلازمها.كانت ملامحها لا تزال شاحبة، لكنها بدت أكثر هدوءا، وكأن وجود محمد أعاد إليها جزءا
ملاذها الوحيدبعد مرور ثلاثة أشهر على وجود هاجر في منزلها، تغيرت أشياء كثيرة في حياة علياء.أصبح البيت كله يدور حول فتاة واحدة.كانت تشعر أحيانا وكأنها ترعى طفلة فقدت الرغبة في الحياة.في كل صباح، كانت هاجر تنزل لتناول الإفطار مع الجميع، لكن علياء لم تعد تركز على الطعام، بل على يديها.في كل يوم، كانت تكتشف جرحا جديدا.كانت هاجر تحاول إخفاء معصميها بكمي ثوبها، لكن ذلك لم يعد يخدعها.لذلك أفرغت غرفتها من كل شيء قد تستخدمه لإيذاء نفسها.ومع ذلك، لم تتوقف هاجر.وفي أحد الأيام، لاحظت علياء آثار حروق حديثة على ذراعها.شهقت وهي تمسك يدها برفق."يا إلهي ما هذا يا ابنتي؟"لكن هاجر لم ترفع رأسها، واستمرت في تناول الطعام بصمت، وكأن السؤال لم يوجه إليها.اكتشفت علياء لاحقا أنها تعمدت حرق نفسها بالماء الساخن داخل الحمام.حينها اتخذت قرارا لم تكن تتخيل أنها ستصل إليه.انتقلت للنوم في الغرفة نفسها مع هاجر.لم تعد تجرؤ على تركها وحدها ولو لدقائق.كانت تخشى أن تستيقظ ذات صباح فتجد أنها فقدتها.---في إحدى الليالي قالت هاجر بخجل:"أريد أن أستحم."ابتسمت علياء وقالت:"اذهبي."هزت هاجر رأسها وهمست:"لا أ







