LOGINالحورية الغجرية
لم يتوقع طوم يوما أن يقع في الحب من النظرة الأولى، أو أن يؤمن بشيء كان يراه مجرد خرافة. لطالما سمع أصدقاءه الفرنسيين يتحدثون مازحين عن سحر المغربيات، وكان يضحك من حديثهم، مؤمنا أن ما يربطه بالمغرب لا يتجاوز شركاته واستثماراته. بل كان قد حسم أمره منذ سنوات إذا تزوج يوما فلن يتزوج إلا فرنسية، وكان يتخيل أبناءه يحملون دماء فرنسية خالصة. لكن كل تلك القناعات انهارت في لحظة واحدة، يوم حضر حفل زفاف خالة وليد، صديقه المقرب ومدير أحد الأقسام في شركته. هناك، وقعت عيناه عليها. بدت له كأنها حورية غجرية خرجت من صفحات الأساطير. أنوثة آسرة دون تكلف، ووجه ملائكي بريء، وبشرة قمحية صافية تشع دفئا، وعينان واسعتان كعيني غزال تائه، وشفاه ممتلئة تخفي خلفها صفا من الأسنان البيضاء كاللؤلؤ. أما شعرها الأسود الطويل المنسدل بحرية، فكان أكثر ما أسر قلبه. قطع شروده صوت وليد وهو يبتسم: "هذه جوجو، وهذه هاجر، صديقتها." ثم أضاف مازحا: "أهلا بالجميلات وهذا طوم، رئيسي في العمل." احمر وجه هاجر، وخفضت رأسها بخجل قبل أن ترفع عينيها إليه قائلة بصوت هادئ: "تشرفنا، سيد طوم." لم يكن صوتها مجرد كلمات عابرة، بل كان يحمل دفئا وحنانا لم يعهد مثلهما من قبل. في تلك اللحظة شعر أن شيئا ما قد تبدل داخله، لكنه رفض الاعتراف بذلك. --------------- لم يستوعب طوم ما حدث أمام عينيه. وكأنها تعمدت أن تثير جنونه. نهضت فجأة لتشارك النساء الرقص، تتحرك بخفة ورقة، وكأن الموسيقى خلقت من أجلها. كانت خطواتها متناغمة. كيف استطاعت أن ترقص أمام كل هؤلاء بعد ذلك الخجل الذي رآه في عينيها قبل دقائق؟ أين اختفت تلك الفتاة التي كانت تخفض رأسها كلما التقت نظراتهما؟ ارتفعت أصوات النساء والرجال من حوله، ولم يكن يفهم كلمة واحدة باللهجة المغربية، لكنه لم يكن بحاجة إلى الترجمة. كانت نظراتهم المبهورة وابتساماتهم الواسعة كافية ليعرف أنهم يثنون على جمالها. اشتعلت داخله غيرة لم يعهدها من قبل. لم يفهم سبب انزعاجه من نظرات الرجال إليها، لكنه وبخ نفسه بسرعة. ما الذي تفكر فيه يا طوم؟ إنها فتاة التقيتها قبل دقائق فقط. ما تشعر به ليس إلا انبهارا عابرا سينتهي بانتهاء هذا العرس. لكنه كان مخطئا. مرت الأيام، غير أن صورة هاجر كانت تزوره كلما خلا بنفسه. لم يكن يسمي ما يشعر به حبا، بل فضولا غريبا، ورغبة في فهم تلك الفتاة التي جمعت بين الخجل والجرأة، وبين الهدوء والحضور الآسر. سأل وليد عنها ذات يوم، متظاهرا بأن السؤال جاء مصادفة. "من تكون هاجر؟" ابتسم وليد وقال: "هي إبنة خالتي. فتاة مجتهدة تعمل في مجال تخصصها لتعيل أسرتها." اكتفى طوم بهز رأسه، لكنه منذ ذلك اليوم صار يرافق وليد إلى بعض المناسبات العائلية، متذرعا بإعجابه بالثقافة المغربية ودفء العائلات المغربية. وفي كل مرة كان يأمل أن يراها، لكنه كان يصطدم بخيبة أمل، إذ نادرا ما كانت تحضر، وكان يسمع أفراد العائلة يشتكون من اعتذارها المتكرر. وحين كانت تأتي، لم تكن تشبه أحدا. تجلس بهدوء، قليلة الكلام، شاردة الذهن، وكأنها تحمل فوق كتفيها أثقال العالم، بينما كانت صديقتها تملأ المكان ضحكا وحديثا. كان يراقبها بصمت، محاولا أن يجد فرصة واحدة للحديث معها، لكن تلك الفرصة لم تأت أبدا. كلما وجه إليها سؤالا، كانت صديقتها تبادر بالإجابة، وكأنها تقيم بينه وبين هاجر حاجزا لا يمكن عبوره. غادر كل مناسبة وهو يخبر نفسه أن الأمر سينتهي عند هذا الحد، لكنه كان يعود في المناسبة التالية، مدفوعا بسبب لم يعد قادرا على تفسيره.الحورية الغجريةلم يتوقع طوم يوما أن يقع في الحب من النظرة الأولى، أو أن يؤمن بشيء كان يراه مجرد خرافة. لطالما سمع أصدقاءه الفرنسيين يتحدثون مازحين عن سحر المغربيات، وكان يضحك من حديثهم، مؤمنا أن ما يربطه بالمغرب لا يتجاوز شركاته واستثماراته. بل كان قد حسم أمره منذ سنوات إذا تزوج يوما فلن يتزوج إلا فرنسية، وكان يتخيل أبناءه يحملون دماء فرنسية خالصة.لكن كل تلك القناعات انهارت في لحظة واحدة، يوم حضر حفل زفاف خالة وليد، صديقه المقرب ومدير أحد الأقسام في شركته.هناك، وقعت عيناه عليها.بدت له كأنها حورية غجرية خرجت من صفحات الأساطير. أنوثة آسرة دون تكلف، ووجه ملائكي بريء، وبشرة قمحية صافية تشع دفئا، وعينان واسعتان كعيني غزال تائه، وشفاه ممتلئة تخفي خلفها صفا من الأسنان البيضاء كاللؤلؤ. أما شعرها الأسود الطويل المنسدل بحرية، فكان أكثر ما أسر قلبه.قطع شروده صوت وليد وهو يبتسم:"هذه جوجو، وهذه هاجر، صديقتها."ثم أضاف مازحا:"أهلا بالجميلات وهذا طوم، رئيسي في العمل."احمر وجه هاجر، وخفضت رأسها بخجل قبل أن ترفع عينيها إليه قائلة بصوت هادئ:"تشرفنا، سيد طوم."لم يكن صوتها مجرد كلمات عابرة، بل
مشاعر"أبو حمزة أبو حمزة، استيقظ يا كسول."فتح محمد عينيه ببطء، ونظر إليها باستغراب.كانت تقف أمامه تبتسم بسعادة، وقالت:"لقد جهزت لك الفطور."نظر إلى الصينية الموضوعة أمامه، فوجد كوبا من الشاي، ومسمنا مغربيا لا يزال ساخنا، إلى جانب كوب ماء ووردة صغيرة زينت المائدة.ابتسم وهو يتأمل ما أمامه، ثم رفع بصره إليها وقال:"هل أنت من أعددت كل هذا؟"أومأت برأسها وهي تبتسم.قال بحنان:"ولماذا أتعبت نفسك يا حياتي؟ تسنيم موجودة، كان بإمكانك أن تطلبي منها."تبدلت ملامح هاجر، وخفضت رأسها قليلا وهي تقول بخجل:"كنت أريدك أن تتذوق شيئا من صنعي."ثم رفعت عينيها إليه بتردد وسألته:"ألم يعجبك؟"ضحك محمد من براءتها وتعابيرها الطفولية، ثم أمسك يدها وقال:"كل ما يأتي منك عسل يا عسل. حتى لو قدمت لي خبزا يابسا، فسأراه أشهى طعام."ثم قبل يدها برفق، وقال مبتسما:"محظوظ ذلك الصغير الذي ستصبحين أمه."وضعت هاجر يدها على بطنها بحنان وهمست:"ابننا."ابتسم محمد وقال:"وما أدراك أنه ولد يا هاجر؟ ربما تكون بنتا."هزت رأسها بثقة وقالت:"لا أشعر أنه ولد. ألم نتفق أن يكون أول أطفالنا ولدا؟"ضحك وهو يربت على يدها وقال:"ك
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بنات 🌸 وصلت بهذا الجزء من الرواية، وحابة أعرف رأيكم بكل صراحة. هل شدتكم الأحداث؟ وهل الشخصيات قدرت توصلكم إحساسها؟ تشجعوني أكمل، ولا في أشياء تحسون إنها تحتاج تعديل أو تطوير؟ رأيكم يهمني جدا، سواء كان مدحاأو نقدا لأنه بيساعدني أقدم رواية أفضل. ❤️
لن أضيعك مرة أخرىكيف غفل عنها؟لم يصدق محمد ما رآه عندما استيقظ.مد يده إلى جواره، فلم يجد هاجر.اعتدل في جلسته بسرعة، وأخذ يجول ببصره في الغرفة، ثم خرج يناديها. منذ عودته إلى مصر لم تكن تخرج من الغرفة إلا برفقته، لذلك لم يخطر بباله يوما أنها قد تحاول الهرب.ازداد اضطرابه عندما اكتشف أن المنزل خال تماما.تشبث بأمل أخير، وظن أنها خرجت مع علياء. أمسك هاتفه واتصل بها على الفور."علياء هاجر عندك، أليس كذلك؟"ساد صمت لثوان قبل أن تجيبه:"لاخرجت أنا وعصمة وحدنا."في تلك اللحظة شعر وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.أغلق الهاتف، وخرج من المنزل كالمجنون، يبحث عنها في كل مكان، يسأل كل من يصادفه إن كان قد رأى فتاة غريبة تمر من هنا.كانت فكرة واحدة تفتك بعقله:إن ضاعت مني هاجر مرة أخرى فلن أسامح نفسي أبدااا.وبينما كان على وشك أن يفقد الأمل، اهتز هاتفه معلنا وصول رسالة من علياء.فتحها بيدين مرتجفتين.كانت صورة لهاجر نائمة أمام باب المنزل.اتصل بعلياء فورا وهو يكاد يختنق من القلق."أين وجدتموها؟"أجابته بهدوء:"عندما عدنا إلى البيت وجدناها نائمة أمام منزل."لم ينتظر محمد أن يسمع المزيد.أغلق الهاتف
قيود الرحمة لم تتذكر هاجر شيئأ مما حدث في ذلك اليوم. كل ما تتذكره أنها استيقظت لتجد نفسها في منزل غريب، وعلمت لاحقا أنه منزل علياء، الأخت الكبرى لمحمد. كانت علياء امرأة صارمة وقاسية. توسلت إليها هاجر مرارا أن تسمح لها بالعودة إلى المغرب، لكنها كانت ترفض في كل مرة. بل إنها في إحدى محاولات الهرب صفعتها بقوة، وحذرتها من تكرار الأمر. كانت هاجر تدرك أن إجازتها قد انتهت، وأن تأخرها عن العمل سيؤدي حتما إلى فصلها. وكانت تعلم أيضا أن العثور على وظيفة أخرى بالمستوى نفسه ليس أمرا سهلا، خاصة وهي ترى كثيرا من الشباب الحاصلين على المؤهلات نفسها ما زالوا يعانون البطالة. لم تكن الوظيفة بالنسبة إليها مجرد عمل، بل كانت مصدر رزق الأسرة. فمنذ تقاعد والدها، لم يعد معاشه البسيط يكفي حتى لتغطية الفواتير الأساسية، كما كانت هي المسؤولة عن مصاريف علاج أختها، وهو عبء لم يكن بإمكان أحد غيرها تحمله. ومع مرور الأيام، بدأت تستسلم للأمر الواقع، فقد أيقنت أن قرار فصلها من العمل قد يكون قد صدر بالفعل. عندها، عادت إليها تلك الأفكار السوداوية التي ظنت يوما أنها تخلصت منها. الأفكار نفسها التي كانت تهمس لها بأن
ملجأ القلبلم يستطع محمد إخفاء سعادته بتعلق هاجر به.فمنذ لحظة وصوله، لم تبتعد عنه ولو للحظة.كانت تمسك بيده أينما ذهب، وحتى أثناء تناول الطعام، بقيت تجلس إلى جواره، وكأنها تخشى أن يغيب عن ناظريها.وكان هذا بالضبط ما يتمناه.أن يصبح هو ملجأها الوحيد، والشخص الذي تلجأ إليه كلما خافت أو انكسرت.نظر إليها وهي تجلس بصمت، وقد زادها الثوب الصعيدي البسيط براءة ورقة، فابتسم دون أن يشعر.ثم نهض عن المائدة وقال:"سأذهب لأرتاح قليلا."قالت علياء:"لقد طلبت من تسنيم أن تجهز لك الغرفة."أجابها بلا مبالاة:"لا داعي."ثم أمسك بيد هاجر لتنهض معه، وقال:"سأنام في غرفتي."نظرت إليه علياء باستغراب، وقالت بحزم:"لكن هاجر تقيم في تلك الغرفة."التفت إليها بثبات، ثم قال:"أعلم فأنا من أسكنها فيها منذ اليوم الأول."ساد الصمت لثوان، بينما كانت علياء تراقب هاجر، التي لم تفلت يد محمد، بل تشبثت بها أكثر، وكأنها تخشى أن يطلب منها أحد الابتعاد عنه.تنهدت علياء في هدوء.لأول مرة منذ أشهر، لم تر في عيني هاجر ذلك الذعر الذي كان يلازمها.كانت ملامحها لا تزال شاحبة، لكنها بدت أكثر هدوءا، وكأن وجود محمد أعاد إليها جزءا







