LOGINلم يبكِ محمود بصوت مرتفع.
لم يصرخ، ولم يغطِّ وجهه بيديه، ولم يحاول أن يخفي دموعه. كل ما فعله أنه ظل واقفًا أمام كريم، ينظر إليه كما لو أنه يراه للمرة الأولى، بينما تنحدر دمعة بطيئة على وجهه الذي أنهكته السنوات. لكن كريم لم يستطع أن يشعر بالشفقة عليه. ليس بعد. قبل دقائق، كان أبوه بالنسبة إليه رجلًا مات منذ سنوات. ثم عاد من الموت، وأخبره أن حياته مبنية على أكاذيب، وأنه ربما دخل غرفة فندق ليقتل الفتاة التي يزعم أنه يحبها، وأن لديه أختًا توأمًا لم يسمع عنها يومًا. أخت. كلمة واحدة كانت كافية لتفتح بابًا جديدًا في ماضٍ لم يعد يتسع لمزيد من الأسرار. رفع كريم الصورة أمام محمود. — إنت عارف مين أختي؟ مسح محمود دموعه، لكنه لم يجب. — أنا بسألك! أختي فين؟ عايشة فين؟ وليه محدش قال لي إنها موجودة؟ اقترب محمود منه، ومد يده نحو كتفه. تراجع كريم. توقفت يد أبيه في الهواء. — ما تلمسنيش. انخفضت يد محمود ببطء. قال كريم، وصوته يزداد حدة: — إنت مش من حقك ترجع بعد كل السنين دي، وتطلب مني أصدقك. إنت سبتني وأنا عندي سبع سنين. كنت بستناك كل عيد، وكل عيد ميلاد، وكل مرة أسمع فيها صوت عربية تقف تحت البيت. أمي كانت بتقول لي إنك مش هترجع، وأنا كنت فاكر إنها بتكرهك. توقف قليلًا، محاولًا السيطرة على صوته. — طلعت إنتوا الاتنين بتخبوا عني الحقيقة. أغمض محمود عينيه. — عندك حق. لم يتوقع كريم هذه الإجابة. كان ينتظر تبريرًا، أو حكاية عن التضحية والخطر، أو حتى كذبة جديدة. لكنه لم يتوقع أن يعترف أبوه ببساطة بأنه مخطئ. قال محمود: — أنا ما جيتش أطلب منك تسامحني. أنا جيت عشان الوقت خلص. نظر فؤاد إلى ساعته، ثم قال بسخرية: — نفس الكلام اللي كنت بتقوله من تسع سنين. الوقت بيخلص، والناس بتموت، وإنت لسه فاكر إنك تقدر تنقذ الكل. التفت إليه محمود. — وإنت لسه فاكر إنك تقدر تتحكم في الكل. ابتسم فؤاد. — على الأقل، أنا ما هربتش. — لأ. إنت فضلت طول عمرك مستخبي ورا فلوسك وأسماء الناس اللي اشتريتها. اختفت الابتسامة عن وجه فؤاد. تدخل عادل: — كفاية. إحنا محتاجين نخرج من هنا. لكن محمود هز رأسه. — مش قبل ما كريم يعرف أول حقيقة. نظر إلى ابنه. — أختك اسمها مريم. جلس كريم على الكرسي الخشبي، وكأن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله. أخرج محمود صورة صغيرة من جيبه الداخلي. كانت قديمة، مطوية من المنتصف، وحوافها مهترئة من كثرة ما لامستها الأصابع. في الصورة، كانت هناك امرأة شابة تجلس على سرير مستشفى، وتحمل طفلين حديثَي الولادة. إلى جوارها رجل يقف مبتسمًا. محمود. أما المرأة، فكانت نادية. لم يكن كريم قد رأى صورة لأمه بهذه الملامح من قبل. كانت أصغر بكثير، وشعرها منسدل على كتفيها، وابتسامتها تحمل فرحة خالصة لم يرها على وجهها منذ سنوات. في حضنها طفلان. أحدهما ملفوف بغطاء أزرق. والآخر بغطاء أبيض. على ظهر الصورة، كُتبت عبارة بخط نادية: «كريم ومريم. يومنا الأول معًا.» مرر كريم إصبعه فوق الاسمين. — يعني أنا ومريم اتولدنا في نفس اليوم؟ أومأ محمود. — أيوه. إنتوا توأم. — وكنت عارف إنها عايشة؟ صمت محمود قليلًا. — آخر مرة شفتها فيها، كانت عندها سبع سنين. رفع كريم رأسه بسرعة. — سبع سنين؟ يعني إنت كنت عارف مكانها طول الوقت؟ — لأ. أنا شفتها في اليوم اللي اختفت فيه. — اختفت إزاي؟ نظر محمود إلى الصورة. — في الليلة اللي اتولدتوا فيها، حصلت مشكلة في المستشفى. مش هقدر أحكيلك كل حاجة دلوقتي، لأن فيه تفاصيل لسه مش متأكد منها. لكن اللي أعرفه إن مريم اتسجلت باسم مختلف، وبعدها اتنقلت من المستشفى بموافقة شخص كان عنده صلاحية يغيّر السجلات. نظر إلى عادل. — عادل. خفض عادل رأسه. قال محمود: — في البداية، كنت فاكر إن عادل أخد مريم. لكن بعد سنين، اكتشفت إن الطفلة اللي ربّاها ما كانتش مريم. شهقت سلمى. — تقصد إني أنا... لم يكمل محمود كلامه. لكن عادل قال بصوت خافت: — أنا ما كنتش أعرف. التفتت إليه سلمى. — إنت قلت لي إنك ما كنتش تعرف مين أنا. لكن دلوقتي بتقول إنك أخدت طفلة من المستشفى، وإنك ما كنتش عارف هي مين! — أنا استلمت طفلة بورق رسمي، يا سلمى. كان مكتوب فيه إنها بنتي. كنت مقتنع إن كل حاجة قانونية. — ومين سلّمك الورق؟ نظر عادل إلى فؤاد. لم يحتج أحد إلى إجابة. اقتربت سلمى من عادل، وعيناها تمتلئان بالغضب. — طول عمري كنت فاكرة إن عندي أب بيحميني من العالم. دلوقتي مش عارفة إذا كنت أنا أصلًا البنت اللي المفروض تعيش حياتك. قال عادل: — إنتِ بنتي يا سلمى. هزت رأسها. — مش عايزة إجابة عاطفية. عايزة إجابة حقيقية. لم يجد ما يقوله. أما كريم، فكان يحدق في صورة مريم. كان يحاول تخيل وجهها الآن. هل تشبهه؟ هل لديها الشعر المجعد نفسه؟ هل تضحك بالطريقة التي كان يضحك بها وهو صغير؟ هل عاشت طوال السنوات الماضية وهي تعرف أن لها أخًا؟ أم أنها كانت تبحث عنه أيضًا؟ رفع عينيه إلى محمود. — إنت قلت إنك شفتها لما كان عندها سبع سنين. حصل إيه يومها؟ أجاب محمود: — شفتها في مكان قريب من بيتنا القديم. كانت مع رجل، ولما حاولت أقرب منها، هددني إنه هيقتلها لو نطقت باسمها الحقيقي. — مين الرجل؟ نظر محمود إلى فؤاد. لكن فؤاد لم ينكر. قال بهدوء: — أنا. (ثمن الصمت) : لم يتحرك كريم. كان يتوقع أن ينكر فؤاد، أو يضحك، أو يحاول تحويل الاتهام إلى شخص آخر. لكن الرجل وقف أمامه بثبات، كأنه يعترف بأمر بسيط. قال كريم: — إنت أخدت أختي؟ — أنا ما خطفتش حد. — محمود بيقول إنه شافك معاها! — وأنا بقول لك إنك مش فاهم اللي حصل. اقترب كريم منه. — طب فهمني. أجاب فؤاد: — في ذلك الوقت، كانت مريم في خطر. محمود كان بيحاول ياخدها من ناس أخطر مني. وأنا نقلتها إلى مكان آمن. ضحك كريم بمرارة. — مكان آمن؟ إنت أخفيتها عن أهلها تسع سنين؟ — كنت بحميها. — كل واحد فيكم بيستخدم نفس الكلمة! ضرب كريم بيده على المكتب، فسقطت الصورة القديمة على الأرض. — أمي بتحميني بالكذب. عادل بيحمي سلمى بتغيير الأوراق. وإنت بتحمي أختي بخطفها. ومحمود بيحميني بالاختفاء! هو مفيش حد فيكم يعرف يحمي حد من غير ما يدمّر حياته؟! ساد الصمت. لم يجد أي منهم إجابة. ثم قال كريم: — أنا عايز أعرف مكان مريم. رد فؤاد: — لو عرفته، هتروح لها؟ — طبعًا. — حتى لو ده هيعرضها للخطر؟ — هي أختي. — إنت ما تعرفهاش. اقترب كريم منه أكثر. — بس هي تعرفني؟ هل تعرف إن ليها أخ؟ للمرة الأولى، لم يجب فؤاد فورًا. ثم قال: — لأ. شعر كريم بشيء ينكسر في صدره. — إنت خليتها تعيش كل السنين دي وهي فاكرة إنها لوحدها؟ قال فؤاد: — أحيانًا، الجهل هو الحاجة الوحيدة اللي بتحمي الناس. رد محمود بغضب: — لأ. أحيانًا الجهل بيخلّي الناس سهلة السيطرة. التفت فؤاد إليه. — إنت آخر واحد يحق له يتكلم عن السيطرة يا محمود. ثم أخرج ورقة مطوية من جيب بدلته، ووضعها أمام كريم. — عايز تعرف مكان مريم؟ اتفضل. فتح كريم الورقة. كانت تحتوي على عنوان في مدينة الإسكندرية، واسم مكتوب تحته: مريم عادل منصور. وفي أسفل الورقة، تاريخ حديث. قبل ثلاثة أيام فقط. نظر كريم إلى عادل. — مريم عادل منصور؟ بدا عادل مصدومًا. — الاسم ده مش موجود في أي ملف عندي. قال فؤاد: — لأنه اسم جديد. ثم أضاف: — مريم موجودة في الإسكندرية. لكن لو رحت لها، لازم تكون مستعد تسمع منها حاجات ممكن تغيّر كل اللي عرفته النهارده. طوى كريم الورقة ووضعها في جيبه. — أنا رايح لها. قال محمود بسرعة: — لأ. التفت كريم إليه. — مش هتمنعني. — أنا مش بمنعك. أنا بقول لك إن مريم مش الشخص الوحيد اللي محتاج تعرفه. ثم أخرج محمود صورة أخرى من جيبه. كانت الصورة لرجل شاب يقف بجوار سيارة سوداء، وعلى وجهه ابتسامة هادئة. نظر كريم إليها، وشعر بوخزة حادة في رأسه. إنه الرجل الذي رآه في ومضات ذاكرته. سامح. قال محمود: — قبل ما الحادث يحصل، سامح كان معاك في العربية. — إنت قلت إنه كان بيساعدك تهرب. — كان بيساعدني أوصل لك الحقيقة. — ومات؟ لم يجب محمود. قال كريم: — أنا شفت صورته في الفندق. كان ملقى على الأرض وفيه دم. هل هو مات؟ نظر محمود إلى فؤاد. ثم قال: — مش عارف. تدخل فؤاد: — أنا عارف. التفت الجميع إليه. قال فؤاد: — سامح مات في الليلة دي. أغمض محمود عينيه. لكن فؤاد أكمل: — ومات لأنه كان عارف مين اللي كان في الغرفة 307 قبل كريم. نظر كريم إلى الصورة مرة أخرى. ثم رفع رأسه. — مين؟ أجاب فؤاد: — مريم. (الغرفة 307) : شعر كريم بأن قلبه يضرب صدره بعنف. — إنت بتقول إن مريم كانت في الغرفة 307 ليلة الحادث؟— اسمه الحقيقي مش مهم دلوقتي.استدار كريم إليه بعنف.— كل مرة تقولوا لي إن حاجة مش مهمة، بتطلع أهم حاجة في حياتي!رفع فؤاد يده مستسلمًا.— عندك حق. اسمه الحقيقي هو…توقف عندما سمع صوت سيارة تدخل الساحة.أضواء المصابيح اجتاحت الجدار المقابل.الرجل ذو البدلة السوداء تحرك فورًا، ووقف أمام كريم وسلمى.— ورايا. دلوقتي.قال فؤاد بحدة:— إنت بتعمل إيه؟أجابه الرجل:— اللي كان لازم أعمله من أول يوم.ثم أخرج من جيبه بطاقة صغيرة، ورفعها أمام محمود.لم يستطع كريم قراءة كل ما عليها، لكنه لمح شعارًا رسميًا وصورة قديمة.سمع محمود يهمس:— مستحيل…نظر إليه كريم.— إيه؟قال محمود، وكأن الكلمات خرجت رغمًا عنه:— ده مش الراجل اللي كان بيراقبك.ابتعد الرجل عنهم خطوة.— أنا مش جاي أراقبه يا محمود.ثم نظر مباشرة إلى كريم.— أنا جاي أخده.لم ينتظر محمود تفسيرًا.دفع كريم وسلمى ناح
لم يرفع كريم عينيه عن الصورة.امرأة تقف أمام بوابة الجامعة، ترتدي معطفًا أسود، وشعرها الداكن ينسدل على كتفيها. في رقبتها قلادة نصف القمر نفسها التي ترتديها سلمى.لكن وجهها…كان وجهًا آخر.أو بالأحرى، كان وجهًا يشبه وجه سلمى إلى درجة جعلت التمييز بينهما صعبًا، لولا الندبة الصغيرة أسفل الحاجب الأيسر، والنظرة التي بدت مألوفة لكريم دون أن يعرف السبب.كبّر الصورة بأصابعه.خلف المرأة، عند البوابة، كان هناك طالب يحمل حقيبة زرقاء. وعلى الزجاج المجاور لها انعكاس شخص يرتدي بدلة سوداء.الرجل الذي يقف الآن خلف فؤاد.رفع كريم رأسه ببطء.— إنت كنت بتراقبها؟لم يجب الرجل.ابتسم فؤاد ابتسامة متوترة، ثم قال:— مش كل صورة معناها إن صاحبها موجود في المكان فعلًا.رد كريم دون أن يبعد عينيه عنه:— ومش كل واحد بيقول الحقيقة بيكون صادق.تبدلت ملامح فؤاد للحظة.كانت الجملة نفسها تقريبًا التي قالها له من قبل، لكن هذه المرة خرجت من فم كريم كتهديد.تقدم محمود
— أنا عمري ما مسكت مسدس في حياتي.— دي الذاكرة اللي عندك.— وإنت فاكر إنك لو قلتلي أي حاجة، هصدقك؟— لا. أنا عارف إنك مش هتصدقني.اقترب محمود منه، لكن هذه المرة لم يحاول لمسه.أخرج محمود من جيبه وحدة تخزين صغيرة، ووضعها فوق الطاولة.كان عليها ملصق أبيض كُتب عليه الرقم:307 — النسخة الأصلية.قالت سلمى:— منين جبت ده؟— من سامح.— بس فؤاد قال إن سامح مات في الفندق.— فؤاد قال حاجات كتير.— إنت بتقول إنه كذاب؟— أنا بقول إن فؤاد عمره ما احتاج يكذب في كل الجملة. كان يكفيه يغيّر كلمة واحدة.أمسك كريم بوحدة التخزين.— التسجيل ده فيه إيه؟— آخر عشر دقائق قبل ما تدخل الغرفة.— وبعد ما دخلت؟تردد محمود.— الجزء ده ناقص.— ليه؟— لأن اللي أخده كان عارف إن العشر دقايق اللي بعدهم أخطر من اللي قبلهم.بحثت سلمى في حقيبتها وأخرجت حاسوبًا صغيرًا كانت تستخدمه في الجامعة. وصلته بوحدة التخزين.ظهرت عدة ملفات على الشاشة، بعضها تالف، وبعضها لا يحمل أسماء.كان هناك ملف واحد فقط يمكن فتحه.CAM_307_23-14.mp4ضغطت سلمى عليه.ظهرت صورة كاميرا مراقبة لممر فندق النخيل. الوقت في زاوية الشاشة كان يشير إلى الحادية
«يبقى هي عرفت إني أنا اللي قتلته.»قال محمود الجملة بهدوء غريب.هدوء رجل لم يعد يخشى أن يُكشف سره، أو رجل تعب من الهرب لدرجة أنه لم يعد يهتم بما سيحدث بعد ذلك.أما كريم، فظل ينظر إليه كأنه يسمع صوتًا صادرًا من شخص آخر.لم يتحرك.لم يصرخ.حتى أنفاسه بدت وكأنها توقفت للحظة.ثم قال بصوت منخفض:— قتلت مين يا محمود؟رفع محمود عينيه إليه.— مش كل سؤال ليه إجابة تقدر تستحملها.اقترب كريم منه خطوة.— أنا مش بسألك إذا كنت أقدر أستحملها. أنا بسألك قتلت مين؟تدخلت سلمى، التي كانت تقف بجوار الباب، وعيناها تنتقلان بينهما بقلق.— محمود، الرسالة بتقول إن القاتل هو الشخص اللي رجع مع كريم. إنت رجعت معاه. يعني أمه بتتهمك بقتل أبوه.التفت محمود إليها.— وإنتِ متأكدة إنك فهمتي الرسالة صح؟— أمال أفهمها إزاي؟— زي ما فهمتي كل حاجة تانية من الناس اللي حواليكي؟ زي ما صدقتي إن كريم أبو الطفل اللي في بطنك؟ زي ما صدقتي إن عادل أبوكي؟ ولا زي ما صدقتي إن اسمك سلمى؟تراجعت سلمى خطوة، وكأن كلماته لمست شيئًا كانت تحاول إخفاءه حتى عن نفسها.— إنت مالكش حق تتكلم عن اسمي.— عندك حق. أنا ما بقاش ليا حق في حاجات كتير.ع
(الغرفة 307) : شعر كريم بأن قلبه يضرب صدره بعنف. — إنت بتقول إن مريم كانت في الغرفة 307 ليلة الحادث؟— أيوه. — ليه؟ — لأنها كانت بتحاول تقابل سامح. قال محمود: — ده مش صحيح. التفت فؤاد إليه. — إنت ما كنتش موجود. — كنت موجود قبل ما توصلوا. — لكنك هربت قبل ما تشوف النهاية. صمت محمود. نظر كريم إلى أبيه، ثم إلى فؤاد. — يعني مريم كانت في الفندق، وسامح مات، وأنا دخلت الغرفة بعدها؟ أومأ فؤاد. — ده اللي بيقوله التسجيل. — وكنت أنا اللي قتلته؟ لم يجب فؤاد. لكن صمته كان كافيًا لإشعال الشك. تذكر كريم الصورة التي ظهرت على هاتفه: نفسه داخل الغرفة، والسكين في يده، والدم على قميصه. تذكر الصوت الذي سمعه في المستشفى: «لو خرجت من هنا، هتنسى كل حاجة.» والمكالمة القديمة: «لو عايز أمك تفضل عايشة، لازم تيجي لوحدك.» هل كان قد ذهب إلى الفندق لإنقاذ مريم؟ هل وجد سامح مقتولًا؟ هل أمسك السكين لأنه حاول الدفاع عن نفسه؟ أم أن الحقيقة أسوأ من ذلك؟ قال كريم: — أنا لازم أرجع الفندق. أمسكت سلمى بذراعه. — لأ، مش لوحدك. نظر إليها. — إنتِ ليه مصممة تيجي معايا؟ ترددت. ثم قالت: — لأن في
لم يبكِ محمود بصوت مرتفع.لم يصرخ، ولم يغطِّ وجهه بيديه، ولم يحاول أن يخفي دموعه.كل ما فعله أنه ظل واقفًا أمام كريم، ينظر إليه كما لو أنه يراه للمرة الأولى، بينما تنحدر دمعة بطيئة على وجهه الذي أنهكته السنوات.لكن كريم لم يستطع أن يشعر بالشفقة عليه.ليس بعد.قبل دقائق، كان أبوه بالنسبة إليه رجلًا مات منذ سنوات. ثم عاد من الموت، وأخبره أن حياته مبنية على أكاذيب، وأنه ربما دخل غرفة فندق ليقتل الفتاة التي يزعم أنه يحبها، وأن لديه أختًا توأمًا لم يسمع عنها يومًا.أخت.كلمة واحدة كانت كافية لتفتح بابًا جديدًا في ماضٍ لم يعد يتسع لمزيد من الأسرار.رفع كريم الصورة أمام محمود.— إنت عارف مين أختي؟مسح محمود دموعه، لكنه لم يجب.— أنا بسألك! أختي فين؟ عايشة فين؟ وليه محدش قال لي إنها موجودة؟اقترب محمود منه، ومد يده نحو كتفه.تراجع كريم.توقفت يد أبيه في الهواء.— ما تلمسنيش.انخفضت يد محمود ببطء.قال كريم، وصوته يزداد حدة:— إنت مش من حقك ترجع بعد كل السنين دي، وتطلب مني أصدقك. إنت سبتني وأنا عندي سبع سنين. كنت بستناك كل عيد، وكل عيد ميلاد، وكل مرة أسمع فيها صوت عربية تقف تحت البيت. أمي كانت