LOGIN
في تمام الساعة الثامنة وسبع دقائق صباحًا، كان كريم يجلس في آخر مقعد داخل قاعة المحاضرات، يحاول إصلاح طرف حذائه الممزق باستخدام قطعة صغيرة من الشريط اللاصق.
لم يكن أحد ينظر إليه.
وهذا بالضبط ما اعتاده طوال سنوات الجامعة.
بالنسبة إلى زملائه، كان مجرد شاب فقير يرتدي القميص نفسه أكثر من مرة في الأسبوع، يحمل حقيبة قديمة، ويغادر الجامعة مسرعًا قبل أن يدعوه أحد إلى تناول الطعام معه.
لكنهم جميعًا كانوا يعرفون اسمه.
كريم عبد الرحمن.
الأول على دفعته، وصاحب أعلى الدرجات التي حققها أحد طلاب كليته منذ سنوات.
كان اسمه يُذكر في كل مرة يتحدث فيها الأساتذة عن التفوق، لكنه لم يكن يُذكر أبدًا عندما يخطط الطلاب لرحلاتهم أو حفلاتهم أو سهراتهم.
لم يكن يملك المال ليشاركهم حياتهم، ولم يكن مستعدًا لأن يشفق عليه أحد.
لذلك اختار أن يصمت.
رن هاتفه القديم فوق الطاولة.
رسالة من والدته:
«صباح الخير يا حبيبي. متنساش تفطر، وأنا الحمد لله كويسة. متقلقش عليّا.»
ابتسم كريم بحزن.
كان يعرف أنها تكذب.
فمنذ ثلاثة أيام، لم يكن في المنزل ما يكفي من الطعام، وكانت أمه تصر على أنها تناولت وجبتها قبله.
كتب لها:
«حاضر يا أمي، أنا فطرت. بحبك.»
ثم أغلق الهاتف، وعاد إلى كتابه.
لم يكن قد تناول شيئًا منذ الليلة الماضية.
لكن ذلك لم يكن مهمًا الآن. بعد أسبوعين ستُعلن نتائج المنحة الدراسية التي ينتظرها، وإذا حصل عليها، فربما يستطيع أخيرًا أن يجد عملًا أفضل، وأن ينقل أمه من الشقة الضيقة التي قضت عمرها تدفع إيجارها.
كان يحتاج إلى فرصة واحدة فقط.
فرصة واحدة، لا أكثر.
وفجأة، ساد الصمت داخل القاعة.
رفع كريم رأسه.
كانت سلمى منصور تقف عند الباب.
لم تكن أجمل فتاة في الجامعة فحسب؛ كانت الفتاة التي يعرف الجميع اسم عائلتها قبل أن يعرفوا اسمها. ابنة رجل أعمال يمتلك شركات ومستشفيات وفنادق، وفتاة اعتاد الطلاب رؤيتها محاطة بزميلاتها، بينما ينتظر عشرات الشباب فرصة للحديث معها.
لكنها لم تنظر إلى أحد منهم.
كانت تبحث عن شخص واحد.
وحين التقت عيناها بعيني كريم، تغيّر وجهها.
اختفت ابتسامتها.
وسارت نحوه.
توقفت أمام مقعده، وسط عشرات النظرات المندهشة.
قالت بصوت خافت:
— كريم عبد الرحمن؟
أغلق كتابه ببطء.
— أيوه، خير؟
نظرت خلفها، ثم عادت تنظر إليه.
كانت أصابعها ترتجف.
— ممكن نتكلم شوية؟ لوحدنا؟
رفع حاجبيه بدهشة.
— أنا وإنتِ؟
لم تجبه.
أخرجت من حقيبتها ظرفًا أبيض صغيرًا، ووضعته أمامه على الطاولة.
ثم قالت:
— افتحه لما تكون لوحدك. ومهما حصل، متوريش الورقة دي لأي حد.
وقبل أن يتمكن من سؤالها عن السبب، استدارت وغادرت القاعة.
ظل كريم ينظر إلى الظرف.
لم يكن يعرف سلمى شخصيًا. لم يتحدث إليها من قبل، ولم تجمعهما محاضرة مشتركة حتى.
فلماذا اختارته من بين كل طلاب الجامعة؟
ولماذا كانت تبدو وكأنها تخشاه؟
انتظر حتى انتهت المحاضرة، ثم خرج إلى الساحة الخلفية للجامعة، حيث لا يجلس أحد عادةً في هذا الوقت.
فتح الظرف.
كانت بداخله صورة صغيرة، وتقرير طبي، وورقة كُتب عليها اسمه بخط مرتجف.
نظر إلى الصورة أولًا.
كانت سلمى تقف أمام مرآة، ترتدي ملابس عادية، وتضع يدها على بطنها.
في أسفل الصورة تاريخ يعود إلى ثلاثة أسابيع مضت.
ثم انتقل إلى التقرير الطبي.
قرأ السطر الأول.
ثم الثاني.
وتوقفت عيناه عند كلمة واحدة.
حامل.
شعر بأن الهواء قد اختفى من حوله.
عاد إلى قراءة الاسم المكتوب في التقرير.
سلمى منصور.
أما الورقة الصغيرة، فلم تحمل سوى جملة واحدة:
«الطفل ده ابنك يا كريم.»
ضحك ضحكة قصيرة مرتبكة.
لا، هذا مستحيل.
لا يمكن أن تكون هناك علاقة بينه وبين هذه الفتاة. لم يخرجا معًا، ولم يتحدثا حتى عبر الهاتف.
كان متأكدًا من ذلك.
متأكدًا تمامًا.
إلى أن قلب الصورة.
كان هناك شيء مكتوب على ظهرها.
تاريخ.
ومكان.
فندق النخيل — الغرفة 307.
وتحتهما، بخط لم يستطع إنكار أنه يشبه خطه:
«لو نسيت الليلة دي، متصدقش أي حد يقولك الحقيقة.»
سقطت الصورة من يده.
لأنه تذكّر الفندق.
لم يتذكر الغرفة، ولا كيف وصل إليها، ولا ما حدث في تلك الليلة.
لكنه تذكّر شيئًا واحدًا.
قبل ثلاثة أشهر، استيقظ في المستشفى بعد حادث سيارة غامض، وأخبره الطبيب أن بعض تفاصيل الساعات التي سبقت الحادث قد لا تعود إلى ذاكرته.
ولم يكن قد أخبر أحدًا قط بأنه، قبل الحادث بساعات، تلقّى اتصالًا من رقم مجهول.
اتصال استمر إحدى عشرة ثانية فقط.
وكان الصوت الذي سمعه حينها يقول:
«لو عايز أمك تفضل عايشة، لازم تيجي لوحدك.»
رن هاتف كريم فجأة.
رقم مجهول.
أجاب، ولم يتكلم.
جاءه صوت رجل هادئ من الطرف الآخر:
— أخيرًا فتحت الظرف يا كريم.
تجمّد مكانه.
— إنت مين؟
صمت الرجل لثانيتين، ثم قال:
— أنا الشخص اللي أنقذك من اللي حصل في الغرفة 307.
ابتلع كريم ريقه.
— إيه اللي حصل هناك؟
جاءه الرد ببرود:
— السؤال الصح مش إيه اللي حصل يا كريم…
توقف الرجل قليلًا.
ثم أكمل:
— السؤال هو: مين اللي خلاك تنسى؟
وانقطع الاتصال.
ظل كريم واقفًا في مكانه، والهاتف ملتصق بأذنه.
وفي اللحظة نفسها، وصلته رسالة جديدة من سلمى:
«متروحش بيتك النهارده. أبويا عرف إني كلمتك.»
ثم رسالة أخرى، بعد ثوانٍ:
«وهو مش عايزك تعرف إن الطفل ابنك.»
رفع كريم رأسه ببطء.
كان هناك رجل يقف عند البوابة الخلفية للجامعة، يرتدي بدلة سوداء، وينظر إليه مباشرة.
وحين لاحظ أن كريم رآه، أخرج هاتفه.
رن هاتف كريم للمرة الثالثة.
رسالة من الرقم المجهول:
«اجري.»
وللمرة الأولى في حياته، لم يعرف كريم إن كان عليه أن يهرب من الرجل الذي يراقبه…
أم من الحقيقة التي بدأت تستيقظ داخل رأسه.
— أنا عمري ما مسكت مسدس في حياتي.— دي الذاكرة اللي عندك.— وإنت فاكر إنك لو قلتلي أي حاجة، هصدقك؟— لا. أنا عارف إنك مش هتصدقني.اقترب محمود منه، لكن هذه المرة لم يحاول لمسه.أخرج محمود من جيبه وحدة تخزين صغيرة، ووضعها فوق الطاولة.كان عليها ملصق أبيض كُتب عليه الرقم:307 — النسخة الأصلية.قالت سلمى:— منين جبت ده؟— من سامح.— بس فؤاد قال إن سامح مات في الفندق.— فؤاد قال حاجات كتير.— إنت بتقول إنه كذاب؟— أنا بقول إن فؤاد عمره ما احتاج يكذب في كل الجملة. كان يكفيه يغيّر كلمة واحدة.أمسك كريم بوحدة التخزين.— التسجيل ده فيه إيه؟— آخر عشر دقائق قبل ما تدخل الغرفة.— وبعد ما دخلت؟تردد محمود.— الجزء ده ناقص.— ليه؟— لأن اللي أخده كان عارف إن العشر دقايق اللي بعدهم أخطر من اللي قبلهم.بحثت سلمى في حقيبتها وأخرجت حاسوبًا صغيرًا كانت تستخدمه في الجامعة. وصلته بوحدة التخزين.ظهرت عدة ملفات على الشاشة، بعضها تالف، وبعضها لا يحمل أسماء.كان هناك ملف واحد فقط يمكن فتحه.CAM_307_23-14.mp4ضغطت سلمى عليه.ظهرت صورة كاميرا مراقبة لممر فندق النخيل. الوقت في زاوية الشاشة كان يشير إلى الحادية
«يبقى هي عرفت إني أنا اللي قتلته.»قال محمود الجملة بهدوء غريب.هدوء رجل لم يعد يخشى أن يُكشف سره، أو رجل تعب من الهرب لدرجة أنه لم يعد يهتم بما سيحدث بعد ذلك.أما كريم، فظل ينظر إليه كأنه يسمع صوتًا صادرًا من شخص آخر.لم يتحرك.لم يصرخ.حتى أنفاسه بدت وكأنها توقفت للحظة.ثم قال بصوت منخفض:— قتلت مين يا محمود؟رفع محمود عينيه إليه.— مش كل سؤال ليه إجابة تقدر تستحملها.اقترب كريم منه خطوة.— أنا مش بسألك إذا كنت أقدر أستحملها. أنا بسألك قتلت مين؟تدخلت سلمى، التي كانت تقف بجوار الباب، وعيناها تنتقلان بينهما بقلق.— محمود، الرسالة بتقول إن القاتل هو الشخص اللي رجع مع كريم. إنت رجعت معاه. يعني أمه بتتهمك بقتل أبوه.التفت محمود إليها.— وإنتِ متأكدة إنك فهمتي الرسالة صح؟— أمال أفهمها إزاي؟— زي ما فهمتي كل حاجة تانية من الناس اللي حواليكي؟ زي ما صدقتي إن كريم أبو الطفل اللي في بطنك؟ زي ما صدقتي إن عادل أبوكي؟ ولا زي ما صدقتي إن اسمك سلمى؟تراجعت سلمى خطوة، وكأن كلماته لمست شيئًا كانت تحاول إخفاءه حتى عن نفسها.— إنت مالكش حق تتكلم عن اسمي.— عندك حق. أنا ما بقاش ليا حق في حاجات كتير.ع
(الغرفة 307) : شعر كريم بأن قلبه يضرب صدره بعنف. — إنت بتقول إن مريم كانت في الغرفة 307 ليلة الحادث؟— أيوه. — ليه؟ — لأنها كانت بتحاول تقابل سامح. قال محمود: — ده مش صحيح. التفت فؤاد إليه. — إنت ما كنتش موجود. — كنت موجود قبل ما توصلوا. — لكنك هربت قبل ما تشوف النهاية. صمت محمود. نظر كريم إلى أبيه، ثم إلى فؤاد. — يعني مريم كانت في الفندق، وسامح مات، وأنا دخلت الغرفة بعدها؟ أومأ فؤاد. — ده اللي بيقوله التسجيل. — وكنت أنا اللي قتلته؟ لم يجب فؤاد. لكن صمته كان كافيًا لإشعال الشك. تذكر كريم الصورة التي ظهرت على هاتفه: نفسه داخل الغرفة، والسكين في يده، والدم على قميصه. تذكر الصوت الذي سمعه في المستشفى: «لو خرجت من هنا، هتنسى كل حاجة.» والمكالمة القديمة: «لو عايز أمك تفضل عايشة، لازم تيجي لوحدك.» هل كان قد ذهب إلى الفندق لإنقاذ مريم؟ هل وجد سامح مقتولًا؟ هل أمسك السكين لأنه حاول الدفاع عن نفسه؟ أم أن الحقيقة أسوأ من ذلك؟ قال كريم: — أنا لازم أرجع الفندق. أمسكت سلمى بذراعه. — لأ، مش لوحدك. نظر إليها. — إنتِ ليه مصممة تيجي معايا؟ ترددت. ثم قالت: — لأن في
لم يبكِ محمود بصوت مرتفع.لم يصرخ، ولم يغطِّ وجهه بيديه، ولم يحاول أن يخفي دموعه.كل ما فعله أنه ظل واقفًا أمام كريم، ينظر إليه كما لو أنه يراه للمرة الأولى، بينما تنحدر دمعة بطيئة على وجهه الذي أنهكته السنوات.لكن كريم لم يستطع أن يشعر بالشفقة عليه.ليس بعد.قبل دقائق، كان أبوه بالنسبة إليه رجلًا مات منذ سنوات. ثم عاد من الموت، وأخبره أن حياته مبنية على أكاذيب، وأنه ربما دخل غرفة فندق ليقتل الفتاة التي يزعم أنه يحبها، وأن لديه أختًا توأمًا لم يسمع عنها يومًا.أخت.كلمة واحدة كانت كافية لتفتح بابًا جديدًا في ماضٍ لم يعد يتسع لمزيد من الأسرار.رفع كريم الصورة أمام محمود.— إنت عارف مين أختي؟مسح محمود دموعه، لكنه لم يجب.— أنا بسألك! أختي فين؟ عايشة فين؟ وليه محدش قال لي إنها موجودة؟اقترب محمود منه، ومد يده نحو كتفه.تراجع كريم.توقفت يد أبيه في الهواء.— ما تلمسنيش.انخفضت يد محمود ببطء.قال كريم، وصوته يزداد حدة:— إنت مش من حقك ترجع بعد كل السنين دي، وتطلب مني أصدقك. إنت سبتني وأنا عندي سبع سنين. كنت بستناك كل عيد، وكل عيد ميلاد، وكل مرة أسمع فيها صوت عربية تقف تحت البيت. أمي كانت
«أنا أبوك الحقيقي.»لم تكن الجملة مجرد كلمات قالها رجل غريب. كانت أشبه بحكم صدر على حياة كريم كلها، حكم يعيد كتابة طفولته، واسم عائلته، وكل ذكرى ظن أنها تخصه وحده.وقف فؤاد الشاذلي عند باب غرفة الأرشيف، مستندًا إلى عصاه السوداء. كان شعره رماديًا مرتبًا بعناية، وبدلته خالية من أي تجعيدة، وعلى وجهه ابتسامة هادئة لا تناسب الكلمات التي نطق بها.أما عادل منصور، فكان يحدق فيه كما لو أنه رأى رجلًا خرج لتوه من قبره.قال عادل بصوت خافت:— إنت...ابتسم فؤاد.— أيوه يا عادل. أنا.— إنت ميت.— دي مشكلة الناس اللي بتصدق الأوراق أكتر من عينيها.تراجع عادل خطوة.— أنا حضرت جنازتك.— حضرت جنازة شخص تاني.ساد الصمت.شعر كريم أن الرجلين يتحدثان بلغة لا يفهمها أحد غيرهما، لغة صُنعت من أسرار قديمة وجرائم لم تُكشف.رفع كريم هاتفه، وأراه صورة الرجل الملقى على أرضية الفندق.— مين ده؟نظر فؤاد إلى الشاشة.للحظة واحدة، اختفت ابتسامته.كانت لحظة قصيرة جدًا، لكنها لم تفلت من كريم.قال فؤاد:— منين جبت الصورة دي؟— جاوبني الأول.أعاد فؤاد نظره إليه، ثم قال:— محمود.شعر كريم أن الأرض انسحبت من تحت قدميه.— أبويا
لم يتحرك أحد.ظل هاتف سلمى ملتصقًا بأذنها، رغم أن المكالمة انتهت منذ ثوانٍ. كانت تحدق في الشاشة وكأنها تنتظر أن تعود أمها إلى الحياة من خلالها.أما كريم، فكان ينظر إلى عادل منصور.قبل دقائق، كان هذا الرجل بالنسبة إليه مجرد اسم على شهادة ميلاد قديمة. والآن، يقف أمامه ويعترف بأنه كان موجودًا في ليلة الحادث، ويحمل سرًّا قد يفسر اختفاء محمود، وحمل سلمى، والذاكرة التي اختفت من عقل كريم.لكن شيئًا واحدًا لم يستطع كريم تجاهله.عادل منصور كان خائفًا.والرجل الذي يملك كل هذا النفوذ لا يخاف بسهولة.قال كريم:— مين اللي كان بيكلم سلمى؟لم يرد عادل.— أنا بسألك!رفع عادل عينيه إليه.— لو عايز تخرج من المكان ده عايش، اسمع كلامي وما تسألش أسئلة ملهاش إجابة دلوقتي.ضحك كريم بمرارة.— غريبة. كل واحد فيكم بيقول لي نفس الكلام. أمي عايزاني أعيش، وإنت عايزني أعيش، وسلمى خايفة عليّا. طب ما حد فيكم يقول لي الحقيقة بدل ما يفضل يقرر أنا أقدر أعرف إيه وما أقدرش أعرف إيه!اقترب عادل خطوة.— الحقيقة مش دايمًا بتنقذ الناس يا كريم.— والكذب بينقذهم؟لم يجب عادل.فجأة، سمعوا صوت محرك سيارة في الخارج.تغير وجه عادل