أخذت نوال نفسًا عميقًا في المقابل، تناول هو كراسة وقلمًا، مستعدًا لالتقاط كل ما سيقوله هذا الصمت الثقيل قبل الكلمات أخذت نوال نفسًا عميقًا، كأنها تحاول أن تملأ بالونًا بالهواء حتى حافته، ثم تتركه ينفجر دفعة واحدة ، كان صدرها يرتفع ببطء، وعيناها لا تستقران على شيء ثم قالت: " منذ جنازة طليقي... وأنا في دوامة لا أفهمها، أيها الطبيب " ، رفع الطبيب نظره إليها مباشرة، دون أن يكتب هذه المرة: "وكيف توفّي طليقك يا تُرى؟" أجابت بهدوءٍ مضطرب، كأنها تلتقط الكلمات من مكان بعيد: "لا أذكر... لكنه الآن حي ، وهو زوجي."
"سأُصفّي دماءهم جميعًا... حتى يرتوي قبرك "
الفصل الاول
قبر ودم
كان واقفًا عند قبرٍ مجاور،عيناه لا تنظر الى ما حوله ، ولا إلى النعش… بل إلى اسمٍ محفورٍ في الحجر، كأنه جرحٌ مفتوح اب ان يبرأ ، بدا وجهه شاحبًا جدًا، ونظره شاخصا ، ضيّقت عيني أحاول أن أرى ما الذي كان يخرجه من معطفه... رأيته ينحني قليلًا تابعته بصمت ثم رأيته يُخرج شيئًا من معطفه وللحظة ظننتها قنينة ماء...لكن الرائحة وصلت قبلي إلى الحقيقة
اللون الأحمر ، وتلك الكثافة الثقيلة!!! لم تترك مجالًا للشك كان دمًا……
•••
أوراق الأشجار تتحرّك ببطء، متناغمةً مع الرياح الباردة ، السماء ملبّدة بالغيوم الرمادية، تنذر ببكاء الغيوم صفعت تلك الرياح وجهه وأنا شاردة النظر وضائع العقل احدث بنفس بعجب غريبٌ جدًا...لم أكن أعلم أن الموت يمكن أن يكون صامتًا إلى هذا الحد ولم أتخيّل يومًا أن الميت يبدو... يبدو كما النائم، لكن …نومًا بلا يقظة ، ما زالت صورته عالقة أمام عيني، وما زالت ابتسامته لم تفارق ذهني، لكن كل شيء بدا متلاشيًا حين لفّوه بالكفن الأبيض.
بدا كطفلٍ في اللفة...لكن الفرق أن هذا خرج إلى الدنيا، وذاك خرج منها وضعوه في التابوت... ببرود ثم أنزلوه ببطء إلى القبر،إلى تلك الحفرة الضيقة،إلى ذلك الظلام الدامس ، ثم مضت ..مضت الجنازة كما تمضي كل الجنازات: وجوه شاحبة، دعوات محفوظة، وبكاء لا يصل إلى القلب ، التراب يُهال فوق القبر، وكأن الأرض تؤدي واجبًا اعتادته ، كان قلبي مبتلًا، لكن عيني أبت أن تفيض وفي لحظة ودون وعي، تحرّكت عيناي... فاذا بها تقع عليه ، كان جالسًا هناك لكنّه... لم يكن جزءًا من المشهد فبعد انتهاء الدفن، وبعد أن خفَّت أصوات العزاء،كان لا يزال هناك لم يكن بعيدًا جدًا، بدت صورة واضحة لي وأنا أقف عند قبر زوجي تحرّكت لا إراديًا، واقتربت خطواتي.
كان واقفًا عند قبرٍ مجاور،عيناه لا تنظر الى ما حوله ، ولا إلى النعش… بل إلى اسمٍ محفورٍ في الحجر، كأنه جرحٌ مفتوح اب ان يبرأ ، بدا وجهه شاحبًا جدًا، ونظره شاخصا ، ضيّقت عيني أحاول أن أرى ما الذي كان يخرجه من معطفه... رأيته ينحني قليلًا تابعته بصمت ثم رأيته يُخرج شيئًا من معطفه وللحظة ظننتها قنينة ماء...لكن الرائحة وصلت قبلي إلى الحقيقة
اللون الأحمر ، وتلك الكثافة الثقيلة!!! لم تترك مجالًا للشك كان دمًا……
دمٌ طازج، داكن، ينساب ببطء فوق التراب، حتى تشبّعت به الحروف المحفورة على القبر كان يتسلّل فوق الأرض...لكن بدا وكأنها ترفض أن تتشرّبه أمّا هو... فلم يرتجف،لم يتردّد،ولم يرمش حتى بدا كأنه تمثالٌ بلا روح كان يفعل ذلك بخشوعٍ مرعب،كأنه يؤدي صلاةً سرّية لا يعرفها سواه وكان ذلك وحده كافيًا ليرسل قشعريرة باردة إلى جسدي تقدّمتُ خطوة رغم ارتجاف ركبتيّ، ثم رأيت شفتيه تتحرّكان...كان يهمس ، همسٌ خافت، بالكاد يُسمع...لكنه اخترقني كالسهم "سأُصفّي دماءهم جميعًا... حتى يرتوي قبرك "
حينها فقط أدركت: هذا الرجل لا يودّع ميتًا...إنه يعقد وعدًا
ووعده... لم يكن للحياة ، وما إن وقع ذلك على أذني، حتى تجمّدتُ في مكاني للحظات ابتلعتُ غصّتي، وشعرت بأن أطرافي قد بردت على نحوٍ مرعب ، تحرّكتُ بسرعة عبر المقابر المتراصّة،أواصل سيري دون أن ألتفت ، خرجت من أسوار المقبرة، واتجهت مسرعةً إلى سيارتي جلست خلف المقود لدقائق،أحاول استيعاب ما رأيت.
كانت الأسئلة تتزاحم في رأسي: هل كان ذلك حقيقيًا؟
ما الذي رأيته قبل دقائق؟لم أجد إجابة، فأدرتُ المحرّك وقدتُ سيارتي ، عدتُ إلى البيت... لكن المشهد ظلّ يرافقني
ذلك الرجل... وتلك القنينة الممتلئة بذلك السائل الثقيل...
من... من الذي يبلّل قبرًا بالدم؟ تأملتُ المبنى الهائل أمامي، ذلك المبنى الذي يتوسّط المدينة كم مرّة دخلته دون أن أراه حقًا؟ اليوم بدا لي كأنه يقف في القمّة، يراقبني وأنا أعود مثقلةً بما رأيت.
اتجهتُ إلى الداخل صعدتُ المصعد وضغطتُ الأزرار وصولًا إلى الطابق الذي أسكنه ، حيّاني بعض الناس، وكنت بالكاد أردّ التحية بابتسامةٍ خفيفة لا تصل إلى عيني ، دخلتُ شقّتي أغلقتُ الباب خلفي بهدوء... وكأن أي صوتٍ زائد قد يعيد فتح القبر الذي تركته هناك.
ما إن خطوتُ إلى الداخل حتى ركض عالمي الصغير نحوي، أحاط خصري بذراعيه الصغيرتين، ورفع رأسه مبتسمًا وهو يقول بنبرته المعتادة: " مرحبًا أمي " ابتسمتُ بخفوت، مررتُ يدي على شعره الناعم، وأجبته بصوتٍ حاولتُ أن أجعله طبيعيًا: "أهلًا يا ماما"
كفّه الدافئة احاطت بأطرافي الباردة يجرني إلى الداخل
و يحادثني بحماس عن يومه، عن المدرسة، عن أصدقائه، عن أشياء بسيطة... كان يُفترض أن تُنقذني ، كنت أسمعه...لكن عقلي لم يكن معه إطلاقًا ذلك المشهد يصرّ على البقاء...يصرّ على مرافقتي. هل كان ما رأيته جريمة قتل؟ أم طقسًا... صلاةً غريبة لا أفهمها؟ هل كان الدم بشريًا؟ لا... مستحيل ربما كان... دمًا حيوانيًا فقط. تنهدتُ، حين شدّ رامز يدي فجأة انحنيتُ إليه وابتسمت، محاولة أن أبدو حاضرة.
لكنني لم أكن هنا كنتُ قد دفنتُ طليقي، والد طفلي، قبل ساعاتٍ فقط... ذلك الرجل الذي عشتُ معه أجمل سنين العمر، تقاسمنا الحلوة والمرة ، لكن... ومع ذلك، بدا المشهد الذي رأيته في المقبرة أوضح في ذهني من جنازته نفسها كأن جنازته بهتت في ذاكرتي،ً بينما ذلك المشهد... ازداد وضوحًا.
جاء صوت الخادمة من الخلف، ترحب بقدومي فطلبتُ منها أن تجهّز رمز للنوم ، فتعلّق بي أكثر، رافضًا الابتعاد ، حاولتُ تهدئته بالكلام، ثم بالإقناع، ثم بالصبر... دون جدوى أخيرًا أشرتُ لها، فأخذته إلى الداخل وسط احتجاجه ، أخذتُ نفسًا عميقًا ، أنا أعرفه... عنيد، يشبهني كثيراً تأملتُ الفراغ الذي تركه للحظة، قبل أن أنزع سترتي السوداء وألقي بها على الأريكة الجلدية.
كنت أرتدي سوادًا يليق بسواد هذا اليوم،ومع ذلك بدوتُ أنيقة
فأنا... حتى في الجنازات، أحرص أن أبدو مهندمة ، تمدّدتُ على الأريكة، والمشكلات تضرب رأسي بلا رحمة.
اسمي نوال الخوري ، سبعة وثلاثون عامًا ، محامية جنائية أعيش وانا ادافع عن أشخاص لا أؤمن ببراءتهم ، أنا مطلّقة... أو ربما أرملة الآن ، فقبل ساعات مضت كنت أقف عند قبر طليقي ، ومنذ ذلك الحين، لم أعد متأكدة من معنى أي شيء رسمي في حياتي.
فاعوام كاملة لا تختفي لمجرد أن العلاقة انتهت بورقة طلاق
لذلك أستخدم "مطلقة" أحيانًا... وأحيانًا أخرى أشعر أن "أرملة" أقرب للحقيقة.
كنت فيما مضى أمّ لطفلين... أم الآن فلدي رامز، ذو الستة أعوام، الذي ما زال يظن أن العالم يمكن فهمه ، أما أنا... فقد توقفت عن هذا الاعتقاد منذ وقت طويل ، الناس يقولون إنني ناجحة وهم محقون في شيء واحد فقط: القضايا لا تُنهكني بل تنتهي عندي ، لا أدافع عن الأبرياء دائمًا في الحقيقة... نادرًا ما يحدث ذلك.
أنا أدافع عمّن يستطيع الدفع... أولئك الذين يملكون ما يكفي من المال ليعيدوا كتابة الحقيقة بدأت حياتي المهنية في مكتب صغير بالكاد يُعرف اسمه ملفات بسيطة، قضايا رخيصة، وأتعاب بالكاد تكفي الإيجار.
أما الآن... فأنا أعمل في واحدة من أكبر شركات المحاماة في المدينة قضايا أكبر، أموال أكبر، وأسرار أثقل ، البعض يصفني بالقسوة والبعض الآخر لا يجد كلمة ألطف من "فاسدة".
ربما لا يخطئون كثيرًا، ففي هذه المهنة، لا أحد يصل إلى القمة وهو نظيف اليدين.. تمددتُ قليلًا على الأريكة، أُسافر في أفكاري محاولًا استدراج النوم كي يأتي لكن كلما أغمضتُ عينيّ، عاد نفس المشهد ليضرب جفوني من جديد وبعد حربٍ صامتة مع ذاتي، استسلمتُ أخيرًا للنوم.
لم تمضِ سوى ساعاتٍ قليلة من غفوتي حتى رنّ هاتفي قرب الفجر نظرة واحدة إلى الشاشة كانت كافية لتوقظني تمامًا:
رقم المكتب تنهدتُ قبل أن أجيب بتثاقل ، جاءني صوت زميلي متوترًا، خافتًا على غير عادته، يحمل في نبرته قضية جديدة تبعث على القلق.
اعتدلتُ في جلستي شعرتُ وكأنها بداية شيءٍ ما... لا أعرف ما هو، لكن إحساسًا غريبًا تسلّل إلى صدري تساءلتُ بسرعة:
" ما الأمر؟" ساد لحظة صمت، ثم قال: " جريمة قتل... لكن الغريب فيها ليس القتل نفسه"
شدّدتُ قبضتي على الهاتف،و سألته عن التفاصيل، فبدأ يتحدث بصوتٍ منخفض: " الضحية وُجدت في مستودعٍ مهجور خارج المدينة لا آثار مقاومة تُذكر... ولا سلاح في المكان"
توقف لحظة، ثم أضاف: " لكن الدم... كان مفقودًا تقريبًا"
شعرتُ بقشعريرة حقيقية تسري في ظهري "دمٌ مفقود؟"
عاد ذلك المشهد إلى رأسي فجأة ، أكد بصوتٍ أكثر وضوحًا:
" الجثة كانت شبه جافة...وكأن أحدهم أفرغها عمدًا، كمن يعصر ثوبًا مبتلًا." أغمضتُ عينيّ بقوة،ومجددًا عاد المشهد ذاته ، جاءني صوته عبر الهاتف، ضبابيًا: " نوال؟ هل أنتِ معي؟"
فتحتُ عينيّ ببطء ثم سألتُ:" هل عُرفت هوية الضحية؟"
أجاب:" ليس بعد ، لكن وُجد بالقرب من الجثة قطعة قماش ملوّثة بالدم... ليست من ملابس الضحية"
ابتلعتُ ريقي وسألت:" وأين هي الآن؟" ، " في المشرحة... والقضية تحولت رسميًا إلى جريمة قتل متعمّد " ساد صمتٌ قصير، كان أثقل من الكلمات ثم أردفت بهدوء لم أعرف من أين جاء:" سأحضر"
أغلقتُ الهاتف، وجلستُ أحدّق في الفراغ لم أكن أحتاج إلى دليل...ولا إلى تقرير كنتُ أعرف... أن الدم الذي رأيته في المقبرة لم يكن وحيدًا، وأن ذلك الرجل لم يكن يودّع ميتًا كان يفتتح سلسلة جلتُ بنظري في الأرجاء، أخذتُ نفسًا عميقًا، وهمستُ لنفسي:" يا إلهي... هل دخلتُ قضية كنتُ شاهدةً عليها؟"
نهضتُ، وقدماي بالكاد تحملانني ، اتجهتُ إلى الغرفة، وأخذتُ حمامًا دافئًا ، ارتديتُ ثوبًا داكنًا بسيطًا، لكن حتى البساطة عندي لا تُترك للصدفة ، مرّرتُ يدي عليه سريعًا، كأنني أتأكد أنه لا يخون الصورة التي أريدها ، في الأعلى، انعكست شقتي على الزجاج الممتد: مساحة واسعة، نظيفة، مرتبة بدقة مبالغ فيها كل شيء فيها يبدو محسوبًا... حتى الفراغ.
في الأسفل، كانت سيارتي السوداء تنتظرني بصمت لامع لم تكن مجرد وسيلة نقل، بل جزءًا من المشهد الذي أحرص دائمًا أن أكون فيه في المنتصف وقفتُ أمام المرآة للحظة امرأة في السابعة والثلاثين... ملامح متماسكة، وعينان لم تنمَا.
نزلتُ مع رامز إلى المرآب ، كان يقفز حولي كعادته، لا يتوقف عن الثرثرة:" اليوم لدينا حصة رسم! تعرفين؟ المعلمة قالت إن رسوماتي جميلة... وأيضًا سامر أخذ قلمي أمس ولم يُعدْه!
كنتُ أومئ أحيانًا، وأجيب أحيانًا، وأغيب أكثر ، فتحتُ له باب السيارة، ساعدته على الجلوس، ثم قدتُ خارج المبنى
المدينة تستيقظ ببطء، والشمس تتسلل بين الأبنية " أمي؟
لماذا أنتِ ساكتة؟"
تنبهتُ فجأة:" ماذا قلتَ يا صغيري؟" زفر بضيقٍ طفولي: "قلتُ لكِ إنني أريد أن أكون شرطيًا عندما أكبر... أو محاميًا مثلك! " شدّني كلامه ابتسمتُ رغماً عني:"أتمنى أن تختار مهنة لا تُرهق قلبك ، ضحك، ثم عاد للكلام... كثير الكلام، يتحدث بلا توقف ، كنتُ أقود، وعقلي ليس على الطريق ، كان هناك عند مستودعٌ مهجور، وجثةٌ جافة، ودمٌ غائب توقفتُ أمام المدرسة نزل رامز مسرعًا، ثم عاد فجأة، فتح الباب، وألقى بنفسه في حضني:"أحبكِ أمي"
شدّدته إليّ بقوة، كأنني أتشبث بشيءٍ حقيقي وسط هذا العبث
" وأنا أحبك أكثر" ركض إلى الداخل، ولوّح لي بيده بقيتُ في السيارة لحظة أطول يدي على المقود، ونظري عالق في شيء لا أراه ، المدينة أمامي بدت مرتبة بشكل مريب ... وكأنها لا تعترف بما في رأسي تحركتُ أخيرًا.
أملك كل ما يفترض أن يجعل الحياة أسهل: المال، النفوذ، الاسم
لكن لا شيء من ذلك يفسر لماذا لا يغادر ذلك القبر ذهني ذلك المشهد... لم يكن يجب أن يبقى ، أدرتُ المحرك من جديد وانطلقتُ نحو المشرحة ونحو الحقيقة... تلك الحقيقة التي لم أكن أعرف إن كنت مستعدة لمواجهتها ربما...لم أكن مستعدة ، لكنني، بطريقة ما، كنت قد أقحمت نفسي فيها بالفعل...