LOGIN«الرجل اللي أخد أبوك مني.»
ظلت الجملة معلّقة في الهواء، أثقل من أن تمرّ ككلمات عادية، وأخطر من أن يتجاهلها كريم.
نظر إلى أمه، ثم إلى شهادة الميلاد القديمة بين أصابعه. كان اسم أبيه المفترض مكتوبًا في خانة لا تحتمل التأويل، لكن الاسم الموجود لم يكن محمود عبدالرحمن.
كان عادل منصور.
والد سلمى.
الرجل الذي يملك الفنادق والمستشفيات والشركات، والذي يبدو أن ابنته تعرف سرًّا يستطيع أن يدمّر حياة كريم بالكامل.
قال كريم بصوت منخفض، لكنه كان يرتجف من الغضب:
— ماما... أنا عايز أفهم. حالًا.
لم تجبه نادية. كانت تنظر إلى الباب، كأنها تعرف أن الشخص الواقف خلفه لم يأتِ ليسأل، بل جاء ليأخذ شيئًا تركه هنا منذ سنوات.
ثلاث طرقات أخرى.
هذه المرة، لم تكن الطرقات هادئة.
— نادية إبراهيم، أنا عارف إنك جوه. افتحي الباب بدل ما أضطر أفتحه بنفسي.
اقترب كريم من الباب، لكن أمه أمسكت بذراعه بقوة لم يتوقعها من يديها المرتجفتين.
— إوعى تفتح يا كريم.
— ده مين؟
— مش مهم تعرف اسمه دلوقتي.
— إزاي مش مهم؟ الراجل ده له علاقة بأبويا، واسمه موجود في شهادة ميلادي، وأنا طول عمري فاكر إن أبويا اسمه محمود! إنتِ عايزاني أعمل إيه؟ أتصرف كأن مفيش حاجة حصلت؟
انكسرت نظرة نادية للحظة.
— أنا عايزاك تعيش.
جاء صوت الرجل من خلف الباب مجددًا:
— آخر مرة هطلب منك تفتحي يا نادية.
ثم ساد الصمت.
صمت قصير، لكنه كان كافيًا ليجعل كريم يسمع صوت أنفاس أمه المتقطعة.
فجأة، انطفأ النور.
غرق البيت في الظلام، ولم يبقَ سوى ضوء خافت يتسلل من نافذة المطبخ.
سمع كريم صوت احتكاك عند القفل.
همس:
— هو بيحاول يفتح الباب!
سحبته نادية بعيدًا، واندفعت نحو خزانة قديمة بجوار غرفة النوم. أزاحت بعض الملابس، وكشفت عن باب خشبي صغير لم يره كريم من قبل.
— ادخل هنا.
نظر إليها بدهشة.
— إيه ده؟
— مخبأ قديم. أبوك هو اللي عمله.
تجمّد كريم.
حتى في هذه اللحظة، كان اسم محمود قادرًا على إيقاف الزمن داخله.
— أبويا؟
أومأت نادية، وعيناها تمتلئان بالدموع.
— كان بيقول إن اليوم اللي أضطر أستخدم فيه المكان ده، هيكون اليوم اللي الماضي يرجع فيه يدور علينا.
دوّى صوت ارتطام قوي بالباب الخارجي.
— كريم! — صاحت نادية فجأة، وأمسكت بوجهه بين يديها. — اسمعني كويس. لو دخلت هنا، مهما سمعت، مهما حصل، ما تخرجش غير لما أقولك.
— مش هسيبك لوحدك!
— دي مش شجاعة يا كريم. دي غلطة ممكن تخلينا نخسر كل حاجة.
ثم أخرجت من جيبها مفتاحًا صغيرًا، ووضعته في يده.
— لو ما رجعتش، افتح الصندوق الخشبي بالمفتاح ده. وهتلاقي جواه جواب باسمك.
وقبل أن يسألها عن الجواب، دفعته إلى المخبأ وأغلقت الباب.
لم يكن المكان يتسع إلا لشخص واحد.
جلس كريم في الظلام، ويده تقبض على المفتاح، بينما كان يسمع خطوات تتحرك في البيت.
انفتح الباب الخارجي.
لم يسمع صوت كسر، ولا صراخًا، ولا مقاومة.
وهذا أخافه أكثر.
جاء صوت الرجل، هادئًا على نحو مستفز:
— لسه محتفظة بالصور يا نادية؟
— اطلع بره بيتي.
— بيتك؟ غريبة. كنت فاكر إنك بطّلتي تصدقي إن ليكي بيت من ساعة ما محمود اختفى.
— ما تجيبش سيرته.
ضحك الرجل ضحكة قصيرة خالية من المرح.
— لسه بتحبيه؟
لم تجبه.
اقتربت الخطوات من مكان اختباء كريم.
قال الرجل:
— فين الورق؟
— مش عندي.
— كدابة.
— لو كنت عايزة أديك الورق، كنت اديتهولك من سنين.
صمت الرجل للحظات، ثم قال:
— عشان كده أنا رجعت. مش عشان الورق بس.
سمع كريم صوت شيء يوضع على الطاولة.
ثم جاء صوت أمه، متغيرًا تمامًا:
— إنت عملت إيه؟
— أنا؟ أنا لسه ما عملتش حاجة.
— إنت قلت إن ابني مش هيعرف حاجة!
— ابنك كان المفروض ما يوصلش للجامعة النهارده أصلًا.
شعر كريم ببرودة تسري في جسده.
كان الرجل يعرف كل شيء. الجامعة، والصورة، وربما حتى سلمى.
تابع الرجل:
— بنت منصور قابلته، وهو دلوقتي بيدوّر على الغرفة 307. إنتِ فاهمة معنى ده؟
— هو ما يعرفش حاجة.
— هو بدأ يعرف.
— كريم ملوش ذنب!
جاء الرد سريعًا وقاسيًا:
— دي نفس الجملة اللي قلتيها لما كان عنده سبع سنين.
شعر كريم كأن أحدهم ضربه في صدره.
سبع سنين.
العمر الذي اختفى فيه محمود.
العمر الذي بدأت بعده أمه ترفض الإجابة عن أي سؤال يخص أباه.
ثم سمع صوت ورقة تُسحب من فوق الطاولة.
قال الرجل:
— عادل منصور عايزه حي.
ارتجف صوت نادية:
— وعادل عايز إيه من ابني؟
— نفس الحاجة اللي كان عايزها من أبوه.
— لأ...
— الحقيقة يا نادية.
ثم أضاف، بعد لحظة صمت:
— والحقيقة إن كريم يمكن ما يكونش ابن محمود أصلًا.
لم يعد كريم يسمع شيئًا سوى دقات قلبه.
شهادة الميلاد.
اسم عادل منصور.
الصورة القديمة.
والآن، الرجل الذي يعرف ماضي أمه يقول إن محمود ربما لم يكن أباه.
ضغط كريم يده على فمه حتى لا يصدر عنه صوت.
لكن شيئًا صغيرًا في جيبه بدأ يهتز.
هاتفه.
كان قد نسي أنه وضعه على الوضع الصامت، لكنه لم يوقف الاهتزاز.
أخرجه ببطء، وحاول إخفاء ضوء الشاشة بكفه.
رسالة من رقم غير مسجل.
«ما تصدقش أي كلمة يقولها الراجل اللي عند أمك.»
توقف نفسه للحظة.
وصلت رسالة ثانية.
«هو مش اللي أخد أبوك.»
ثم ظهرت الرسالة الثالثة.
«هو اللي دفنه.»
اتسعت عينا كريم.
في الخارج، انقطع الحديث فجأة.
— إنتِ سمعتي الصوت ده؟ — سأل الرجل.
لم ترد نادية.
تحركت الخطوات ببطء نحو الخزانة.
خطوة.
ثم أخرى.
ثم توقف الرجل أمام الباب الخشبي الذي يختبئ خلفه كريم.
قال بصوت منخفض، وكأنه يتحدث إلى شخص يعرف مكانه بالفعل:
— كريم... أنا عارف إنك سامعني.
حبس كريم أنفاسه.
— عارف إنك فاكر إني عدوك. ويمكن أكون فعلًا. بس لو خرجت دلوقتي، هتعرف أول حقيقة عن أبوك.
ضرب الباب بيده مرة واحدة.
— محمود عبدالرحمن ما اختفاش... محمود اتقتل.
سمع كريم صوت أمه وهي تصرخ:
— كداب!
ثم صوت ارتطام، كأن جسدًا سقط على الأرض.
— ماما!
كادت الكلمة تخرج من فمه، لكنه ابتلعها في اللحظة الأخيرة.
سمع الرجل يتحرك مبتعدًا، ثم يقول ببرود:
— عندك لحد بكرة الصبح يا نادية. لو كريم ما جاش بنفسه، هيتكرر اللي حصل زمان.
انغلق الباب الخارجي.
وعاد الصمت.
انتظر كريم عدة ثوانٍ قبل أن يدفع الباب الخشبي ببطء.
وجد أمه جالسة على الأرض، ويدها تضغط على جانب رأسها. لم تكن فاقدة للوعي، لكنها بدت كأنها أكبر بعشرين عامًا في دقائق.
ركع بجوارها.
— ماما! إنتِ كويسة؟
أمسكت بيده فورًا.
— خرج؟
— أيوه... خرج.
تنفست بارتياح، ثم لاحظت الهاتف في يده.
— إيه اللي حصل؟
لم يجبها. فتح الرسائل وأراها الشاشة.
قرأت نادية الكلمات، ثم أغمضت عينيها.
لم تبدُ متفاجئة.
وهذا كان أسوأ من أي إجابة.
قال كريم ببطء:
— إنتِ عارفة مين بعت الرسائل دي؟
هزت رأسها بالنفي، لكن عينيها قالتا شيئًا آخر.
— ماما... الراجل ده قال إن أبويا اتقتل.
لمعت الدموع في عينيها.
— مش كل اللي قاله كدب يا كريم.
ابتعد عنها قليلًا، كأن المسافة بينهما قد تحميه من الإجابة القادمة.
— يعني إيه؟
رفعت رأسها ونظرت إليه.
— أبوك اختفى من حياتنا من تسع سنين. وأنا قلتلك إنه مش هيرجع، لأني كنت عارفة إن في ناس لو عرفوا مكانه، هيقتلوا أي حد يقرب منه.
— هو عايش؟
لم تجب.
— ماما! أبويا عايش ولا ميت؟
وضعت يدها على فمها، ثم قالت بصوت يكاد لا يُسمع:
— آخر مرة شفته فيها، كان بينزف... وكان بيطلب مني أخبيك.
شعر كريم بأن الأرض تميد تحته.
— أخبيني من مين؟
نظرت نادية نحو الصندوق الخشبي المفتوح.
— من عادل منصور.
ثم أضافت:
— ومن الحقيقة اللي اتفقنا كلنا إنك ما تعرفهاش أبدًا.
نهض كريم، وتوجه إلى الصندوق. أخرج المفتاح الصغير الذي أعطته له أمه، وفتح القفل الداخلي الذي لم ينتبه إليه من قبل.
كان بداخله ظرف أبيض قديم، كُتب عليه بخط واضح:
«إلى كريم... عندما تعرف أن محمود ليس أباك.»
لم يرفع عينيه عن الظرف.
— إنتِ كنتِ مستنية اليوم ده؟
قالت نادية وهي تبكي بصمت:
— كنت بدعي إنه ما يجيش أبدًا.
فتح كريم الظرف.
في داخله ورقة واحدة، وصورة حديثة نسبيًا لرجل يقف أمام مبنى مستشفى.
لم تكن الصورة واضحة تمامًا، لكن وجه الرجل كان مألوفًا على نحو مرعب.
الشعر بدأ يشيب عند الصدغين. الوجه أنحف مما يتذكره كريم من الصور القديمة. وعلى يده اليمنى خاتم فضي بحجر أسود.
الخاتم نفسه الذي ظهر في انعكاس صورة سلمى.
قلب كريم الورقة.
كان مكتوبًا فيها:
«يا كريم،
لو وصلت للجواب ده، يبقى نادية فشلت في حمايتك، وأنا فشلت في الوفاء بوعدي.
في حياتك، هتسمع إن محمود أبوك، وإن عادل منصور عدوك، وإن الليلة اللي فقدت فيها ذاكرتك كانت حادثة عادية.
التلاتة دول أكاذيب، لكن مش بنفس الطريقة.
ما تروحش فندق النخيل.
ما تثقش في سلمى.
وما تسألش أمك عن الطفل التاني.
لأن الطفل التاني...
هو السبب في إنك لسه عايش.»
توقفت عينا كريم عند الجملة الأخيرة.
رفع رأسه ببطء.
— ماما... مين الطفل التاني؟
لم تجب نادية.
بدلًا من ذلك، بدأت تبكي كما لم يرها تبكي من قبل.
ثم قالت:
— الطفل التاني كان المفروض يموت مكانك.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف كريم.
رقم مجهول.
هذه المرة، لم يتردد في الرد.
جاءه صوت امرأة شابة، خافت ومضطرب، يعرفه جيدًا.
سلمى.
— كريم... لازم تسمعني قبل ما تقفل.
— إنتِ كنتِ عارفة كل ده؟
— لأ، والله ما كنت أعرف كل حاجة.
— مين الطفل التاني يا سلمى؟
ساد الصمت في الطرف الآخر.
ثم سمع صوتها وهي تحاول كتم بكائها.
— الطفل التاني...
توقفت للحظة، ثم أكملت:
— أنا يا كريم.
وانقطع الاتصال.
— اسمه الحقيقي مش مهم دلوقتي.استدار كريم إليه بعنف.— كل مرة تقولوا لي إن حاجة مش مهمة، بتطلع أهم حاجة في حياتي!رفع فؤاد يده مستسلمًا.— عندك حق. اسمه الحقيقي هو…توقف عندما سمع صوت سيارة تدخل الساحة.أضواء المصابيح اجتاحت الجدار المقابل.الرجل ذو البدلة السوداء تحرك فورًا، ووقف أمام كريم وسلمى.— ورايا. دلوقتي.قال فؤاد بحدة:— إنت بتعمل إيه؟أجابه الرجل:— اللي كان لازم أعمله من أول يوم.ثم أخرج من جيبه بطاقة صغيرة، ورفعها أمام محمود.لم يستطع كريم قراءة كل ما عليها، لكنه لمح شعارًا رسميًا وصورة قديمة.سمع محمود يهمس:— مستحيل…نظر إليه كريم.— إيه؟قال محمود، وكأن الكلمات خرجت رغمًا عنه:— ده مش الراجل اللي كان بيراقبك.ابتعد الرجل عنهم خطوة.— أنا مش جاي أراقبه يا محمود.ثم نظر مباشرة إلى كريم.— أنا جاي أخده.لم ينتظر محمود تفسيرًا.دفع كريم وسلمى ناح
لم يرفع كريم عينيه عن الصورة.امرأة تقف أمام بوابة الجامعة، ترتدي معطفًا أسود، وشعرها الداكن ينسدل على كتفيها. في رقبتها قلادة نصف القمر نفسها التي ترتديها سلمى.لكن وجهها…كان وجهًا آخر.أو بالأحرى، كان وجهًا يشبه وجه سلمى إلى درجة جعلت التمييز بينهما صعبًا، لولا الندبة الصغيرة أسفل الحاجب الأيسر، والنظرة التي بدت مألوفة لكريم دون أن يعرف السبب.كبّر الصورة بأصابعه.خلف المرأة، عند البوابة، كان هناك طالب يحمل حقيبة زرقاء. وعلى الزجاج المجاور لها انعكاس شخص يرتدي بدلة سوداء.الرجل الذي يقف الآن خلف فؤاد.رفع كريم رأسه ببطء.— إنت كنت بتراقبها؟لم يجب الرجل.ابتسم فؤاد ابتسامة متوترة، ثم قال:— مش كل صورة معناها إن صاحبها موجود في المكان فعلًا.رد كريم دون أن يبعد عينيه عنه:— ومش كل واحد بيقول الحقيقة بيكون صادق.تبدلت ملامح فؤاد للحظة.كانت الجملة نفسها تقريبًا التي قالها له من قبل، لكن هذه المرة خرجت من فم كريم كتهديد.تقدم محمود
— أنا عمري ما مسكت مسدس في حياتي.— دي الذاكرة اللي عندك.— وإنت فاكر إنك لو قلتلي أي حاجة، هصدقك؟— لا. أنا عارف إنك مش هتصدقني.اقترب محمود منه، لكن هذه المرة لم يحاول لمسه.أخرج محمود من جيبه وحدة تخزين صغيرة، ووضعها فوق الطاولة.كان عليها ملصق أبيض كُتب عليه الرقم:307 — النسخة الأصلية.قالت سلمى:— منين جبت ده؟— من سامح.— بس فؤاد قال إن سامح مات في الفندق.— فؤاد قال حاجات كتير.— إنت بتقول إنه كذاب؟— أنا بقول إن فؤاد عمره ما احتاج يكذب في كل الجملة. كان يكفيه يغيّر كلمة واحدة.أمسك كريم بوحدة التخزين.— التسجيل ده فيه إيه؟— آخر عشر دقائق قبل ما تدخل الغرفة.— وبعد ما دخلت؟تردد محمود.— الجزء ده ناقص.— ليه؟— لأن اللي أخده كان عارف إن العشر دقايق اللي بعدهم أخطر من اللي قبلهم.بحثت سلمى في حقيبتها وأخرجت حاسوبًا صغيرًا كانت تستخدمه في الجامعة. وصلته بوحدة التخزين.ظهرت عدة ملفات على الشاشة، بعضها تالف، وبعضها لا يحمل أسماء.كان هناك ملف واحد فقط يمكن فتحه.CAM_307_23-14.mp4ضغطت سلمى عليه.ظهرت صورة كاميرا مراقبة لممر فندق النخيل. الوقت في زاوية الشاشة كان يشير إلى الحادية
«يبقى هي عرفت إني أنا اللي قتلته.»قال محمود الجملة بهدوء غريب.هدوء رجل لم يعد يخشى أن يُكشف سره، أو رجل تعب من الهرب لدرجة أنه لم يعد يهتم بما سيحدث بعد ذلك.أما كريم، فظل ينظر إليه كأنه يسمع صوتًا صادرًا من شخص آخر.لم يتحرك.لم يصرخ.حتى أنفاسه بدت وكأنها توقفت للحظة.ثم قال بصوت منخفض:— قتلت مين يا محمود؟رفع محمود عينيه إليه.— مش كل سؤال ليه إجابة تقدر تستحملها.اقترب كريم منه خطوة.— أنا مش بسألك إذا كنت أقدر أستحملها. أنا بسألك قتلت مين؟تدخلت سلمى، التي كانت تقف بجوار الباب، وعيناها تنتقلان بينهما بقلق.— محمود، الرسالة بتقول إن القاتل هو الشخص اللي رجع مع كريم. إنت رجعت معاه. يعني أمه بتتهمك بقتل أبوه.التفت محمود إليها.— وإنتِ متأكدة إنك فهمتي الرسالة صح؟— أمال أفهمها إزاي؟— زي ما فهمتي كل حاجة تانية من الناس اللي حواليكي؟ زي ما صدقتي إن كريم أبو الطفل اللي في بطنك؟ زي ما صدقتي إن عادل أبوكي؟ ولا زي ما صدقتي إن اسمك سلمى؟تراجعت سلمى خطوة، وكأن كلماته لمست شيئًا كانت تحاول إخفاءه حتى عن نفسها.— إنت مالكش حق تتكلم عن اسمي.— عندك حق. أنا ما بقاش ليا حق في حاجات كتير.ع
(الغرفة 307) : شعر كريم بأن قلبه يضرب صدره بعنف. — إنت بتقول إن مريم كانت في الغرفة 307 ليلة الحادث؟— أيوه. — ليه؟ — لأنها كانت بتحاول تقابل سامح. قال محمود: — ده مش صحيح. التفت فؤاد إليه. — إنت ما كنتش موجود. — كنت موجود قبل ما توصلوا. — لكنك هربت قبل ما تشوف النهاية. صمت محمود. نظر كريم إلى أبيه، ثم إلى فؤاد. — يعني مريم كانت في الفندق، وسامح مات، وأنا دخلت الغرفة بعدها؟ أومأ فؤاد. — ده اللي بيقوله التسجيل. — وكنت أنا اللي قتلته؟ لم يجب فؤاد. لكن صمته كان كافيًا لإشعال الشك. تذكر كريم الصورة التي ظهرت على هاتفه: نفسه داخل الغرفة، والسكين في يده، والدم على قميصه. تذكر الصوت الذي سمعه في المستشفى: «لو خرجت من هنا، هتنسى كل حاجة.» والمكالمة القديمة: «لو عايز أمك تفضل عايشة، لازم تيجي لوحدك.» هل كان قد ذهب إلى الفندق لإنقاذ مريم؟ هل وجد سامح مقتولًا؟ هل أمسك السكين لأنه حاول الدفاع عن نفسه؟ أم أن الحقيقة أسوأ من ذلك؟ قال كريم: — أنا لازم أرجع الفندق. أمسكت سلمى بذراعه. — لأ، مش لوحدك. نظر إليها. — إنتِ ليه مصممة تيجي معايا؟ ترددت. ثم قالت: — لأن في
لم يبكِ محمود بصوت مرتفع.لم يصرخ، ولم يغطِّ وجهه بيديه، ولم يحاول أن يخفي دموعه.كل ما فعله أنه ظل واقفًا أمام كريم، ينظر إليه كما لو أنه يراه للمرة الأولى، بينما تنحدر دمعة بطيئة على وجهه الذي أنهكته السنوات.لكن كريم لم يستطع أن يشعر بالشفقة عليه.ليس بعد.قبل دقائق، كان أبوه بالنسبة إليه رجلًا مات منذ سنوات. ثم عاد من الموت، وأخبره أن حياته مبنية على أكاذيب، وأنه ربما دخل غرفة فندق ليقتل الفتاة التي يزعم أنه يحبها، وأن لديه أختًا توأمًا لم يسمع عنها يومًا.أخت.كلمة واحدة كانت كافية لتفتح بابًا جديدًا في ماضٍ لم يعد يتسع لمزيد من الأسرار.رفع كريم الصورة أمام محمود.— إنت عارف مين أختي؟مسح محمود دموعه، لكنه لم يجب.— أنا بسألك! أختي فين؟ عايشة فين؟ وليه محدش قال لي إنها موجودة؟اقترب محمود منه، ومد يده نحو كتفه.تراجع كريم.توقفت يد أبيه في الهواء.— ما تلمسنيش.انخفضت يد محمود ببطء.قال كريم، وصوته يزداد حدة:— إنت مش من حقك ترجع بعد كل السنين دي، وتطلب مني أصدقك. إنت سبتني وأنا عندي سبع سنين. كنت بستناك كل عيد، وكل عيد ميلاد، وكل مرة أسمع فيها صوت عربية تقف تحت البيت. أمي كانت