Masukفي الليلة التي دفنت فيها ليان مراد جدتها، لم تكن تبحث عن الحب، بل عن طريقة تُسكت بها الألم الذي ينهش قلبها. لكن القدر قادها إلى الرجل الوحيد الذي لم تتخيّل يومًا أن تقترب منه… آدم الراوي، عدوّها اللدود، والوريث الأخير لعائلة تؤمن بأنها دمّرت عائلتها. ليلة واحدة، سرير واحد، وذكرى لن يستطيع أيٌّ منهما محوها. في الصباح، يعود كلٌّ منهما إلى كبريائه، متظاهرًا بأن شيئًا لم يحدث. لكن سرًّا تركته الجدة وراءها يعيد فتح جرحٍ مضى عليه عشرون عامًا، ويكشف أن موت أحبّائهما لم يكن حادثًا عابرًا، وأن عدوّهما الحقيقي ما زال يعيش بينهما. والآن، على آدم وليان أن يتحالفا لكشف الحقيقة والانتقام ممن سرق منهما عائلتيهما، بينما يحاول كلٌّ منهما تجاهل حقيقة واحدة: كيف تكره الشخص الذي أصبح يعرف عنك أكثر مما ينبغي… وكيف تقاومه حين يصبح الشخص الوحيد الذي لا تستطيع الابتعاد عنه؟
Lihat lebih banyakالفصل 1
لم تكن ليان مراد تعرف أن أسوأ ليالي حياتها ستصبح أكثر الليالي التي ستتمنى لو أنها تستطيع نسيانها. في ذلك المساء، دفنت المرأة الوحيدة التي بقيت لها من عائلتها. جدتها. المرأة التي ربّتها، واحتضنتها حين غاب الجميع، وأخفت خلف صمتها أسرارًا لم تفهم ليان يومًا سبب خوفها من كشفها. والآن، رحلت دون أن تمنحها إجابة واحدة. وقفت ليان أمام نافذة غرفتها، ترتدي فستانًا أسود بسيطًا، بينما كانت أضواء إيفورا تتلألأ في الأسفل كأن المدينة لم تفقد أحدًا. كرهت ذلك المشهد. كرهت أن تستمر الحياة بصورة طبيعية بينما تشعر هي بأن شيئًا في داخلها قد مات إلى الأبد. على الطاولة، استقر ظرف قديم وجدته بين أغراض جدتها بعد الوفاة. لم تفتحه بعد. لم تكن تملك القوة لمواجهة سرّ جديد، فقد سئمت الأسرار بما يكفي. أغلقت الدرج عليه، التقطت حقيبتها، وغادرت. لم تكن تريد التعازي، ولا الوجوه الحزينة، ولا صوت أحد يخبرها بأنها يجب أن تكون قوية. أرادت أن تنسى. ولو لبضع ساعات. كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين دخلت ليان أحد أرقى النوادي الليلية في المدينة. الموسيقى تهز المكان، والأضواء تتراقص فوق الوجوه، والضحكات ترتفع من كل زاوية. اختارت طاولة بعيدة، وطلبت شرابًا، ثم آخر. لم تكن معتادة على الإفراط في الشرب، لكنها في تلك الليلة لم تكن تفكر في الغد، ولا في العواقب، ولا في الفتاة التي اعتادت أن تكونها. كانت تريد إسكات صوت واحد فقط. صوت الفراغ الذي تركته جدتها. وبعد فترة، حين بدأت الموسيقى تختلط بأفكارها، رفعت عينيها نحو البار. هناك، رأته. رجلًا يرتدي قميصًا أسود بأكمام مطوية حتى ساعديه، ويجلس وحده أمام كأس لم يكد يمسّه. كان طويلًا، عريض الكتفين، بشعر أسود وملامح حادة لا تحتاج إلى ابتسامة كي تلفت الانتباه. لم يكن يحاول لفت أنظار أحد. ومع ذلك، بدا وكأن المكان كله يتحرك من حوله دون أن يمسّ هدوءه. كانت عيناه داكنتين، ونظرته ثابتة، وفي ملامحه شيء يوحي بأنه لا يحب أن يُسأل، ولا يعتاد أن يكرر كلامه مرتين. التقت عيناهما مصادفة. لم يبتسم. ولم تحوّل ليان نظرها فورًا، كما كان يفعل معظم الناس حين يلتقون بنظرة غريب. رفعت كأسها قليلًا، كأنها تتحداه من بعيد، ثم ارتشفت منه. أدار الرجل وجهه أولًا. كان ذلك كافيًا لإثارة فضولها. لماذا شعرت بالاستفزاز لأنه تجاهلها؟ ولماذا أرادت، على نحو لم تفهمه، أن تجعله ينظر إليها مجددًا؟ طلبت كأسًا آخر، لكن النادل أخبرها أن الرجل الجالس عند البار قد طلب لها ماءً بدلًا منه. التفتت إليه بحدة. يا لوقاحته. نهضت، وسارت نحوه بخطوات لم تكن ثابتة تمامًا، ثم توقفت أمامه. قالت ببرود: «هل تعرفني؟» رفع عينيه إليها ببطء. «لا.» «إذن لماذا تتصرف وكأن لك الحق في تقرير ما أشربه؟» نظر إلى كأسها، ثم عاد إلى وجهها. «ليس لديّ الحق. لكنكِ بالكاد تستطيعين الوقوف.» اشتعلت عيناها. «وهذا لا يعنيك.» «صحيح.» أجاب ببساطة، ثم عاد إلى كأسه، وكأن الحديث انتهى. حدّقت فيه ليان للحظات، عاجزة عن تقرير ما إذا كانت تريد صفعه أم الضحك في وجهه. «أنت رجل مستفز.» «سمعت ذلك من قبل.» «وأنت مغرور.» رفع عينيه إليها مجددًا. «وهذا أيضًا.» لم تستطع منع ضحكة قصيرة من الإفلات منها. لم تكن ضحكة سعيدة، لكنها كانت أول مرة تضحك فيها منذ الصباح. نظر إليها الرجل لثانية أطول هذه المرة. «اجلسي قبل أن تسقطي.» «لن آخذ أوامري منك.» «كما تشائين.» تحركت لتبتعد، لكن كعب حذائها علق بطرف السجادة، فاختل توازنها. أمسك الرجل بذراعها قبل أن تسقط، ثم تركها فور أن استقرت على قدميها. لم يقل شيئًا. ولم يبتسم منتصرًا. وهذا، لسبب غريب، جعلها ترغب في البقاء. نظرت إليه، ثم إلى المقعد المجاور. «هل تنتظر أحدًا؟» «لا.» «جيد.» جلست دون أن تستأذنه. نظر إليها بطرف عينه، لكنه لم يعترض. ساد بينهما صمت قصير، قبل أن تسأله: «ما اسمك؟» أدار الكأس بين أصابعه. «لماذا تريدين أن تعرفي؟» «لأتأكد أنني لن أضطر إلى تذكّره غدًا.» ظهرت عند زاوية فمه ابتسامة خافتة، بالكاد كانت موجودة. «إذن من الأفضل ألّا أخبركِ.» ضيّقت عينيها. «أنت تظن نفسك ذكيًا جدًا، أليس كذلك؟» «لا أحتاج إلى الظن.» ضحكت مجددًا، وهذه المرة نظر إليها مباشرة. لم تكن ابتسامته واضحة، لكن شيئًا في عينيه تغيّر. كأنها نجحت، دون أن تقصد، في انتزاع لحظة من رجل لا يمنح أحدًا شيئًا بسهولة. لم يعرف أيٌّ منهما كم سيصبح ذلك اللقاء مهمًا. ولم يسأل أحدهما الآخر عن عائلته، أو عمله، أو ماضيه. في تلك الليلة، لم تكن ليان تريد أن تكون ابنة عائلة مراد. ولم يكن هو يريد أن يكون آدم الراوي. كانا غريبين فحسب، جمعتهما ليلة لم يخطط لها أيٌّ منهما.الفصل 37 كان الرجل الثاني يقف بزاوية تخفي معظم وجهه. لكن على معطفه شارة صغيرة. دائرة سوداء يتقاطع داخلها خطان. قال آدم: — فيرستون. أومأ دانيال. — الشعار نفسه. استند آدم إلى كرسيه. — إذن جوليان لم يكن يعمل وحده. — على الأرجح. أعاد آدم الصورة إلى الملف. — أريد معرفة أين يعيش الآن. وليتواصل المفتش معه بالطريقة المناسبة. ثم أضاف: — ولا كلمة لفارس. في المساء، خرجت ليان من الفندق بعد أن ودعت فريق العمل. كانت سيارة الحراسة تنتظرها قرب المدخل. وبينما كانت تتجه نحوها، توقفت فجأة. على الجانب الآخر من الشارع، رأت رجلًا يقف قرب سيارة سوداء. لم يكن ينظر إليها مباشرة. لكن شيئًا في وقفته أثار قلقها. تذكرت الصور التي وصلتها سابقًا. وتذكرت التهديدات. فتحت باب السيارة بسرعة وجلست في الداخل. — إلى القصر، من فضلك. انطلقت السيارة. وبعد دقائق، نظرت ليان من النافذة الخلفية. كانت سيارة سوداء تسير خلفهما. حاولت إقناع نفسها بأنها مصادفة. لكنها بقيت خلفهما عند المنعطف الأول. والثاني. ثم اختفت عندما دخلت سيارة الحراسة طريق القصر. أخرجت هاتفها وأرسلت رسالة إلى آدم: «أعتقد أن أحدهم
الفصل 36 حل المساء، وعاد الهدوء إلى المكتب. كانت ليان تجلس على حافة الطاولة، تقلب الصور، بينما وقف آدم بجوارها يتأمل الوثائق المنتشرة أمامه. قالت فجأة: — آدم، هل ستتحدث إلى عمك؟ توقفت يده فوق إحدى الأوراق. — لا. رفعت عينيها إليه. — حتى بعد ظهور اسم مكتبه في السجلات؟ أعاد الورقة إلى مكانها. — خصوصًا بعد ظهور اسمه. عقدت حاجبيها. — لم أفهم. اقترب آدم من النافذة، ووضع يديه في جيبي بنطاله. — فارس لا يعلم أننا نعيد فتح ملف الحريق. ولا أريده أن يعلم الآن. — لماذا؟ استدار نحوها. — لأن عمي أمضى عشرين عامًا يحذرني من الاقتراب من عائلة مراد. كان يكرر دائمًا أن عائلتكِ أخفت أسرارًا تسببت في مقتل والديّ. صمت لحظة، ثم تابع: — لو عرف أنني أبحث في الحريق معكِ، فلن يسأل عما وجدناه أولًا. سيسأل لماذا أثق بكِ. شعرت ليان بوخزة خفيفة في صدرها، لكنها حافظت على هدوئها. — وهل يهمك رأيه إلى هذه الدرجة؟ نظر إليها طويلًا. — يهمني أن أعرف الحقيقة قبل أن أسمح لأحد بالتأثير فيها. ثم اقترب منها. — لا أريد أن أشكك فيه دون دليل، ولا أن أمنحه فرصة لإخفاء شيء إن كان يع
الفصل 35 ظل اسم فارس الراوي مضيئًا على شاشة الهاتف، بينما وقف آدم أمام مكتبه دون أن يتحرك. «مكتب فارس الراوي — المصروفات الخاصة». أربع كلمات كانت كافية لتجعل عشرين عامًا من الذكريات تمر أمام عينيه. لم يكن فارس مجرد عم تولى رعايته بعد وفاة والديه. كان الرجل الذي علّمه كيف يقف مستقيمًا حين يريد البكاء، وكيف يخفي خوفه خلف ملامح لا يقرأها أحد. والآن، ظهر اسمه في مكان لم يتوقعه آدم. — آدم؟ رفعت ليان عينيها إليه. أغلق الشاشة بهدوء، ثم وضع الهاتف على المكتب. — أريد التأكد من صحة السجل الأصلي. لم يكن صوته غاضبًا، بل هادئًا إلى درجة جعلت ليان تدرك حجم ما يحاول إخفاءه. — هذا أفضل ما يمكننا فعله، قالت. اتجه آدم نحو النافذة. — عمي كان المسؤول عن شؤون العائلة بعد الحريق. من الطبيعي أن تمر بعض النفقات عبر مكتبه. — صحيح. — لكن نقل ثلاثة صناديق من ممر أُغلق لاحقًا ليس نفقة عادية. اقتربت ليان منه. — لهذا علينا معرفة من طلب النقل، لا الاكتفاء باسم من دفع تكلفته. التفت إليها. وللحظة قصيرة، بدا كأنه يريد قول شيء آخر، لكنه اكتفى بإيماءة. ثم تناول هاتفه واتصل بدانيال. — أريد نسخة أصلية
الفصل 34 ظل آدم يحدق في الصورة المعروضة على هاتف ليان، بينما انعكست أضواء الفندق على ملامحه المتجهمة. — آدم، هل أنت بخير؟ رفع عينيه إليها، ثم أعاد النظر إلى الصورة. — هذه الندبة… تشبه ندبتي. اقتربت ليان منه، وتأملت الانعكاس المشوش على السطح المعدني. — لكنها قد تكون خدشًا في الصورة، أو انعكاسًا للضوء. أومأ ببطء. — ربما. ثم أعاد الهاتف إليها. — أرسلي الصورة الأصلية إلى دانيال. أريد فحصها دون أن نفترض شيئًا مسبقًا. لاحظت ليان أنه لم يعد ينظر إلى الجدار، بل إلى نقطة بعيدة لا تراها. وللمرة الأولى، تساءلت إن كان آدم يخشى ما قد تكشفه ذاكرته أكثر مما يخشى المجهولين الذين يلاحقونهما. حل المساء على إيفورا، وعادت سيارة آدم إلى القصر بعد يوم طويل. كانت ليان قد خلعت حذاءها بمجرد دخولها الجناح الخاص، وجلست على الأريكة بتعب واضح. أما آدم، فوقف أمام مكتبه يفك أزرار سترته. — سأطلب العشاء. رفعت رأسها. — وأريد قهوة. نظر إليها. — تناولتِ ثلاث أكواب اليوم. — هل أصبحت تحصيها أيضًا؟ — منذ رأيتكِ تحاولين إقناع آلة القهوة في الفندق بأن تعمل أسرع. ضحكت بخفة. — كانت بطيئة فعلًا. اقترب م