Home / المذؤوب / المستذئب / ليلة المخالب

Share

المستذئب
المستذئب
Author: Muhammed

ليلة المخالب

Author: Muhammed
last update publish date: 2026-02-16 20:38:23

لم تكن الغابة تنام…

كانت تراقب.

تحت ضوء قمرٍ مبتور، تحركت الأشجار ببطءٍ كأنها تتنفس، وارتجفت الأرض حين داسها راغن. خطاه كانت ثابتة، ثقيلة، لا تشبه خطوات بشرٍ عاديين، بل خطوات كائنٍ يعرف أن هذه الأرض تخشاه.

رفع رأسه قليلًا، وشمّ الهواء.

دم… خوف… ورجلٌ يحتضر.

ابتسم.

لم يكن راغن صيادًا فحسب، بل كان الصيد نفسه.

في النهار، قائدًا تُنكس الرؤوس عند مروره، وفي الليل، مستذئبًا لا تُحصى ضحاياه. لحيته السوداء كانت تخفي ندوبًا قديمة، وعيناه الرماديتان حملتا برودًا لا يعرف الرحمة. لم يكن يؤمن بالخير، ولم يحتج إلى تبريره. العالم، في نظره، ساحة نجاة، ومن لا يملك القوة يُفترس.

على بعد أمتار، كان الرجل الهارب يتعثر بين الجذور، يلهث كأن الهواء نفسه ضده. التفت فجأة، فرأى الظل… ثم سقط.

لم يصرخ.

الصراخ ترف لا يمنحه راغن.

في لحظة، تمزق اللحم، وانتهت المطاردة. حين ارتفع رأس راغن مجددًا، كان الدم يلطخ فمه، وعيناه تتوهجان بلونٍ أصفر حاد. أخذ نفسًا عميقًا، ثم أغلق عينيه، وكبح الوحش في داخله. العواء ظل عالقًا في صدره، لكنه ابتلعه.

الليلة ليست للصيد.

الليلة للاجتماع.

عند حافة الغابة، كانت النيران مشتعلة، تحيط بها عشرات الوجوه. محاربون، صيادون، مرتزقة، وبعضهم لم يكن بشريًا تمامًا. حين ظهر راغن، خيّم الصمت. حتى النار بدت أقل جرأة.

جثا أحدهم على ركبة واحدة.

ثم آخر.

ثم الجميع.

«انهضوا.»

صوته كان منخفضًا، لكنه اخترق العظام.

وقفوا. نظر إليهم نظرة واحدة، كافية لتذكيرهم لماذا اتبعوه. لم يعد مجرد زعيم قبيلة، بل صار رمزًا للقوة. من خلاله انتصروا، وباسمه ذبحوا أعداءهم، وتحته عاشوا دون قانون أو شفقة.

قال:

«العالم يتغير. المدن تكبر، والجدران ترتفع، والبشر يظنون أنهم آمنون خلف الحجارة.»

تقدم خطوة، والنار انعكست على وجهه.

«نحن العاصفة التي لم يحسبوا حسابها.»

ارتفعت همهمات إعجاب، وعيون متعطشة للدم. لكن في الصفوف الخلفية، كانت هناك نظرات مختلفة. صامتة. باردة. تحسب.

لم يلاحظ راغن ذلك… أو لعلّه تجاهله.

تابع:

«سنجمع القوة. لا قبائل بعد اليوم، لا انقسامات. من يقف معي، سيكون فوق الجميع. ومن يعارضني…»

ترك الجملة تموت. لم يحتج لإكمالها.

في تلك اللحظة، وقف رجلٌ شاب، وجهه نحيل وعيناه حادتان.

«وأنت؟» سأل. «إلى أين تقودنا، يا راغن؟»

ساد توترٌ ثقيل.

اقترب راغن ببطء، حتى صار على بعد أنفاس.

«إلى القمة.» قال بهدوء. «حتى لو احترق العالم تحت أقدامنا.»

خفض الشاب رأسه.

لكن في عينيه… لم يكن ولاء.

لم يرَ راغن تلك النظرة، أو لم يرد أن يراها. كان منشغلًا بأمرٍ أكبر: الإحساس الجديد الذي ينمو في داخله. قوة مختلفة. أعمق. كأن الوحش في دمه لم يعد يكتفي بالقمر.

كان هذا بداية الصعود.

وبداية النهاية.

حين تفرّق الجمع، بقي راغن وحده قرب النار، يحدّق في الجمر المتوهج كأنه يرى فيه مستقبلًا يتشكل. سمع همسًا خافتًا في رأسه، ليس صوتًا غريبًا، بل صوته هو… أقدم، أشرس، وأكثر جوعًا. مدّ يده نحو صدره، حيث كان قلبه يخفق بعنف غير مألوف. لم تكن هذه نوبة تحول، ولا أثر قمرٍ مكتمل، بل شيء آخر ينمو بصمت، يطالب بالسيطرة الكاملة. في الظلال البعيدة، تحركت عينان تراقبانه، وابتسامة باردة ارتسمت على وجهٍ لم يقرر بعد متى يطعن. في تلك الليلة، ظن راغن أنه يمسك بزمام القوة، دون أن يدرك أن القوة بدأت تمسك به.

لعلها فعلا النهاية

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • المستذئب    الفصل الحادي عشر: أول ضربة

    لم ينتظر راغن شروق الشمس.القرار اتُخذ في لحظةٍ لم تُعلن، لكنه انتشر بين من بقي كأمرٍ غريزي: سنهاجم. لا مزيد من الانتظار، لا مزيد من ردّ الفعل. من أراد أن يحاصرهم، سيكتشف أن الفريسة قادرة على العض.وقف راغن أمام ما تبقّى من رجاله. عددهم انخفض، لكن عيونهم تغيّرت. لم يعد فيها ذلك الخوف المشوّش، بل شيء أكثر خطورة: وضوح. من بقي… اختار البقاء رغم الحقيقة.«لن نتحرك كجيش.» قال بصوتٍ منخفض، لكن كل كلمة كانت تُسمع بوضوح.«سنتحرك كظل.»نظر إليهم واحدًا واحدًا.«هدفنا ليس القتل. ليس بعد. هدفنا أن نكسر ثقتهم.»رفع يده، وأشار نحو الشمال.«المعسكر الذي رأيناه أمس. ليس كما يبدو. إنه نقطة… لا قاعدة.»إيلمار تقدّم نصف خطوة.«وإذا كانوا يتوقعون ذلك؟»ابتسم راغن ابتسامة باردة.«هم يتوقعون أن نرد. لا يتوقعون كيف.»تحركوا قبل الفجر، في مجموعات صغيرة، كما علّمهم راغن منذ سنوات. لا أصوات، لا إشارات واضحة. كل شيء محسوب. حتى أنفاسهم.الاقتراب من المعسكر كان سهلًا بشكلٍ مريب.لا حراس على المرتفعات. لا دوريات واضحة. النار مشتعلة، لكن بلا توتر. كأن المكان… ينتظر.أشار راغن بالتوقف.شمّ الهواء.«فخ.» همس.لكن هذ

  • المستذئب    الفصل العاشر: ليلة الانقسام

    لم ينم أحد.حتى من أغمض عينيه، لم يستسلم للنوم، بل بقي عالقًا في منطقة رمادية بين اليقظة والكوابيس. المعسكر كان ساكنًا أكثر مما يجب، سكونًا لا يولد إلا حين يكون الجميع مستيقظين… يراقبون.راغن شعر بذلك وهو جالس قرب النار، سيفه على ركبته، وظهره مكشوف عمدًا. لم يكن استعراض شجاعة، بل اختبارًا. من سيقترب؟ من سيتراجع؟ ومن سيتظاهر بالهدوء؟العين التي تراقبك من الخلف لا تحتاج إلى ضوء لتُرى. تحتاج إلى نية.إيلمار كان على الطرف المقابل من النار. لم يقترب، ولم يبتعد. وجوده بحد ذاته صار علامة استفهام. منذ اعتراف راغن، تغيّر كل شيء. الكلمات القليلة التي قالها القائد لم تشرح، لم تبرر، لكنها فتحت بابًا لا يُغلق.«هو وحش.»«لكنه قائد.»«وهم يعرفونه.»«ونحن لا نعرف ماذا سيصبح.»الهمسات لم تكن مسموعة، لكنها كانت محسوسة. حتى النار كانت تتراقص بعصبية.فجأة، انطفأ أحد المشاعل.ليس بسبب الريح.ثم آخر.وقف راغن ببطء. لم يصرخ. لم يأمر. فقط قال:«تحرّكوا.»في اللحظة التالية، انفجر الظلام.صرخة قصيرة قطعتها شفرة. جسد سقط. ثم آخر. لم يكن هجومًا من الخارج. الضربات جاءت من داخل الدائرة. رجال يعرفون المواقع، يعرفو

  • المستذئب    الفصل التاسع: الشرخ الأول

    لم يكن التحرك في الفجر قرارًا عسكريًا فقط، بل كان هروبًا مقنّعًا.راغن أمر بالمسير قبل أن تستيقظ الشمس تمامًا، قبل أن تتشكل الأسئلة في عيون الرجال. الحركة تُبقي العقول مشغولة، وتؤجل الشك. هذه كانت إحدى قواعده القديمة، قبل اللعنة، قبل الشبكة، قبل أن يصبح هو نفسه سؤالًا.لكن الإثارة لم تتأخر.بعد ساعات قليلة، بدأت العلامات تختفي. لا رموز على الصخور، لا خدوش على الأشجار، لا نبض في العلامة. الغابة بدت… طبيعية. وهذا كان غير طبيعي على الإطلاق.إيلمار لاحظ الأمر أولًا.«إنهم صامتون.» قال.«الصمت ليس انسحابًا.» رد راغن. «إنه إعادة تموضع.»لم يُكمل جملته حتى سُمع صوت البوق.ليس بوقًا حربيًا، بل نداءً قصيرًا، قديمًا، يستخدمه الصيادون للتواصل عبر الوديان. توقف الرجال فورًا. هذا الصوت لا يُستخدم إلا من البشر.تحرك راغن بسرعة، صعد صخرة عالية، ونظر عبر الوادي. هناك… رأى ما لم يتوقعه.معسكر.ليس كبيرًا، لكنه منظم. رايات داكنة، حراس يتحركون بدقة، ونيران مشتعلة بلا خوف من الكشف. هؤلاء لا يختبئون.«من هؤلاء؟» سأل أحد القادة.شمّ راغن الهواء.«صيادون.» قال. «لكن ليسوا عاديين.»قبل أن يصدر أمرًا، انطلق س

  • المستذئب    الفصل الثامن: قناع القائد

    الكذب كان أسهل مما توقع راغن.وذلك ما أخافه.حين غادروا موقع شبكة العظام، تحركوا كما لو أنهم خرجوا منتصرين من معركة واضحة. الجثث تُركت خلفهم، والدم مُسح عن الدروع بقدر الإمكان، والجرحى أُسندوا وساروا. من الخارج، بدا كل شيء طبيعيًا: حملة قاسية، خسائر متوقعة، وقائد لا يزال واقفًا في المقدمة.لكن الداخل… كان شيئًا آخر تمامًا.راغن لم ينطق بكلمة طوال ساعات المسير الأولى. كان يسير في المقدمة، ظهره مستقيم، خطواته ثابتة. من يراقبه سيظن أن ثقله المعتاد عاد، وأن الليالي الأخيرة لم تترك أثرًا. إلا أن العلامة في يده كانت تنبض بإيقاع مختلف، أبطأ، أعمق، كأنها قلب ثانٍ لا ينام.في الخلف، كان الهمس قد بدأ.«هل رأيت ما فعله؟»«العظام… توقفت.»«ذلك لم يكن عواء.»لم يكن راغن بحاجة إلى سمع المستذئب ليدرك ذلك. كان يعرف رجاله. يعرف متى يتحول الإعجاب إلى رهبة، ومتى تبدأ الرهبة بالتحول إلى خوف. والخوف، حين لا يجد تفسيرًا، يبحث عن مخرج… أو عن خيانة.إيلمار كان يسير على مسافة محسوبة. قريب بما يكفي ليُحسب من الدائرة، وبعيد بما يكفي ليبقى خارجها. حين اقترب المساء، وجد الفرصة.«سيدي.» قال بهدوء. «نحتاج رواية.»ت

  • المستذئب    الفصل السابع: شبكة العظام

    لم تتحرك الغابة بعد اختفاء الرجل.كان ذلك أسوأ من الهجوم.الأصوات التي اعتادها الرجال—حفيف الأوراق، نداء الطيور، حتى صرير الحشرات—خفتت كأن شيئًا ابتلعها. الصمت هنا لم يكن فراغًا، بل حضورًا ثقيلًا، يضغط على الصدر ويجعل التنفس فعلًا واعيًا.أشار راغن بيده.توقف الجميع.وقفوا في نصف دائرة، ظهورهم لبعضهم، سيوفهم ورماحهم جاهزة. لكن أحدًا لم يعرف من أين سيأتي الخطر، أو إن كان سيأتي أصلًا. هذا النوع من الانتظار كان ينهك أكثر من القتال.إيلمار كسر الصمت:«ما الذي قصده… حين قال إنك الخلل؟»لم يُجب راغن فورًا. كان يحدق في الأرض. في المكان الذي سقط فيه الضوء قبل لحظات، بدأت التربة تتغير. تشققات دقيقة ظهرت، ثم خطوط بيضاء… عظام.عظام قديمة، مصقولة، مرتبة بطريقة متعمدة، كأن الأرض نفسها كُسرت وأُعيد تركيبها.«هذا ليس فخًا عاديا.» قال راغن أخيرًا. «هذا مكان بناء.»«بناء ماذا؟» سأل أحد القادة.رفع راغن نظره ببطء.«شبكة.»كأن الكلمة نفسها كانت إشارة. فجأة، انطلقت أصوات من كل اتجاه. ليست صرخات، ولا عواء، بل طقطقة… كصوت عظام تحت ضغط. الأرض اهتزت، وارتفعت أعمدة عظمية من التربة، تقطع الطرق وتفصل الرجال عن

  • المستذئب    الفصل السادس: حين يبدأ الصيد المعاكس

    لم يأتِ الصباح.أو هكذا شعر راغن.حين فتح عينيه، كان الضوء رماديًا باهتًا، كأن النهار نفسه متردد في الظهور. المعسكر بدا متصلبًا في مكانه، الرجال مستيقظون لكن بلا حركة، كأنهم ينتظرون إشارة لا يعرفون مصدرها. لم يكن أحد يضحك، ولا أحد يتحدث. حتى النار كانت خافتة، تلتهم الحطب دون شهية.إيلمار كان يقف قرب الحافة، يراقب الغابة. حين شعر بنظرة راغن، التفت فورًا.«لم يهرب أحد الليلة.» قال.«ولا أحد نام.»أومأ راغن ببطء.«جيد.»كان يدرك أن التوتر بلغ ذروته. لم يعد الخوف من الوحوش فقط، بل من المجهول الذي صار يزحف داخل الصفوف. القائد الذي لا يُهزم، الذي كان يُمسك زمام كل شيء، بات هو نفسه سؤالًا مفتوحًا.تحرك راغن نحو وسط المعسكر. لم يرفع صوته، لم يستدعِ اجتماعًا. مجرد وقوفه هناك كان كافيًا. العيون توجهت إليه تلقائيًا.«من هذه اللحظة،» قال، «نحن لسنا مطاردين.»سكت قليلًا، ثم تابع:«نحن الصيادون.»تبدلت بعض الوجوه. كلمات بسيطة، لكنها أعادت رسم الاتجاه. الخوف، حين يُمنح هدفًا، يتحول إلى غضب.«هم يتركون علامات.» قال راغن. «يعرفون أننا نراها. هذا يعني أنهم يريدوننا أن نتبعهم.»تقدم أحد القادة: «وهل سنف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status