Share

الفصل الخامس

last update publish date: 2026-10-11 06:48:48

الفصل الخامس: العشاء الذي لم يُؤكل

مضى اليوم كله وليان تشعر بالورقة المطوية في كمّها كجمرة صغيرة. حاولت أن تعمل، لكن أصابعها كانت تخطئ مواضع الملاعق الرقيقة، وعيناها تعودان كل لحظة إلى الأرفف كأنها تتوقع أن يخرج منها من يخبرها ما معنى الجملة التي قرأتها. المفتاح حيث يدق الزمن. وتلك العبارة الأخرى: لقد أخطأت حين صمتّ. أي صمت؟ ومن الذي اتبع خطأه بهذا الأسى المتأخر؟

حل المساء وانطفأت الأضواء في القصر واحدًا بعد آخر. أشعلت ليان المصباح النحاسي على طاولة الجوز، وبقيت جالسة أمام كتاب لم تعد تراه. لقد كذبت على أدهم، هذا ما كان يضغط على صدرها أكثر من أي شيء آخر. كذبت على رجل لم يفعل لها حتى الآن إلا ما يفعله رجل يحمي بيته، وإن فعله ببرود وكبرياء. ثم تذكرت فتات الأثاث في شقتها المهشمة، وتذكرت عبارة أمها عن الابتسامات، فاستقرت يدها على كمّها بقوة.

انفتح الباب بلا طرق، دخل أدهم، وقد خلع سترته ورفع كمّي قميصه، يحمل في يديه صينية عليها طبق من الأرز واللحم وكوب ماء. وضعها على الطاولة بصوت أعلى مما قصد، ثم وقف أمامها متصلبًا كأنه ضبطها متلبسة بجريمة.

«لم تأكلي منذ الصباح»، قال.

«من قال لك؟»

«صابر. وطبق الإفطار الذي عاد كما ذهب، وطبق الغداء الذي عاد كما ذهب. والجسد يا آنسة ليان لا يعمل بالوعد، بل بالطعام».

«لست طفلة يا سيد أدهم، وأنا قادرة على إطعام نفسي».

«لا يبدو ذلك».

«وأنت لست مسؤولًا عني».

اشتعلت عيناه الرماديتان. «أنت ضيفة في بيتي، وهذا يجعلني مسؤولًا عن أن لا تسقطي مغشيًا عليك بين الكتب ثم يقال إن رجلًا من آل الراشد ترك ابنة عمه تموت جوعًا».

تجمدت. كانت هذه أول مرة يشير فيها إلى قرابتها بهذه الكلمة، ابنة عمه، وإن نطقها كأنه يشتم. التقت عيناهما لحظة. ثم أمسك بالمقعد المقابل، وسحبه، وجلس. «سأجلس هنا حتى تنتهي من الطبق».

«هذا ابتزاز».

«سمّيه ما شئت».

نظرت إليه طويلًا، ثم إلى الطبق. كانت رائحته شهية إلى درجة مؤلمة. لم تكن تنوي أن تستسلم، لكن معدتها خانتها بصوت صغير مخجل، فارتسمت على فم أدهم ابتسامة سريعة، أول ابتسامة تراها على وجهه، مرت كظل ثم اختفت. تناولت الملعقة بصمت وأكلت.

جلسا كذلك دقائق. لم يتكلم أحد منهما. وكان في الصمت شيء غريب لم يكن فيه عداء ولا ودّ، بل ما يشبه هدنة مؤقتة بين خصمين أنهكتهما المعركة. وحين رفعت عينيها وجدته ينظر إلى الكرسي الجلدي المغطى بالملاءة في ركن القاعة.

«وجده صابر في الصباح»، قال فجأة بصوت خفيض، دون أن ينظر إليها. «جالسًا هناك، رأسه مائل على كتفه، وكتاب مفتوح على ركبتيه. ظن أنه نائم. حين اقترب كان قد برد منذ ساعات. قال الطبيب أزمة قلبية مفاجئة، وقال إنه رحل بلا ألم».

«أنا آسفة»، همست.

«كان في الأسابيع الأخيرة غريبًا». تابع، وكأن كلماته تتساقط منه دون إرادة. «ينام قليلًا ويقفل على نفسه هذه القاعة ساعات. سألته مرة ما الذي يشغلك، فقال لي أشياء قديمة يا أدهم، ديون لم تُسدد. ثم سكت وأدار وجهه. وفي ليلة وفاته جلست معه على العشاء، وكان شاردًا، وقال لي إن حدث لي شيء فلا تثق بأحد قبل أن تعرف. ضحكت منه وقتها. قلت له إنك لا تزال في الخامسة والخمسين، وستعيش حتى تدفنني».

سكت... ورأت ليان فكّه يرتجف بحركة صغيرة جدًا، كأن جسده يحاول أن يمنع شيئًا من الخروج. «لم أفهم حتى جئتِ أنتِ. ثم صرت أسأل نفسي عن الديون التي كان يقصدها».

كان في صوته من الصدق ما جعل ليان تشعر بأن كل شيء في صدرها ينهار. أمامها رجل فقد أباه قبل ثمانية أشهر، ولم يبك عليه أحد أمامه، وبقي يحمل جبلًا وحده، وقد جاءت هي تضيف إلى حمله جبلًا آخر. وهي تكذب عليه أيضًا.

وضعت الملعقة. أدخلت يدها في كمّها وأخرجت الورقة المطوية، ومدتها إليه عبر الطاولة.

«وجدتها هذا الصباح»، قالت بصوت متهدج، «في غلاف كتاب الأغاني، قبل أن تدخل علي. أخفيتها عنك. لا أبرر لك ذلك، لا أعرف كيف أبرره. كنت خائفة».

لم يتحرك. نظر إلى الورقة في يدها، ثم إلى وجهها، ثم أخذها ببطء. فتحها، وقرأ. رأت وجهه يتغير عبارة بعد عبارة. ثم أغمض عينيه لحظة، وحين فتحهما كان فيهما شيء لم يكن فيهما من قبل.

«هذا خط أبي»، قال ببساطة موجعة.

«أعرف. لم أره من قبل، لكن الحرف الأخير واضح».

«لماذا كذبتِ علي؟»

«لأنني لا أعرفك. لأنك في المكتب مزقت شيكًا بيني وبين حياتي، لا بل أنا من مزقته، لكنك اتهمتني بأنني أبيع حكاية. ولأن في هذا البيت من عبث بشقتي، ولا أدري من يكون منكم». رفعت ذقنها رغم ارتعاش صوتها. «أنا آسفة يا أدهم. لكني لم أكن أعرف».

لأول مرة ناداها بغير لقب. «ليان». كان الاسم في فمه غريبًا ثقيلًا، كأنه يتعلم نطقه. «أنا لم أكن أعرفك أيضًا حين اتهمتك. وأنا لا أعتذر عن الحذر، لكني أعتذر عن الطريقة».

لم تتوقع منه ذلك. حدقت فيه ولم تجد ما تقول.

أعاد قراءة الورقة، ثم تمتم: «المفتاح حيث يدق الزمن». رفع رأسه ببطء، والتفت نحو الركن المظلم حيث تقف الساعة الجدارية الضخمة ساكنة منذ ثمانية أشهر. «لا يمكن».

«ما الأمر؟»

نهض ومشى نحو الساعة كأنه يمشي في حلم. «حين كنت صغيرًا كان أبي يلعب معي لعبة الكنز. يخبئ شيئًا في هذه المكتبة ويترك لي لغزًا. وكنت أجد كل شيء، إلا شيئًا واحدًا لم أستطع أن أجده أبدًا. قال لي إنه في المكان الذي يعرفه الزمن وحده».

تبعته ليان. فتح أدهم الباب الزجاجي الأمامي للساعة، حيث يتدلى الرقاص الساكن كسيف نائم، ثم مد يده إلى الجانب الأيمن من الصندوق الخشبي. بحث بأصابعه عن شيء، ثم توقف. «هنا».

ضغط على لوح صغير من الخشب، فانزلق إلى الداخل بصوت خافت وانفتحت فجوة ضيقة في جدار الصندوق، بالكاد تتسع لكف. أدخل أصابعه فيها، وخرجت منها قطعة معدنية صغيرة ملفوفة بشريط لاصق قديم. فك الشريط بحذر، فبرق في كفه مفتاح فولاذي صغير، رقيق، كأنه مفتاح خزانة أو درج.

نظر إليه، ثم إليها. ولم يقولا شيئًا. كان قربهما في تلك اللحظة مفاجئًا؛ كتفه يلامس كتفها تقريبًا، وأنفاسهما مضطربة، ونور المصباح يرسم ظلين متداخلين على الجدار. لاحظت ليان رعشة صغيرة في يده التي تحمل المفتاح، ورأت أنه رآها وهي تلاحظ. فتراجع خطوة، ورفع رأسه، وعاد وجهه الصارم إلى مكانه كأن شيئًا لم يحدث.

«لا نعرف ما الذي يفتحه»، قال بصوت أجش.

«لكنه شيء كان أبوك يريد أن يجده أحد بعده».

«أو شيء كان يريد أن يخفيه عن الجميع».

«أو الاثنان معًا».

نظر إليها بعمق، وقال: «ليان، لا أحد يعرف بهذا المفتاح غيري وغيرك. لا أحد من العائلة، لا عمتي، ولا جلال، ولا صابر. حتى نعرف ما الذي نواجهه».

«حتى جلال؟» سألت بحذر.

لم يجب مباشرة. «عمي جلال كان إلى جانب أبي طوال عمره. ولا أستطيع أن أتصور...» توقف. ثم قال بصوت أخفض: «لكني لا أستطيع أن أتصور أيضًا كيف علم بالنتيجة قبل أن تظهر».

أطبق أصابعه على المفتاح، ثم مد يده وأعاده إلى كفها. «احتفظي به. أنت من وجدت الورقة، وأنت من تستحقين أن تحمليه».

«ولماذا تثق بي فجأة؟»

نظر إليها بنظرة طويلة لم تعرف كيف تقرأها. «لأنك أعطيتني الورقة. وكان يمكنك ألا تفعلي».

ثم استدار نحو الباب. وقبل أن يخرج توقف وقال دون التفات: «كلي ما بقي من الطبق. وأخبريني في الصباح إن كنتِ تحبين الشاي بلا سكر أم لا. لا أحب أن أخطئ في هذا مرتين».

خرج. وبقيت ليان واقفة وسط القاعة الصامتة والمفتاح الصغير بارد في كفها، وعلى فمها ابتسامة لم تعرف من أين جاءت. ثم سمعت، من الممر خلف الباب نصف المفتوح، صوتًا خافتًا مثل احتكاك قماش بالجدار. تجمدت ابتسامتها. أسرعت إلى الباب وفتحته، فلم تجد أحدًا.

كان الممر مظلمًا ساكنًا، وفي الهواء رائحة عطر ثقيل تعرفه، رائحة لم تشمها من قبل إلا مرة واحدة، في ردهة القصر، حين مرت نوال بجوارها على الدرج.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الوريثة السرية    الفصل السادس

    الفصل السادس: فارسبعد أسبوع من العثور على المفتاح، لم يكن شيء قد تغير في ظاهر القصر، ومع ذلك كان كل شيء قد تغير. صارت ليان تحمل المفتاح في سلسلة رقيقة تحت ثيابها، وصارت تجد نفسها كل مساء أمام باب المكتبة تنتظر خطوات لا تعترف أنها تنتظرها. وكان أدهم يأتي، لا ليسألها عن الوثائق كما يقول، بل ليسأل عن كتاب أو عن مخطوط أو عن طريقة ترميم الجلد. ثم يبقى ساعة، ويجلس قبالتها بصمت، ويقرأ في كتاب لم تره يقلب صفحة منه.لم يتحدثا عن الورقة ولا عن الساعة. كان بينهما اتفاق صامت على أن تبقى هذه الأمور بين جدران المكتبة. لكن ليان كانت تعرف أن الوقت يضيق. كانت تشعر بأن ثمة من يراقب ويحسب، وأن من عبث بشقتها لا يزال قريبًا.في صباح السبت جاءها أدهم في المكتبة على غير عادته، وبدا عليه ضيق من يحمل خبرًا لا يريده.«الليلة حفل الذكرى الثامنة والثلاثين لتأسيس المجموعة»، قال. «يقام في حديقة القصر كل عام، ويحضره الشركاء والمساهمون وكبار رجال الأعمال».«وما شأني بذلك؟»«عمي جلال أصر على أن تحضري».رفعت رأسها عن المجلد الذي كانت تعالجه. «ولماذا يصر على ذلك؟»«يقول إن إخفاءك سيثير أسئلة أكثر من ظهورك. وللأسف، الح

  • الوريثة السرية    الفصل الخامس

    الفصل الخامس: العشاء الذي لم يُؤكلمضى اليوم كله وليان تشعر بالورقة المطوية في كمّها كجمرة صغيرة. حاولت أن تعمل، لكن أصابعها كانت تخطئ مواضع الملاعق الرقيقة، وعيناها تعودان كل لحظة إلى الأرفف كأنها تتوقع أن يخرج منها من يخبرها ما معنى الجملة التي قرأتها. المفتاح حيث يدق الزمن. وتلك العبارة الأخرى: لقد أخطأت حين صمتّ. أي صمت؟ ومن الذي اتبع خطأه بهذا الأسى المتأخر؟حل المساء وانطفأت الأضواء في القصر واحدًا بعد آخر. أشعلت ليان المصباح النحاسي على طاولة الجوز، وبقيت جالسة أمام كتاب لم تعد تراه. لقد كذبت على أدهم، هذا ما كان يضغط على صدرها أكثر من أي شيء آخر. كذبت على رجل لم يفعل لها حتى الآن إلا ما يفعله رجل يحمي بيته، وإن فعله ببرود وكبرياء. ثم تذكرت فتات الأثاث في شقتها المهشمة، وتذكرت عبارة أمها عن الابتسامات، فاستقرت يدها على كمّها بقوة.انفتح الباب بلا طرق، دخل أدهم، وقد خلع سترته ورفع كمّي قميصه، يحمل في يديه صينية عليها طبق من الأرز واللحم وكوب ماء. وضعها على الطاولة بصوت أعلى مما قصد، ثم وقف أمامها متصلبًا كأنه ضبطها متلبسة بجريمة.«لم تأكلي منذ الصباح»، قال.«من قال لك؟»«صابر. و

  • الوريثة السرية    الفصل الرابع

    الفصل الرابع: المكتبةلم تنم ليان تلك الليلة، كانت غرفتها في الجناح الشرقي فسيحة كشقتها كلها، بسرير عريض وستائر ثقيلة ونافذة تطل على الحديقة، لكنها بقيت جالسة على حافة السرير، والصندوق الخشبي في حجرها، تنصت لكل صرير في الممر. أغلقت الباب بالمفتاح مرتين، وسحبت مقعدًا إلى ما خلفه، ثم ضحكت من نفسها ضحكة قصيرة مرة. لقد صارت تتصرف كما كانت أمها تتصرف طوال حياتها، وفهمت لأول مرة كم يكلف الخوف من عمر.في الصباح جاء طبيب أنيق بحقيبة سوداء صغيرة، وأخذ عينة من فمها بعود قطني معقم، ثم انتقل إلى جناح نوال. وقفت ليان في الممر ترقب. سمعت نوال تعترض بصوت رفيع متهكم، وسمعت أدهم يجيبها بكلمات قليلة حازمة، ثم ساد الصمت. وبعد دقائق خرج الطبيب وهو يحمل ثلاثة أنابيب صغيرة، وخلفه جلال، يصفق بكفيه ويقول بمرح مبالغ فيه: «أنا مستعد لأي تحليل في العالم. الحق أبلج والباطل لجلج، كما يقولون!»على مائدة الإفطار اجتمعت العائلة. جلس أدهم في صدر المائدة يقرأ في هاتفه ولا يرفع رأسه، وجلس جلال إلى يمينه يتحدث عن أسعار الأسهم بحماسة، وجلست نوال إلى يساره تقلّب الشاي بملعقة صغيرة دون أن تشربه. ووجدت ليان نفسها في المقع

  • الوريثة السرية    الفصل الثالث

    الفصل الثالث: تحت سقف واحدحين وصلت ليان إلى بنايتها في الدرب الأحمر كانت أم حسن تقف على السلم تعصر طرف وشاحها بين أصابعها، وحولها جيران تجمعوا بفضول خائف. لم تلتفت إلى أحد. صعدت الدرجات قفزًا، وخلفها زياد بخطوات هادئة لا تخطئ طريقها، حتى بلغت الباب. كان مخلوعًا من مفصله الأعلى، متدليًا كأنه فك مكسور، وفي الداخل كانت الشقة التي ألفتها منذ طفولتها قد تحولت إلى جثة منهوبة.الفراش مشقوق من أوله إلى آخره، والصوف يتناثر على الأرض كالثلج. أدراج الخزانة مقلوبة، وثياب أمها مرمية في أكوام، والكتب سُحبت من رفوفها وفُتحت ثم أُلقيت على وجوهها. حتى علب التوابل في المطبخ أُفرغت على الرخام. وقفت ليان وسط ذلك كله، لا تستطيع أن تتحرك، وشعرت أن أنفاسها تتجمد في صدرها. لم يكن الأمر سرقة؛ كانت تعرف شكل السرقة. كان هذا بحثًا.«لا تلمسي شيئًا»، قال صوت من خلفها.استدارت فرأت أدهم عند الباب، بمعطفه الرمادي وربطة عنقه المنحلة قليلًا، وقد بدت على وجهه آثار سرعة لم يعتد أن يظهرها. لم تسأله كيف وصل بهذه السرعة، ولم تسأله لماذا جاء بنفسه؛ كان فيها من الإنهاك ما يمنعها من السؤال. دخل بحذر، ونظر إلى الجدران والأرض

  • الوريثة السرية    الفصل الثاني

    الفصل الثاني: الاتهامكان مكتب أدهم الراشد يشغل الطابق الأخير من البرج كله، قاعة واسعة جدرانها من زجاج يطل على القاهرة الجديدة كأنها خريطة منشورة تحت قدميه. لم يكن فيها من الزينة شيء؛ مكتب ضخم من خشب الجوز، وأريكتان من الجلد الأسود، ولوحة وحيدة لرجل مهيب بشاربين أبيضين نظراته تلاحق الداخل أينما سار. عرفت ليان أن هذا هو الجد عبد الرحمن، مؤسس المجموعة، وأحست بأن عينيه الجامدتين تحاسبانها قبل أن تنطق بكلمة.أشار أدهم إلى المقعد المقابل لمكتبه دون أن يرفع نظره عن الأوراق التي وضعتها أمامه. جلس خلف المكتب ببطء، وأخذ يقرأ عقد الزواج سطرًا سطرًا، ثم انتقل إلى الإقرار الموثق. كان يقرأ بوجه لا ينبئ بشيء، وكان الصمت في القاعة ثقيلًا حتى سمعت ليان دقات قلبها. وقف الرجل الذي استدعاه، وهو مدير الشؤون القانونية الأستاذ هشام السيد، إلى جوار مكتبه، رجل ستيني نحيل، يعدّل نظارته كل لحظة، ويتجنب أن تلتقي عيناه بعينيها.رفع أدهم رأسه أخيرًا وقال: «أين وجدتِ هذه الأوراق؟»«في صندوق خشبي تركته أمي. توفيت قبل ثلاثة أيام».«وأمك هي سميرة الرفاعي؟»«نعم».«وتزعمين أنها كانت زوجة عمي كمال».«لا أزعم يا سيد أده

  • الوريثة السرية    الفصل الاول

    الفصل الأول: صندوق الخشب لجنازة مهيبة، لم يرد ذكر لزوجة أو لولد. كأن الرجل خرج من الحياة بلا أثر.ثم كتبت «مجموعة الراشد» فانهالت عليها الصور؛ برج زجاجي شاهق في القاهرة الجديدة، ومؤتمرات صحفية، ورجل ثلاثيني حاد الملامح اسمه أدهم الراشد، يصفونه بأنه «الرئيس التنفيذي الصارم الذي لا يُجادَل». قرأت الاسم ببطء. ابن عمها إذن؟ لعله يعرف الحقيقة، أو لعله لا يعرف شيئًا.لم تنم تلك الليلة. وفي الصباح، صنعت لنفسها قهوة سوداء، وصوّرت الوثائق بهاتفها، وأرسلت الصور إلى بريدها الإلكتروني، ثم وضعت الأصول في حقيبة قماشية قديمة، وأخفت الصندوق الخشبي خلف خزانة المطبخ. شيء ما في تحذير أمها جعلها تتصرف كأن أحدًا يراقبها.حين غادرت البناية، لمحت سيارة سوداء واقفة عند الزاوية، ومحرّكها يعمل بلا حركة، ونوافذها معتمة. لم يكن هناك ما يدعو إلى الريبة؛ سيارات كثيرة تقف في هذا الحي. لكنها لاحظت أن السيارة لم تكن هناك أمس، وأن أحدًا لا يترك محركه يعمل نصف ساعة بلا سبب. ضمّت حقيبتها إلى صدرها، وأسرعت نحو الشارع الرئيسي، وأوقفت سيارة أجرة.طوال الطريق إلى القاهرة الجديدة كانت تراقب المرآة الجانبية. لم تظهر السيارة ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status