LOGINالفصل السادس: فارس
بعد أسبوع من العثور على المفتاح، لم يكن شيء قد تغير في ظاهر القصر، ومع ذلك كان كل شيء قد تغير. صارت ليان تحمل المفتاح في سلسلة رقيقة تحت ثيابها، وصارت تجد نفسها كل مساء أمام باب المكتبة تنتظر خطوات لا تعترف أنها تنتظرها. وكان أدهم يأتي، لا ليسألها عن الوثائق كما يقول، بل ليسأل عن كتاب أو عن مخطوط أو عن طريقة ترميم الجلد. ثم يبقى ساعة، ويجلس قبالتها بصمت، ويقرأ في كتاب لم تره يقلب صفحة منه. لم يتحدثا عن الورقة ولا عن الساعة. كان بينهما اتفاق صامت على أن تبقى هذه الأمور بين جدران المكتبة. لكن ليان كانت تعرف أن الوقت يضيق. كانت تشعر بأن ثمة من يراقب ويحسب، وأن من عبث بشقتها لا يزال قريبًا. في صباح السبت جاءها أدهم في المكتبة على غير عادته، وبدا عليه ضيق من يحمل خبرًا لا يريده. «الليلة حفل الذكرى الثامنة والثلاثين لتأسيس المجموعة»، قال. «يقام في حديقة القصر كل عام، ويحضره الشركاء والمساهمون وكبار رجال الأعمال». «وما شأني بذلك؟» «عمي جلال أصر على أن تحضري». رفعت رأسها عن المجلد الذي كانت تعالجه. «ولماذا يصر على ذلك؟» «يقول إن إخفاءك سيثير أسئلة أكثر من ظهورك. وللأسف، الحق معه». شد على أسنانه قليلًا. «سيعرفونك بصفتك باحثة ترمم مكتبة العائلة. لا أكثر، ولا يمكنك الحديث في أي شيء آخر». «أعرف. وسأحضر». نظر إليها لحظة، وكأنه يريد أن يقول شيئًا آخر ثم تراجع. «هل لديك ما ترتدينه؟» كان السؤال بسيطًا، لكن ليان أحست بحرارة تصعد إلى وجهها. «لا تقلق. سأتدبر أمري». ولم يكن لديها فستان. لكن في حقيبتها الصغيرة وجدت شيئًا كانت قد حملته معها في اللحظة الأخيرة دون أن تفكر لماذا: فستان قديم من الحرير الأخضر الداكن، كان لأمها في شبابها، احتفظت به سميرة في أعماق الخزانة ولم تلبسه قط. قضت ليان عصر اليوم تقصّر أطرافه وتوسع كتفيه بإبرة وخيط، وقد شعرت وهي تفعل ذلك بأنها تخيط شيئًا من أمها في نفسها. حين نزلت إلى الحديقة كان الليل قد هبط على القصر، وتعلقت بين الأشجار آلاف المصابيح الصغيرة كنجوم أسيرة، وعلت أنغام الكمان فوق همس الضيوف. كانت النساء يرتدين الحرير والألماس، والرجال بدلات سوداء تلمع، وكان الجميع يتحدثون بأصوات خافتة كأنهم في قاعة محكمة. وقفت ليان عند أول الدرج، وشعرت لحظة بأن كل العيون ستحاسبها على ثوب لا يشبههم. لكنها لم تر إلا عينين، كان أدهم يقف في وسط الحديقة محاطًا بمجموعة من الرجال، وقد توقف عن الحديث في منتصف جملة. التفتت رؤوس الرجال إليه ثم إلى حيث ينظر. ورأت ليان في عينيه شيئًا لا يشبه البرود الذي اعتادته؛ نظرة بطيئة، صامتة، كأن العالم كله انسحب وترك له فتاة واحدة بفستان أخضر عند أول درج. ثم استعاد نفسه، وقطب جبينه، وعاد إلى الحديث، لكن ليان رأته يخطئ في الكلمة التالية. «ليان؟» جاء الصوت من خلفها، صوت لم تسمعه منذ أسبوعين. التفتت فرأت شابًا في نحو الثامنة والعشرين، أسمر البشرة، بشوش الوجه، يرتدي بدلة داكنة بسيطة وربطة عنق مائلة قليلًا. كان يبتسم لها ابتسامة واسعة صادقة دفعت الدموع إلى عينيها دون إرادتها. «فارس!» تعانق الصديقان بحرارة قصيرة. كان فارس المنصوري زميل دراستها في كلية الآداب قبل أن يلتحق بكلية الحقوق، ثم صار محاميًا شابًا في مكتب بسيط في وسط البلد. وكان الشخص الوحيد، بعد وفاة أمها، الذي وقف إلى جانبها في الجنازة وأتم معها أوراق الدفن حين لم يكن لها أحد. «كيف دخلت إلى هنا؟» همست: «جئت مع أحد زملائي من المكتب الذي يمثل مساهمًا في المجموعة. وحين قرأت اسم الحفل عرفت أنك في هذا البيت. لم تردّي على مكالماتي ثلاثة أسابيع يا ليان، وكدت أجن». «آسفة. ظروفي تغيرت كثيرًا». «رأيت». ألقى نظرة سريعة على الحديقة. «أي أنك ضيفة عند آل الراشد؟ هل لهذا علاقة بالصندوق؟» خفضت صوتها أكثر. «ليس هنا. لا أستطيع الحديث الآن». فهم فورًا، ومال نحوها قليلًا. «حسنًا، لكن اسمعي هذا فقط. أرسلتِ لي صور الوثائق قبل أيام، فبحثت عن مكتب التوثيق. الأستاذ عبد الحميد الجندي توفي منذ خمسة عشر عامًا، وسجلاته نُقلت إلى مخزن الأرشيف في الجيزة. ذهبت لأطلب الاطلاع على سجل ذلك العام، فقالوا لي إن السجل أُخرج من الأرشيف قبل سنوات بتصريح خاص من أحد الورثة». «أي ورثة؟ ورثة الجندي؟» «لا. هذا ما لم أفهمه. التصريح كان باسم شخص من عائلة أخرى، لم يسمحوا لي بقراءة الاسم. لكني سأعرف. لدي صديق في الأرشيف». تجمدت ليان. سجل مفقود، وتصريح خاص، ومن يحمل نفوذًا يكفي لإخراجه. أحست بالليل يبرد حولها. قبل أن تجيب، ضحك فارس بخفة وقال بصوت مسموع ليبدد جدية الحديث: «طبعًا، أنتِ لم تتغيري. تسألين عن الأسرار حتى في الحفلات!» فضحكت رغمًا عنها، وللمرة الأولى منذ أسابيع شعرت بخفة ما. ولم تنتبه إلى العينين الرماديتين اللتين تراقبانهما من الجهة الأخرى للحديقة. حين افترق فارس عنها ليحيي أحد زملائه، شعرت ليان بخطوات تقترب من خلفها. لم تحتج إلى أن تلتفت. «يبدو أنك وجدت من تضحكين معه»، قال أدهم بصوت منخفض، متحفظ أكثر مما ينبغي. «فارس صديق قديم، وزميل دراسة». «صديق قديم». كرر العبارة بنبرة جافة. «وهل يعرف عن... ظروفك؟» «يعرف ما ينبغي أن يعرفه صديق». «وما الذي ينبغي أن يعرفه؟» التفتت إليه ببطء. كان يقف على بعد خطوة، ويداه في جيبي بنطاله، وفكّه مشدود. وكان في سؤاله شيء أكبر من الفضول. ابتسمت ابتسامة صغيرة لم تستطع كتمانها. «سيد أدهم، هل أنت غيور؟» تصلب وجهه. «غيور؟ على ماذا؟ لا يعنيني من تضحكين معه». «حسنًا. إذن لا حاجة إلى الأسئلة». صمت لحظة. ثم قال بصوت خفيض لم يكد يسمعه أحد غيرها: «لا أحب أن يقترب منك شخص لا أعرف نواياه. هذه كل المسألة». «نواياه؟ فارس كان الوحيد الذي بقي بجواري حين رحلت أمي». «قد يكون». «وليس لك حق في تحديد من أتعامل معهم يا أدهم. أنا أمتن لحمايتك، لكني لم أمنحك قيادة حياتي». فتح فمه ليرد، ثم أغلقه. لم يجد ما يقول. كانت المرة الأولى التي رأته فيها عاجزًا أمام كلمة. لم تكن غاضبة، بل هادئة وواضحة، وكان هدوؤها أقسى من أي صراخ. وقف أمامها كرجل اكتشف في لحظة أن المشاعر التي حاول إنكارها منذ أسبوعين قد صارت أكبر من قدرته على إخفائها، وأنه لا يملك لها اسمًا يجرؤ على نطقه. «أنت محقة»، قال أخيرًا بصوت لم تعرفه. «لا حق لي». وفي تلك اللحظة رن صوت ملعقة على كأس بلوري، وساد صمت الحديقة. كان جلال يقف على منصة صغيرة وسط الحدائق، يرفع كأسه، وإلى جواره نوال بوجه حجري. ابتسم الرجل الضخم ابتسامته الدافئة، وبدأ كلمته بمرح مصطنع عن تاريخ المجموعة ونجاحاتها وعن الجد عبد الرحمن، ثم قال: «وأغتنم هذه المناسبة لأعرفكم بضيفة عزيزة على قلوبنا. الآنسة ليان الرفاعي، التي تتولى منذ أسبوعين ترميم مكتبة العائلة الثمينة». تحولت عيون الضيوف إليها، وأحست ليان بحرارة تلفح وجهها. «وأقول لكم إن من يعرف كيف يرمم الأوراق القديمة، يعرف كيف يعيد إلى أصحابها ما ضاع منهم. ومن يدري، يا أصدقائي، فقد تعيد هذه الفتاة ترميم أشياء أكثر مما نتصور». ارتفعت الكؤوس، وانفجرت تصفيقات مهذبة. أما ليان فشعرت بقشعريرة تسري في ظهرها. لم يكن في كلمات جلال ما يشبه التهديد، لكنه نظر إليها حين قال الجملة الأخيرة نظرة طويلة مباشرة، كمن يخبرها أنه يعرف تمامًا ما تحمله في عنقها. وفي الجهة المقابلة، رأت نوال تخفض كأسها دون أن تشرب. أمسك أدهم ذراعها بخفة، وهمس: «تعالي معي. الآن». لم تسأله. تسللا بين الضيوف، ثم عبرا الباب الجانبي إلى الممر الغربي. كانت الموسيقى تتلاشى خلفهما، وصوت خطاهما يتردد على الرخام. وحين بلغا المكتبة أغلق أدهم الباب خلفه بالمفتاح، وأسند ظهره إليه، ونظر إليها. «أخرجي المفتاح». «ماذا تنوي أن تفعل؟» «أن أعرف الآن لا غدًا. إن كان جلال قد قال ما قال لأنه يعلم ما نحمله، فلا وقت لدينا». أخرجته من تحت ثوبها، وتأملاه معًا. «هو صغير جدًا. لا يفتح بابًا ولا خزانة كبيرة». أطرقت ليان تفكر، ثم رفعت رأسها فجأة. «انتظر». مشت إلى الجدار الشمالي حيث الرف الأخير قرب الركن. «حين كنت أفهرس هذا القسم لاحظت شيئًا غريبًا. هذه الكتب لم أستطع إخراج أي منها. ظننت أن الرطوبة لصقتها بالخشب. لكن...» مررت أصابعها على ظهور الكتب الجلدية المتراصة، ثم ضغطت على ظهر منها. «إنها ليست كتبًا. ظهورها مزيفة، ألواح من الخشب المغطى بالجلد. لا يصنعها إلا من يريد إخفاء شيء وراءها». دفعت اللوح بكفها، فانزلق جانبًا بصوت خافت، وكشف عن باب صغير من الفولاذ في عمق الجدار، بحجم صندوق حذاء، وعلى وجهه ثقب مفتاح أنيق. نظر أدهم إليها بدهشة لم يخفها. «كيف رأيتِ ما لم أره طوال عمري؟» «الكتب هي مهنتي»، قالت بنصف ابتسامة مرتعشة. أدخلت المفتاح الصغير في القفل، وأدارته. انفتح الباب بنقرة ناعمة. وعندما نظرت إلى الداخل، تجمدت أنفاسها. كان الصندوق فارغًا، لم يكن فيه ورقة ولا ملف ولا غبار. ما أبقى الغبار هو آثار مستطيلة باهتة على أرضية الفولاذ، حيث كانت تستقر ملفات كثيرة ثم رُفعت. تقدم أدهم، وأمسك بالباب بإصبعين، وانحنى يفحص القفل بتمعن كمن يقرأ لغة سرية. ثم قال بصوت بارد جامد: «الخدوش حول الثقب. انظري». اقتربت. حول فم القفل كانت هناك خدوش رفيعة تلمع بلون الفولاذ الجديد، لا بلون المعدن الذي مر عليه عام كامل من الظلام. «هذه الخدوش لم تمر عليها أسابيع»، قال. «أحدهم فتح هذا القفل بغير مفتاحه، ومنذ وقت قريب جدًا. وأفرغه». «لكن المكتبة كانت مقفلة». «كانت مقفلة منذ وفاة أبي، ولا يملك مفتاحها إلا أنا وصابر». التفت إليها، ورأت في وجهه شيئًا لم تعرفه قبل ذلك، غضبًا بلا ضجيج، أبرد وأخطر من الصراخ. «ومن يعرف عن هذه الخزنة لا يمكن أن يكون غريبًا. الغريب لا يعرف أنها موجودة أصلًا يا ليان». سكت لحظة ثم أنهى جملته بصوت لم يرتفع، لكنه أصاب قلبها كسهم: «من أفرغها يعيش في هذا البيت».الفصل السادس: فارسبعد أسبوع من العثور على المفتاح، لم يكن شيء قد تغير في ظاهر القصر، ومع ذلك كان كل شيء قد تغير. صارت ليان تحمل المفتاح في سلسلة رقيقة تحت ثيابها، وصارت تجد نفسها كل مساء أمام باب المكتبة تنتظر خطوات لا تعترف أنها تنتظرها. وكان أدهم يأتي، لا ليسألها عن الوثائق كما يقول، بل ليسأل عن كتاب أو عن مخطوط أو عن طريقة ترميم الجلد. ثم يبقى ساعة، ويجلس قبالتها بصمت، ويقرأ في كتاب لم تره يقلب صفحة منه.لم يتحدثا عن الورقة ولا عن الساعة. كان بينهما اتفاق صامت على أن تبقى هذه الأمور بين جدران المكتبة. لكن ليان كانت تعرف أن الوقت يضيق. كانت تشعر بأن ثمة من يراقب ويحسب، وأن من عبث بشقتها لا يزال قريبًا.في صباح السبت جاءها أدهم في المكتبة على غير عادته، وبدا عليه ضيق من يحمل خبرًا لا يريده.«الليلة حفل الذكرى الثامنة والثلاثين لتأسيس المجموعة»، قال. «يقام في حديقة القصر كل عام، ويحضره الشركاء والمساهمون وكبار رجال الأعمال».«وما شأني بذلك؟»«عمي جلال أصر على أن تحضري».رفعت رأسها عن المجلد الذي كانت تعالجه. «ولماذا يصر على ذلك؟»«يقول إن إخفاءك سيثير أسئلة أكثر من ظهورك. وللأسف، الح
الفصل الخامس: العشاء الذي لم يُؤكلمضى اليوم كله وليان تشعر بالورقة المطوية في كمّها كجمرة صغيرة. حاولت أن تعمل، لكن أصابعها كانت تخطئ مواضع الملاعق الرقيقة، وعيناها تعودان كل لحظة إلى الأرفف كأنها تتوقع أن يخرج منها من يخبرها ما معنى الجملة التي قرأتها. المفتاح حيث يدق الزمن. وتلك العبارة الأخرى: لقد أخطأت حين صمتّ. أي صمت؟ ومن الذي اتبع خطأه بهذا الأسى المتأخر؟حل المساء وانطفأت الأضواء في القصر واحدًا بعد آخر. أشعلت ليان المصباح النحاسي على طاولة الجوز، وبقيت جالسة أمام كتاب لم تعد تراه. لقد كذبت على أدهم، هذا ما كان يضغط على صدرها أكثر من أي شيء آخر. كذبت على رجل لم يفعل لها حتى الآن إلا ما يفعله رجل يحمي بيته، وإن فعله ببرود وكبرياء. ثم تذكرت فتات الأثاث في شقتها المهشمة، وتذكرت عبارة أمها عن الابتسامات، فاستقرت يدها على كمّها بقوة.انفتح الباب بلا طرق، دخل أدهم، وقد خلع سترته ورفع كمّي قميصه، يحمل في يديه صينية عليها طبق من الأرز واللحم وكوب ماء. وضعها على الطاولة بصوت أعلى مما قصد، ثم وقف أمامها متصلبًا كأنه ضبطها متلبسة بجريمة.«لم تأكلي منذ الصباح»، قال.«من قال لك؟»«صابر. و
الفصل الرابع: المكتبةلم تنم ليان تلك الليلة، كانت غرفتها في الجناح الشرقي فسيحة كشقتها كلها، بسرير عريض وستائر ثقيلة ونافذة تطل على الحديقة، لكنها بقيت جالسة على حافة السرير، والصندوق الخشبي في حجرها، تنصت لكل صرير في الممر. أغلقت الباب بالمفتاح مرتين، وسحبت مقعدًا إلى ما خلفه، ثم ضحكت من نفسها ضحكة قصيرة مرة. لقد صارت تتصرف كما كانت أمها تتصرف طوال حياتها، وفهمت لأول مرة كم يكلف الخوف من عمر.في الصباح جاء طبيب أنيق بحقيبة سوداء صغيرة، وأخذ عينة من فمها بعود قطني معقم، ثم انتقل إلى جناح نوال. وقفت ليان في الممر ترقب. سمعت نوال تعترض بصوت رفيع متهكم، وسمعت أدهم يجيبها بكلمات قليلة حازمة، ثم ساد الصمت. وبعد دقائق خرج الطبيب وهو يحمل ثلاثة أنابيب صغيرة، وخلفه جلال، يصفق بكفيه ويقول بمرح مبالغ فيه: «أنا مستعد لأي تحليل في العالم. الحق أبلج والباطل لجلج، كما يقولون!»على مائدة الإفطار اجتمعت العائلة. جلس أدهم في صدر المائدة يقرأ في هاتفه ولا يرفع رأسه، وجلس جلال إلى يمينه يتحدث عن أسعار الأسهم بحماسة، وجلست نوال إلى يساره تقلّب الشاي بملعقة صغيرة دون أن تشربه. ووجدت ليان نفسها في المقع
الفصل الثالث: تحت سقف واحدحين وصلت ليان إلى بنايتها في الدرب الأحمر كانت أم حسن تقف على السلم تعصر طرف وشاحها بين أصابعها، وحولها جيران تجمعوا بفضول خائف. لم تلتفت إلى أحد. صعدت الدرجات قفزًا، وخلفها زياد بخطوات هادئة لا تخطئ طريقها، حتى بلغت الباب. كان مخلوعًا من مفصله الأعلى، متدليًا كأنه فك مكسور، وفي الداخل كانت الشقة التي ألفتها منذ طفولتها قد تحولت إلى جثة منهوبة.الفراش مشقوق من أوله إلى آخره، والصوف يتناثر على الأرض كالثلج. أدراج الخزانة مقلوبة، وثياب أمها مرمية في أكوام، والكتب سُحبت من رفوفها وفُتحت ثم أُلقيت على وجوهها. حتى علب التوابل في المطبخ أُفرغت على الرخام. وقفت ليان وسط ذلك كله، لا تستطيع أن تتحرك، وشعرت أن أنفاسها تتجمد في صدرها. لم يكن الأمر سرقة؛ كانت تعرف شكل السرقة. كان هذا بحثًا.«لا تلمسي شيئًا»، قال صوت من خلفها.استدارت فرأت أدهم عند الباب، بمعطفه الرمادي وربطة عنقه المنحلة قليلًا، وقد بدت على وجهه آثار سرعة لم يعتد أن يظهرها. لم تسأله كيف وصل بهذه السرعة، ولم تسأله لماذا جاء بنفسه؛ كان فيها من الإنهاك ما يمنعها من السؤال. دخل بحذر، ونظر إلى الجدران والأرض
الفصل الثاني: الاتهامكان مكتب أدهم الراشد يشغل الطابق الأخير من البرج كله، قاعة واسعة جدرانها من زجاج يطل على القاهرة الجديدة كأنها خريطة منشورة تحت قدميه. لم يكن فيها من الزينة شيء؛ مكتب ضخم من خشب الجوز، وأريكتان من الجلد الأسود، ولوحة وحيدة لرجل مهيب بشاربين أبيضين نظراته تلاحق الداخل أينما سار. عرفت ليان أن هذا هو الجد عبد الرحمن، مؤسس المجموعة، وأحست بأن عينيه الجامدتين تحاسبانها قبل أن تنطق بكلمة.أشار أدهم إلى المقعد المقابل لمكتبه دون أن يرفع نظره عن الأوراق التي وضعتها أمامه. جلس خلف المكتب ببطء، وأخذ يقرأ عقد الزواج سطرًا سطرًا، ثم انتقل إلى الإقرار الموثق. كان يقرأ بوجه لا ينبئ بشيء، وكان الصمت في القاعة ثقيلًا حتى سمعت ليان دقات قلبها. وقف الرجل الذي استدعاه، وهو مدير الشؤون القانونية الأستاذ هشام السيد، إلى جوار مكتبه، رجل ستيني نحيل، يعدّل نظارته كل لحظة، ويتجنب أن تلتقي عيناه بعينيها.رفع أدهم رأسه أخيرًا وقال: «أين وجدتِ هذه الأوراق؟»«في صندوق خشبي تركته أمي. توفيت قبل ثلاثة أيام».«وأمك هي سميرة الرفاعي؟»«نعم».«وتزعمين أنها كانت زوجة عمي كمال».«لا أزعم يا سيد أده
الفصل الأول: صندوق الخشب لجنازة مهيبة، لم يرد ذكر لزوجة أو لولد. كأن الرجل خرج من الحياة بلا أثر.ثم كتبت «مجموعة الراشد» فانهالت عليها الصور؛ برج زجاجي شاهق في القاهرة الجديدة، ومؤتمرات صحفية، ورجل ثلاثيني حاد الملامح اسمه أدهم الراشد، يصفونه بأنه «الرئيس التنفيذي الصارم الذي لا يُجادَل». قرأت الاسم ببطء. ابن عمها إذن؟ لعله يعرف الحقيقة، أو لعله لا يعرف شيئًا.لم تنم تلك الليلة. وفي الصباح، صنعت لنفسها قهوة سوداء، وصوّرت الوثائق بهاتفها، وأرسلت الصور إلى بريدها الإلكتروني، ثم وضعت الأصول في حقيبة قماشية قديمة، وأخفت الصندوق الخشبي خلف خزانة المطبخ. شيء ما في تحذير أمها جعلها تتصرف كأن أحدًا يراقبها.حين غادرت البناية، لمحت سيارة سوداء واقفة عند الزاوية، ومحرّكها يعمل بلا حركة، ونوافذها معتمة. لم يكن هناك ما يدعو إلى الريبة؛ سيارات كثيرة تقف في هذا الحي. لكنها لاحظت أن السيارة لم تكن هناك أمس، وأن أحدًا لا يترك محركه يعمل نصف ساعة بلا سبب. ضمّت حقيبتها إلى صدرها، وأسرعت نحو الشارع الرئيسي، وأوقفت سيارة أجرة.طوال الطريق إلى القاهرة الجديدة كانت تراقب المرآة الجانبية. لم تظهر السيارة ا







