INICIAR SESIÓN
وجهة نظر لينا
لم يتوقف قلبي عن الخفقان بعنف. ضغطتُ بكفّي على ركبتي مستويةً لعلّها تهدأ، لكن دون جدوى؛ إذ ظلت ساقي تهتز باضطراب، بينما يئن المقعد البلاستيكي تحتي مع كل حركة أقوم بها. رمقتني المرأة الجالسة على بُعد مقعدين مني بنظرة متفحصة أخرى. جاهلتُها تماماً. عضضتُ على ظفري وأنا أشخص ببتري إلى باب عيادة الطبيب. *ماذا لو جاءت النتيجة سلبية؟ ماذا لو كنت أتوهم كل هذا؟* تمتمتُ بصوت خافت: «أوه يا لينا، كفي عن هذا الهراء!» اعتدلتُ في جلستي، وأزحتُ يدي عن فمي، ثم وضعتُ كفيّ مستويين على فخذي وأخذتُ نفساً عميقاً. ست سنوات... ست سنوات وأنا أجلس في غرف تشبه هذه الغرفة تماماً؛ المقاعد البلاستيكية ذاتها، ورائحة المطهّرات النافذة، وصفير الأجهزة النابع من خلف الأبواب المغلقة، والانتظار المضني لخبر لم يأتِ يوماً كما أشتهي. ست سنوات وأنا أتردد على المستشفيات برفقة إيدن؛ أتجرد من ملابسي خلف الستائر، وأستلقي على أسرة مغطاة بالورق بينما يضغط الأطباء بأدواتهم الباردة على بشرتي. ست سنوات وأنا أحبس أنفاسي في صالات الانتظار، أدرب نفسي على كيفية تلقي الصدمات، وأوهم عقلي بأنني مستعدة للأسوأ. لكنني لم أكن يوماً مستعدة. وفي كل مرة، كان الأطباء يعيدون المعزوفة ذاتها: «لا يوجد خطب طبي لدى أيّ منكما... أعضاؤكما التناسلية سليمة تماماً». إذن، ما المشكلة؟ ما الكلمة التي تعبر عن شيء لا سبب له، ولا تفسير، ولا اسم، سوى أنه فراغ موجع في المكان الذي ينبغي أن يفيض بالحياة؟ كنتُ أعلم جيداً ماذا تسميه والدة إيدن. وكنتُ أعلم ماذا يسميه إيدن نفسه حين يظن أنني غارقة في النوم. كانت صالة الانتظار تموج بالحركة من حولي. طفل صغير في الصف الثاني يبكي بكسر، ذلك البكاء الفاتر المجهَد الذي نفدت منه الطاقة. مرت ممرضة بخطوات سريعة وهي تمسك بملف ملفات دون أن ترفع رأسها. وخلف أحد الأبواب المغلقة، كان جهاز ينبض بإيقاعه المنتظم والبارد. أما زوجي—الذي كان يفترض به أن يكون سندي في هذه الرحلة—فقد تحول إلى أعتى خصومي وأعلى الأصوات نكداً عليّ. لم يقف يوماً في وجه أمه وهي تمطرني بوابل من الإهانات، بل كان يقف ناظراً دون أن ينبس ببنت شفة. ولم يكتفِ بذلك، بل كان يجلب النساء إلى بيتنا—نساء مختلفات على مر السنين—إلى فراشنا، ويتحداني أن أنطق بحرف. ولم أكن أنطق. بقيتُ معزولة، لأنني لم أكن أعرف لي وجهة أخرى. لأنني كنتُ أمني نفسي دائماً بأنني لو صمدتُ قليلاً بعد، فستتغير الأحوال. وفجأة، تحرك باب عيادة الطبيب معلناً فتحه. قفزتُ واقفة على قدمي قبل أن يخطو خطواته الأولى نحوي. تقدم عبر الغرفة وابتسامة تعلو محياه، ماداً يده اليمنى وهو يحمل مظروفاً بنياً. قال بلهجة دافئة: «هذه هي نتائج فحوصاتك يا سيدتي». ترددتُ لبرهة لا تتعدى الثانية، ثم أخذتُه منه. «شكراً لك يا دكتور». أومأ بألفة، ثم استدار وعاد إلى مكتبه. جلستُ ببطء. كان المظروف يتقلب بين يدي. حدقتُ في اسمي المدون على واجهته: *السيدة لينا نورمان*، وقد لطخ الحبر حرف اللام قليلاً. توقف الطفل عن البكاء، واستمرت الأجهزة في صفيرها، وعادت الممرضة تحث الخطى في الاتجاه المعاكس دون أن تلتفت. كانت يداي ترتجفان. أغمضتُ عينيّ، واستنشقتُ الهواء عبر أنفي ببطء وعمق، حَبستُه لثوانٍ، ثم أخرجتُه. كانت هذه حيلة علّمتُها لنفسي منذ سنوات، حين كنتُ أؤمن بأن التحلي بالهدوء والصبر والاستكانة كفيلٌ بأن يقلب الموازين في النهاية. فتحتُ عينيّ. شقتُ المظروف. كانت الورقة مطوية إلى ثلاثة أجزاء. سحبتُها بحذر، وفردتُ الجزء الأول، ثم الثاني... وبدأتُ أقرأ. ضُببت الكلمات أمام عينيّ. أعدتُ قراءة السطر مجدداً. ثم أعدتُه مرة ثالثة. وجدتُ نفسي واقفة على قدمي دون أن أدرك كيف تحركت. خرجت من حنجرتي صيحة لم تكن رقيقة ولا خافتة، بل انشق لها الصمت وانعكس صداها على جدران الصالة. التفتت الرؤوس نحوي، وأطلت ممرضة من إحدى الأبواب، بينما سكت الطفل الصغير تماماً. كانت الدموع تتساقط من عينيّ كالمطر. خطفتُ حقيبتي والمظروف، وهرولتُ—بل ركضتُ—نحو المخرج. انفتحت الأبواب الزجاجية المزدوجة بقوة، واستقبلني هواء الشارع بصفعة دافئة. وضعتُ كفيّ على فمي لأكتم جأشي: «يا إلهي... أنا حامل!» تكسرت الكلمة وهي تخرج من صدري: «أنا حامل! بعد كل هذه السنين... أنا حامل أخيراً!» وقفتُ هناك على رصيف المستشفى، وأنا أبكي وأضحك في آن واحد، ذلك البكاء الفوضوي العارم الذي لا يستقر على حال. كانت الدموع تتساقط من ذقني، وصدري يعلو ويهبط، بينما يمر الناس من حولي عن اليمين وعن الشمال، ولم أعد أبالي بأحد منهم. بعد ست سنوات من نعتي بالعاقر... بعد ست سنوات من التحمل والصمت وتجرع الإهانات والتظاهر بأنها لا تصل إلى العظم... بعد ست سنوات مع زوج كان يرى أمه تؤذيني فيشيح بوجھه عني... أنا حامل. ولن يجرؤ أحد على إطلاق ذلك الوصف عليّ بعد اليوم. لا أحد. مسحتُ وجهي بظهر يدي، وشددتُ قامتي، ثم ضغطتُ المظروف إلى صدري مرة أخرى. واتجهتُ نحو سيارتي. قدتُ السيارة متجهة إلى البيت، وكانت يداي تقبضان على عجلة القيادة وقلبي لا يزال ينبض بقوة. كنتُ أستحضر المشهد في مخيلتي؛ كيف سأدخل من ذلك الباب، كيف سأخرج هذا المظروف، وكيف ستتغير ملامح إيدن... الندم، الصدمة، الاعتذار الذي يدين لي به عن كل سنة من الصمت، وعن كل امرأة جلبها إلى بيتنا، وعن كل مرة وقف فيها يرقب أمه وهي تمزق كرامتي. *اليوم سيتغير كل شيء.* انعطفتُ نحو الممر المؤدي إلى المنزل وأوقفتُ السيارة في المرأب. أطفأتُ المحرك، وجلستُ لبرهة أستجمع أنفاسي. كانت سيارة إيدن هناك. وإلى جوارها سيارة أخرى لم أعهدها؛ أنيقة، داكنة، وغريبة. تجاهلتُ الأمر، ونزلتُ من السيارة، وأصلحتُ ثيابي، ثم تقدمتُ نحو الباب الأمامي. فتحت ماريا الباب قبل أن تمس يدي المقبض، وأحنت رأسها بوقار: «مساء الخير يا سيدتي». ابتسمتُ لها—ابتسامة صادقة نابعة من القلب، لم أجد لها سبباً منذ زمن طويل—وقلت: «ماريا، كيف حالكِ؟» رمشت بعينيها دهشة، وكأن نفحة الدفء هذه باغتتها: «أنا بخير يا سيدتي، شكراً لكِ». ربطتُ على ذراعها برفاهية وأنا أعبر الباب، ثم دفعتُ باب الصالة. وصلتني الضحكات أولاً. ضحكات خافته ومسترخية، تتصاعد بين شخصين يشعران بالأمان التام في بيتهما. خطوتُ داخل الصالة وتوقفتُ مكاني. كانت حقائبي وصناديقي مكدسة على الأرض. كل حقيبة سفر، كل كيس، كل ما أملكه في هذا العالم كان مكوماً في منتصف الصالة كأمتعة تنتظر موعد الرحيل في صالة المغادرة. وكان إيدن يجلس على الأريكة. وتجلس امرأة على ركبتيه. كانت فاتنة الجمال، أدركتُ ذلك بالسرعة ذاتها التي تدرك بها دهم السيارات؛ شعر داكن طويل، وأظافر مصبوغة بالأحمر، وفستان يتجاوز ثمنه مصروفي الشهري بأكمله. كانت يدها تستقر على صدره، وهي تضحك ورأسها ميل إلى الخلف. وكانت يده تحيط بخصرها. وكان يشاركها الضحك أيضاً. لم يشعر حتى بدخولي. «أوه، في الوقت المناسب تماماً!» تهادى صوت حماتي من المقعد الوفير في الزاوية. كانت تجلس وقد عَقَدت قدميها وفي يدها كأس نبيذ، ترقبني كما يرقب القط طريدة محاصرة. «عادت الساحرة العاقر!» لم ألتفت إليها. لم أستطع إبعاد نظري عن زوجي، وعن المرأة التي تصعد ركبتيه، وعن حياتي بأكملها المكدسة في صناديق على الأرض. خفضت صوتها بنبرة مسمومة: «أيتها العاهرة... أنا أحدثكِ!» قطعت الغرفة بثلاث خطوات خطفت بها المسافة، ولطمتني بكفها على وجهي بضراوة جعلتني أترنح وأصطدم بالجدار. انطلق صوت اللطمة هادراً في أرجاء المكان، وتفشى الألم في خدي، صاعداً إلى فكي، ونافذاً إلى أذني. وضعتُ يدي على وجهي ونظرتُ إليها. كانت تبتسم. وكنتُ لا أزال أقبض على المظروف. أمسكتني من ذراعي وجرتني نحو الصناديق، ثم ألقَت بي أرضاً إلى جوارها. خرَجت كلماتي أخفتَ مما أردتُ: «إيدن... ما الذي يجري؟ من هذه؟ ولماذا حقائبي هنا؟» كان قلبي يدق بضراوة حتى كدتُ أعجز عن إخراج الحروف، وكان صدري يؤلمني وكأن شيئاً في داخله يتقطع إرباً إرباً. نظر إيدن إلى المرأة الجالسة على ركبتيه وقال: «حبيبتي، اجلسي هنا دقيقة، سأعود إليكِ فوراً». انسلت عنه دون عناء، وانتقلت إلى الطرف الآخر من الأريكة. جلستْ، وعقدت ساقيها، ثم ألقَت عليّ بنظراتها وابتسامة صابرة تزيّن وجهها. وقف إيدن. أصلح قميصه. ودسّ يديه في جيبيه وتقدم نحوي بخطوات وئيدة وكأنه لا يملك شيئاً يعجله. توقف على بُعد أقدام مني وهو ينظر إليّ وأنا مطروحة على الأرض. قال بنبرة باردة ومتحكمة، تلك النبرة التي كان يستخدمها حين يريد إفهامك أن الجدال قد انتهى: «لينا... أولاً، أنا لستُ إيدن الخاص بكِ. ثانياً، هل ترين هذه المرأة هناك؟» أمال رأسه نحوها: «هذه فانيسا... خطيبتي، وهي حامل». قالها دون أن ترمش له عين، ودون أن يطرف له جفن، وكأنه يلقي معلومة عابرة. تداعى عالمي تحت قدمي. كنتُ أرتجف، وأبكي، وأحاول أن أجمع شتات أفكاري، لكن الكلمات خانتني. انفتح فمي ولم يخرج منه شيء؛ فماذا عساكِ تقولين لست سنوات... ست سنوات من الحب، والتحمل، والتضحية لأجل شخص، حين تنتهي القصة بهذه البشاعة؟ تابع قائلاً: «وأنا انتهيتُ منكِ... أريدكِ أن تخرجي من بيتي». قالت أمه من خلفي: «نعم... اخرجي أيتها الحقيرة!» كان صدري، وعيناي، وجسدي بأكمله يحترق. وقفت فانيسا. تقدمت بخطوات بطيئة وجثمت أمامي. أمسكت بفكي بضغطٍ أحكمت فيه قبضتها، ورفعت وجهي نحوها. كانت قبضة حازمة ومتعمدة. ونظرت بعينيها الزرقاوين في عيني مباشرة. قالت بنبرة تكاد تكون رقيقة: «يا عزيزتي... كفي عن البكاء، فلن يفيدكِ في شيء». ثم أمالت رأسها وقالت: «هذا بيتي الآن. وأنا أحمل طفل إيدن، الشيء الذي عجزتِ عن تحقيقه لسنوات. اجمعي شتات نفسكِ واخرجي... لأنني إذا اضطررتُ لإعادتها عليكِ، فسأجعل الأمر أسوأ بكثير بالنسبة لكِ». تركت فكي ودَفَعتني إلى الخلف. فسقطتُ على الأرض. رفعتُ بصري نحو إيدن. كان يرقب المشهد مكتوف الذراعين، وبملامح لم تتغير، منتظراً أن أنهي هذه الدراما. كانت فانيسا تبدو فاتنة، متأنقة، ومتماسكة؛ شعر طويل، وثياب فاخرة، وثقة امرأة لم يُفرض عليها يوماً أن تشعر بأنها ضئيلة. وهأنذا على أرض بيتي، أبدو تماماً كما أُريد لي أن أشعر: حطاماً. انطلقت الكلمات من حنجرتي قبل أن أستطيع كبحها: «إيدن، أرجوك... أرجوك لا تفعل هذا، لقد أعطيتُك كل شيء...» وكنتُ أتحرك نحوه بمد يدي. تراجع إلى الخلف بسرعة وكأن لمستي ستصيبه بالحرق. قال بنبرة حادة وخافته: «إياكِ... إياكِ أن تتجرئي على لمسي! هل تستطيعين شراء هذا الحذاء؟ هل تستطيعين شراء هذا البنطال؟ هل تستطيعين إعالة نفسكِ ليوم واحد؟» ثم حدق فيّ وقال: «أنتِ لا تملكين شيئاً... أتيتِ إليّ بلا شيء، وستخرجين بلا شيء. قومي... واخرجي... ولا تطئي هذا البيت مجدداً». انطلقت ضحكة أمه عالية. بينما اكتفت فانيسا بالمراقبة. أردتُ أن أخبره. كان السر يجيش في حلقي: *أنا حامل يا إيدن... أحمل طفلك في أحشائي، انظر إلى هذا المظروف، انظر إليه!* لكنني ضغطتُ على شفتي بقوة وحبستُ الكلمات في صدري. لا. هو لا يستحق أن يعلم. لا يستحق هذا الطفل. ولن أسمح له بأن يسلب مني شيئاً آخر. أمسك بذراعي. وجرني نحو الباب بقبضة قاسية تركت أثراً من اللكمات على بشرتي. وكانت أمه وفانيسا خلفنا تجران صناديقي على الأرض وتلقيان بالحقائب أمامي. قلتُ وأنا أصرخ: «أنت تؤلمني... اتركني!» فتح الباب. وأطلق سراحي. فترنحتُ خارجة على الدرجات. وانهمرت صناديقي من حولي واحدة تلو الأخرى. وسرعان ما ضرب المطر جسدي، بارداً وثقيلاً، ليعصر ثيابي في ثوانٍ معدودة. وانغلق الباب. وكانت ضحكات أمه هي آخر ما سمعتُه. وقفتُ تحت المطر، وكل ما أملكه في هذا العالم مبعثر تحت قدمي، بينما المظروف مضغوط إلى صدري داخل حقيبتي. امسكتُ بمقبضي حقيبتين. وشددتُ قامتي. ومشيتُ. ازداد المطر هطولاً، وأظلم الشارع من حولي. لم أكن أملك وجهة، ولا مالاً، ولا عائلة... لا شيء سوى الرصيف المبتل تحت قدمي، وصوت صناديقي وهي تجر خلفي. لكنني كنتُ قد نطقتُ بكلمات على هذه العتبة. وكنتُ أعني كل حرف فيها. قلتُ بهمس، للمطر، وللظلام، وللاأحد: «سيندم على هذا... سيندمون جميعاً».وجهة نظر ليناسمحوا لي باحتضانه عند الساعة الثانية صباحاً...حملتْه الممرضةُ في وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة وتقدمتْ نحوي بدقة حذرة؛ كمن يحمل شيئاً لا يُعوض على الإطلاق! كانت تحركاتها متأنية ومحسوبة، ذاك الحرص الذي لا ينبع من الخوف، بل من الاستيعاب التام لما تحمله بين يديها وما يمثله هذا الكائن الصغير. وضعتْه بين ذراعيّ، وضبطت الأسلاك ووصِلات أجهزة المراقبة بكفاءة ممرَسة، ثم تراجعت إلى الخلف... وتوقف العالم بأسره!توقفتُ أنا كلياً...كل ما حملتُه على كاهلي طوال سبعة أشهر وأسبوعين... وكل ما حملتُه طوال ثماني سنوات قبل ذلك... موقف الحافلات، والمطر، والرصيف، وكف "مارغريت" وهي تلطم وجهي، وصوت "إيدن" وهو ينعتني بأنني لا أساوي شيئاً، وقاعة مجلس الإدارة، والبوابة، وكل شيء... كل جزء من هندسة العامين الأخيرين في حياتي تسللت إليه السكينة وسكن كلياً!لم يعد هناك سوى هذه اللحظة فحسب...سوى هذا الوجه!هذا الوجه الصغير الغاضب، المنكمش والمكتمل، الذي وصل قبل موعده بستة أسابيع كاملة، مع محاولتي التامة لاستيعاب أنه يحمل تجاهلاُ صريحاً لجداول الآخرين الزمنية، على طريقة عائلة موريسون المعهودة!كا
وجهة نظر ليناتسارعت الأحداث بسرعة مذهلة بعد ذلك...كان أبيل قد أخرج هاتفه بالفعل قبل أن أتمّم جملتي! وكانت يدا هنري تحيطان بذراعيّ؛ دافئتين، وثابتتين، وفي حركة سريعة وموجهة. أما كلير فكانت تقف عند الباب، بينما تراجع أعضاء الفريق القانوني إلى الخلف وهم يقفون على أقدامهم... وفي غضون ثلاثين ثانية فحسب، تحولت الغرفة التي كانت ملكي بالكامل إلى مجرد مكان يتعين علينا مغادرته فوراً!سألني هنري: «أيمكنكِ المشي؟»قلتُ: «نعم... أنا بخير، أنا فقط—»فباغتتني انقباضة أخرى أشد!لم أكن بخير كلياً...فاشتدت قبضة هنري على ذراعي، ولم ينطق بكلمة؛ بل اكتفى بالتمسك بي والتريث حتى انجلت نوبة الألم، وحين انقضت، تحرك بي نحو الباب بالكفاءة الهادئة لشخص حسم أمره بأن شيئاً لن يسوء تحت رقابته، وكان مستعداً لفرض هذا القرار بنفسه على العالم بأكمله إن لزم الأمر!وكان داميان ينتظر بالفعل في الرواق...تطلع إليّ مرة واحدة؛ تلك النظرة الفاحصة والشاملة التي تستوعب كل شيء وتفرزه بسرعة لا يبلغها معظم البشر في دقيقة كاملة! ثم أضحى يجري مكالمة عبر هاتفه، بصوت خفيض وحاسم... وكانت آلة مجموعة موريسون قد دارت بالفعل قبل أن يكتم
وجهة نظر ليناكان داميان يمسك الهاتف بالفعل حين دخلتُ...رفع إصبعه دون أن يتطلع إليّ، إشارةً منه لي بالتريث، وواصل مكالمته بتلك النبرة الخفيضة والمنضبطة التي يتحدث بها حين يملي تعليماتٍ واضحة تُنفذ بالحرف، ولا تحتمل النقاش أو التأكيد أو أيّاً من الأخذ والرد الذي يحتاجه بقية البشر ليستشعروا أن أصواتهم مسموعة.جلستُ قبالة مكتبه...وضعتُ حقيبتي على الأرض...وانتظرتُ.كانت يداي تستقران بثبات تام على ركبتيّ، وسجلتُ ذلك التفصيل بدقة؛ الثبات، وغياب تلك الرعدة التي اعترتني بعد اجتماع مجلس الإدارة حين غطى هنري يديّ بكفيه، وغياب أي مظهر يشبه الخوف... فقبل ساعتين فحسب، كنتُ أجلس قبالة "مارغريت نورمان" على كرسي بلاستيكي، وكانت يداي ثابتتين أيضاً!شيء ما قد تحول في داخلي...ولا أزال في طور اكتشاف ماهيته!أنهى داميان المكالمة، وضع الهاتف جانباً، وتطلع إليّ بتركيز تام ومباشر؛ ذاك الاهتمام الذي يمنحه لكل ما يستدعي معالجةً حاسمة.قال: «وصلت وثيقة الدعوى في الثانية والربع... المجلد الكامل بات لدى فريقنا القانوني. المزاعم تتلخص في التدخل غير القانوني في العلاقات التجارية، والإضرار العمدي، والتآمر لإلحاق
وجهة نظر ليناكان المقهى ممثلاً تماماً لما توقعتُه...صغيراً، مغموراً، من نوعية الأماكن التي تقبع في الفراغات المنسية بين الأحياء، لتقدم خدماتها لشخاص يحتاجون موضعاً يجلسون فيه لا مكاناً يُستعرض فيه حضورهم! كراسٍ بلاستيكية، وطاولات مغطاة بطلاء اصطناعي رخيص، ومِنَصّة تعلوها واجهة زجاجية للمخبوزات التي لا يشتريها أحد. بينما تنبعث من المطبخ الخلفي رائحة قهوة محترقة وأخرى لمقليات طاعنة، تتهادى في الهواء وكأنها استقرت فيه منذ سنوات وكفت عن محاولة الجلاء!قبل سبعة أشهر، ما كانت "مارغريت نورمان" لتطأ قدمُها عتبة هذا الباب...كانت ستكتفي بالتطلع إليه من خلف زجاج السيارة وتواصل طريقها!أما أنا، فدخلتُه بوقار وثقة كمن يملك المكان كلياً...وكانت هي هناك بالفعل!تجلس عند طاولة محاذية للنافذة، مما أنبأني بأنه وصلت مبكرة، ومفاد ذلك أنها كانت متوترة، ومفاد ذلك أيضاً إدراكي الكامل للهيكل الحالي لحياتها ومدى الأهمية التي يمثلها لها هذا اللقاء!تريثتُ لبرهة عند المدخل قبل أن تلمحني...بدت مسنة...لم تكن تلك المرأة الأنيقة المتماسكة التي وقفت في غرفة معيشة إيدن بتلك الابتسامة على وجهها، ويديها المعقودتي
وجهة نظر ليناوصلت الرسالة في صباح يوم الثلاثاء...أحضرتها "جيد" مع باقي المراسلات، ووضعتها على زاوية مكتبي دون تعليق ثم انصرفت. كانت مكتوبة بخط اليد، بحبر حقيقي على ورق فاخر ثقيل كريمي اللون، من ذاك الورق الذي يصرخ: *«لقد كنتُ أملك المال يوماً، وأريدكِ أن تتذكري ذلك!»*أما الخط، فقد عرفتُه في التو واللحظة...مارغريت نورمان!استندتُ إلى ظهر كرسيي وتطلعتُ إلى المظروف لبرهة. استقرت كفي على بطني دون تفكير؛ تلك الحركة التلقائية التي أضحت غريزة ثانية لديّ خلال الأسابيع الأخيرة، حيث كانت بروز بطني الصغير يرتسم صالباً وحقيقياً تحت راحة كفي.التقطتُ المظروف وفتحتُه...كتبت تتوسل وتقول إنها خسرت كل شيء!البيت قد ذهب؛ بيع لسداد الديون التي تراكمت على إيدن قبل الانهيار. ودائرتها الاجتماعية تبخرت بالطريقة ذاتها التي تتلاشى بها الدوائر الاجتماعية حين يختفي المال؛ بهدوء، ودون إبداء أسباب، كفوا ببساطة عن الاتصال! وهي تعيش الآن في شقة متواضعة في منطقة من المدينة ما كانت لتفكر في زيارتها حتى قبل سبعة أشهر!كتبت تقول إنها تدرك أنها تصرفت بأسلوب "مريع"!تلك الكلمة... *"مريع"*... كانت تقبع في منتصف الصفح
وجهة نظر ليناكان الدفء يغمر غرفة المعيشة...ألقت المصباح بضوء خافت ناعم عبر طاولة القهوة، بينما تواصل خرير النافورة في الخارج، واستقر القصر في سكونه اللطيف المعهود للهزيع الأخير من الليل. كان ماركوس يجلس قبالتي، وقد أغلق ملفه الآن، ويداه مسترخيتان، ولم يحاول أن يملأ السكون بأي كلام...بل ترك الصمت يسود كما هو.لم أكن أدرك مدى حاجتي لهذا الصمت إلا حين أويتُ إلى رحم دفئه!وبعد برهة، قلتُ: «لقد جاء ليعتذر...»تطلع إليّ ماركوس دون أن ينطق بكلمة.قلتُ مسيطرةً على نبرتي لتبقى متزنة: «إيدن... كان يقف عند تلك القضبان الحديدية، ونطق بكل ما كان يجدر به قوله منذ سنوات! تحدث عن أمه، وعن فانيسا، وعن الليلة التي ألقى بي فيها خارج المنزل...» صمتُ لبرهة وتابعتُ: «قال إنه يدرك حجم ما اقترفه... كل تفصيلة فيه!»«وماذا كان ردكِ؟»«أخبرتُه بأنني أسمعه...» التقيتُ بعيني ماركوس مباشرةً وأردفتُ: «ثم أخبرتُه بأن ذلك لا يغير من الواقع شيئاً!»لاح شيء ما في ملامحه... هادئ... ومترسخ.سألني: «وكيف تقبل ذلك؟»«بالطريقة ذاتها التي يتقبل بها الرجال من أمثال إيدن الأمور التي لا يسعهم الجدال حولها...» تطلعتُ إلى يدي







