Share

الفصل الثاني

Author: Priscilla
last update publish date: 2026-08-05 08:20:07

وجهة نظر لينا

كانت منتصف الليل تطرق الأبواب تقريباً، وأنا لا أزال هائمة في الشارع.

كانت المدينة تخمد حول حركتها؛ أصوات المحركات تتوارى شيئاً فشيئاً، وأضواء المتاجر تنطفئ واحداً تلو الآخر، وآخر العابرين يهرولون بخطوات حثيثة، وقد انتكست رؤوسهم وارتفعت ياقات معاطفهم، دون أن يجرؤ أحد على النظر في وجه الآخر.

ولم يكلف أحد نفسه مشقة النظر إليّ أيضاً.

كنتُ وحدي... حقائبي تصطدم بالرصيف المبتل، ووقع المطر يمتزج بصفير صرار الليل. هذا كل ما كان يحيط بي.

والغريب في الأمر... أنني لم أكن خائفة.

كان هذا هو الشعور الأشد غرابة؛ أن أسير بمفردي في جُنح الظلام، أجرّ ورائي كل ما أملكه في هذا العالم، دون أن أخشى أي خطب قد يصيبني هنا.

بل إنني كنتُ أمني النفس بحدوث شيء ما!

كنتُ أرجو أن يخرج من طيات الظلام كائن يضع حداً لكل هذا، لأن ألم البقاء على قيد الحياة واستمرار الشعور بهذه المرارة كان أشد قسوة من أي مصير قد يتخيله عقلي.

وفجأة... اقتحم هذا الشتات خاطرٌ فجائي.

الطفل!

هزني الفاطر كصفعة على الصدر؛ حدةً، ومباغتة، وإعادةً لإدراكي. فتوقفتُ عن السير في خطاي.

همستُ في المدى المظلم، بصوت مجهَد وتائه: «حتى لو لم يكن هناك أحد أعيش لأجله... سأحيا من أجلك أنت». وضعتُ كفي مستوية على بطني.

وقفتُ هناك لبرهة تحت زخات المطر.

ثم أعدتُ السير مجدداً.

مشيتُ لساعات...

لا أعلم تحديداً كم مضى من الوقت؛ إذ فقد الزمن قيمته منذ الساعتين الأوليين، حين بدأت قدماي تئنّان من الألم، واشتعلت ذراعاي وجعاً من جر الحقائب، وتسلل البرد عبر ملابسي ليمس بشرتي.

كنتُ مبتلة حتى النخاع، مجهَدة، ويأكلني جوعٌ خاوي النبرة تجاوز مجرد رغبة في الطعام ليتحول إلى ألم حاد يغثي النفس. كان شعري ملتصقاً بوجهي، وحذائي تشبّع بالماء حتى صرتُ أسمع حفيف المياه بين أصابعي مع كل خطوة.

واصلتُ المشي.

أن التوقف يعني الجلوس في مكان ما والاستغراق في التفكير، ولم أكن أملك رفاهية التفكير... ليس الآن على الأقل.

لا أريد التفكير في ملامح وجهه وهو يخبرني بالرحيل، ولا في الطريقة التي أمسكت بها فانيسا بفكي وكأنها تفحص بضاعة، ولا في الضحكات التي لا تزال تتردد في أذني حتى اللحظة، وكأنها خرجت معي من البيت والتصقت بي.

خفضتُ رأسي وواصلتُ السير.

وفجأة... لاح لي الملاذ.

مظلة موقف حافلات؛ صغيرة، ومسقوفة جزئياً، بثلاثة جدران وصف من المقاعد البلاستيكية في الداخل.

وكانت خاوية.

كدتُ أبكي مرأى المكان من شدة الارتياح.

همستُ لنفسي بصوت خافت وضعيف: «ليكن هذا المكان لليلة واحدة فقط... سيكفيني لهذه الليلة».

وصلتُ إلى هناك، سحبتُ حقائبي تحت السقف، وارتميتُ على المقعد. غمر الارتياح ساقي دفعة واحدة بمجرد الجلوس. انحنيتُ إلى الأمام واضعة مرفقيّ على ركبتي، وأخذتُ أنفساً عميقة.

كان المطر يقرع سقف الموقف بضراوة، والبرد يتسلل من الجانب المفتوح ليستقر في ثيابي المبتلة. كان جسدي بأكمله يرتجف، ليس من البرد فحسب، بل من ثقل المشاعر التي تراكمت في صدري منذ أن دخلتُ باب المنزل ورأيتُ حقائبي ملقاة على الأرض.

كان المشهد يعيد نفسه مراراً وتكراراً:

وجه إيدن حين نظر إليّ... جامداً، حاسماً، ومستغنياً.

كف والدته وهي تصطدم بخدي.

فانيسا وهي تجثو أمامي تمسك بفكي بعينين زرقاوين تطفحان بالثقة: *هذا بيتي الآن.*

أغراضي المكدسة كالقمامة المنتظرة لرفعها.

قبضتُ على يدي بضراوة.

وضغطتُ على أسناني حتى ألمني فكي.

«أنا أكره نفسي!» خرجت الكلمات من أعماقي صارخة وخام، تتردد بين جدران الموقف. ضربتُ المقعد بكفي... مرة، ثم مرتين: «سحقاً! أكره الرجال! وأكره الجميع!»

انكسر صوتي وتلاشى، فتركتُ لدموعي العنان.

استلقيتُ على المقعد البلاستيكي وبكيتُ؛ لم يكن بكاءً خافتاً ولا متماسكاً، بل كان بكاءً جارفاً يرج الجسد بأكمله، يعلو به صدري، ويحرق حنجرتي، وينبعث مني أصوات لم أعهدها في نفسي من قبل. بكيتُ حتى لم يعد في عينيّ دموع، وحتى تضاءلت الأصوات واستحالت إلى نَشيجٍ خافت ومجهَد.

ثم غبتُ في نوم عميق.

أفاقني شيء ما.

أصوات... حركة... وصوت عجلات تتدحرج على الرصيف.

فتحتُ عينيّ ببطء.

كان الضوء ساطعاً... إنه الصباح.

جلستُ فوراً، فشعرتُ بالألم ينهك جسدي بأكمله؛ رقبتي، وظهري، ووركي... المرارة الخاصة بلقضاء ليلة على مقعد صلب بملابس مبتلة. تمددتُ ووهنتُ، ثم مسحتُ عينيّ بظهر يدي.

لنصف ثانية فحسب... نَسيتُ كل شيء.

ثم عادت الذكريات تدافع كالسيل.

كل شيء.

أسقطتُ يدي ونظرتُ حولي.

لم يعد الموقف خالياً؛ كان الناس يتحركون في كل اتجاه... رجال ببدلات رسمية، ونساء يحملن حقائب، وأطفال بزي المدرسي يندفعون ويضحكون. وكان بائع جوال قد نصب بضاعته عند الزاوية.

وشخص ما يتحدث بصوت عالٍ عبر الهاتف على مقربة مني.

والحافلات تروح وتجيء بهدير محركاتها وأبواقها... صخب مدينة بكامل نشاطها.

وكان كل شخص يمر بالموقف يرمقني بنظرة متفحصة.

وبالطبع سيفعلون!

فقد كنتُ أجلس على مقعد عام وبجواري حقيبتان كبيرتان، أرتدي ملابس الأمس، وعيناي متورمتان كادت تغلقان، وشعري جاف متشعث في كل اتجاه. كنتُ أبدو تماماً كما أنا: امرأة لا مأوى لها.

اجتاحت الحمرة وجهي خجلاً.

أمسكتُ بأغراضي وغادرتُ المكان بسرعة، خافضة رأسي، متجنبة التقاء الأعين. لم أتوقف عن المشي حتى ابتعدتُ مسافة نصف شارع وأصبح الموقف خلفي.

هدّأتُ من خطاي.

ونظرتُ إلى نفسي.

كنتُ بحاجة إلى تنظيف نفسي، وبحاجة إلى طعام، وإلى عمل...

وكان عليّ تحقيق كل ذلك بلا مال، ولا معارف، ولا شيء أملكه سوى حقيبتين تصطدمان بي مع كل خطوة.

واصلتُ السير.

وبعد دقائق، أبصرتُ دورة مياه عامة على جانب أحد المباني. دفعتُ الباب، وحبستُ أنفاسي لتقليل الرائحة، وبدأتُ المهمة.

ماء بارد... مناشف ورقية... وعبوة صغيرة من غسول الجسم استخرجتها من حقيبتي. غسلتُ وجهي وجسدي بأسرع ما يمكن، وجففتُ نفسي بالورق الخشن، ثم ارتديتُ أَنظف ملابس أملكها. مشطتُ شعري بأصابعي، وقرصتُ وجنتيّ لعل الدموية تعود إليهما.

لم يكن التغيير كبيراً...

لكنه كان أفضل من لا شيء.

وقبل أن أنهي، طرق أحد الباب.

ناديتُ: «دقيقة واحدة من فضلك».

اعتدلتُ، وتفقدتُ مظهري لمرة أخيرة في المرآة المشروخة فوق الحوض—كنتُ بهيئة مقبولة نوعاً ما—ثم خرجتُ. لم يكد الرجل الواقف بالخارج يرمقني بنظرة.

وقفتُ على الرصيف ونظرتُ إلى امتداد الشارع.

كان هناك مطعم صغير على بُعد نصف شارع تقريباً؛ بسيط، بلا بهرجة، تعلو نافذته لافتة مكتوبة بخط اليد، وتظهر من خلال زجاجه طاولات بلاستيكية قليلة. وكانت رائحة البيض والقهوة تتضوع منه إلى الشارع.

جررتُ حقائبي ونحوه.

رن الجرس الملقى فوق الباب حين دخلتُ.

كان هناك خمسة زبائن أو ستة، يتجاذبون أطراف الحديث بصوت خافت، وصوت الأواني يتردد، وراديو يذيع لحناً لم أتبينه. وخلف المنضدة، كانت هناك امرأة تمسح صينية، بـ شعر داكن مرفوع إلى الخلف، تحركت بفكر وخبرة سيدة أمضت سنوات في هذا العمل.

رفعت رأسها حين سمعت وقع حذائي على الأرض.

مشيتُ نحوها مباشرة.

قلتُ بنبرة ثابته: «صباح الخير يا سيدتي... أنني أبحث عن عمل، أي عمل؛ تقديم الطعام، التنظيف، أو العمل في المطبخ... أي شيء تحتاجينه سأقوم به».

نظرت إليّ.

ثم إلى حقائبي.

ثم إلى وجهي الذي كان لا يزال يحمل آثار ليلة الأمس رغم كل الماء البارد الذي صببتُه عليه.

قالت: «لسنا بحاجة إلى عمالة». ثم استدارت ومشت مبتعدة قبل أن أنطق بحرف آخر.

وقفتُ عند المنضدة لبرهة.

ثم خرجتُ.

جلستُ على الجدار المنخفض خارج المطعم واستخرجتُ هاتفي. تصفحتُ أسماء المسجلين في هاتفي ببطء، اسماً تلو الآخر... أشخاص عرفتهم قبل زواجي بإيدن؛ أصدقاء قدامى، معارف، وقريبة لم أحدثها منذ سنوات.

اتصلتُ بكل واحد منهم.

بعضهم لم يرد، وبعضهم رد وساد الصمت حين شرحتُ ظروفي. وبعضهم أبدى أسفه—أسفاً صادقاً نطق به بصوت رقيق—لكنهم لم يستطيعوا المساعدة. وقالت إحداهن إنها ستعاود الاتصال بي... ولم تفعل.

وضعتُ هاتفي على ركبتي.

كانت الشمس قد ارتفعت وأصبحت حارقة.

مر الناس من أمامي دون أن يتباطؤوا. مرت مجموعة من طلاب المدارس وهم يضحكون بصخب، ولم يلاحظ وجودي أحد منهم وأنا أجلس هناك.

وضعتُ كفيّ على وجهي.

لقد حاولتُ...

غسلتُ وجهي، ودخلتُ ذلك المطعم، واتصلتُ بكل اسم أملكه، ولم أخرج بشيء! بلا عمل، بلا مال، وبلا سقف يئويني هذه الليلة. وخلف أضلعي، كان الجوع ينسل من مجرد ضيق إلى دوار حاد.

بدأتُ أبكي مجدداً.

لم أحاول حتى إيقاف الدموع. جلستُ على ذلك الجدار ويداي في حجري، وتركتُ الدموع تتساقط؛ فليس هناك من يرقبني أو يهتم لأمري على أي حال.

وبعد فترة، مسحتُ وجهي وقفتُ مجدداً.

أمسكتُ بحقائبي.

وواصلتُ المشي.

لا أعلم كم قطعتُ من المسافة؛ فقد اشتد الحر، وأصبحت الرؤية تتدبب عند حواف عينيّ.

كانت خطواتي غير متزنة، وأبطأ مما أردتُ. وكنتُ أسمع وجيب قلبي في أذني.

مال الرصيف بي...

مددتُ يدي لأمسك بأي شيء.

لم يكن هناك شيء.

أعادتني الضوضاء إلى الوعي.

صفير أجهزة... أصوات متداخلة وخافتة... وحركة قريبة مني.

فتحتُ عينيّ ببطء.

سقف أبيض... ستارة... أنبوب ينفذ في ظهر يدي، وجهاز بجوار السرير يرصد نبضي.

المستشفى.

حاولتُ الجلوس، فأمسكت يدا بساعدي—قبضة حازمة، ثابتة، ومباشرة.

لم أكن أعلم أن هناك أحداً معي!

انقبضتُ جانباً وضغطتُ جسدي نحو الحافة البعيدة للسرير.

كان هناك ثلاثة رجال يقفون بجواري.

طوال القامة... عراص الشبه... يرتدون بدلات فاخرة لم تأتِ من المتاجر العادية، بل من تصميم خاص لا ترى فيه غرزة خياطة.

ساعاتهم تلمع تحت الضوء. نوعية الرجال الذين لا يحتاجون إلى رفع أصواتهم؛ لأن المكان يعيد ترتيب نفسه بمجرد دخولهم.

لم أسمعهم حين دخلوا.

ولا أعلم كم مضى عليهم وهم يقفون هناك.

قلتُ بصوت جاف ومتهدج: «من أنتم؟ وماذا أفعل هنا؟ وكيف وصلتُ إلى هذا المكان؟»

تقدم أقربهم مني ورفع يديه ببطء، وقال بنبرة دافئة وغير مستعجلة: «على رسلكِ... لن نؤذيكِ. نحن من أحضرناكِ إلى هنا بعد أن أغمي عليكِ في الشارع».

صحتُ وأنا أبتعد أكثر نحو الحافة: «ابتعدوا عني! أنا لا أعرفكم... لا أعرف أحداً منكم!»

أطلت الممرضة عند الباب، بعد أن جذبها صوتي. أسرعت نحوي ووضعت يدها على كتفي:

«لا بأس يا سيدتي...» قالت بنبرة خافتة ومستقرة: «هم من نقلوكِ إلى هنا، ولم يغادروا منذ وصولكِ». ثم ربطت على كتفي: «أنتِ في أمان».

نظرتُ من خلفها إلى الرجال الثلاثة.

كان اثنين منهم يرقبانني بنظرات حذرة ومكثفة... نظرات تشبه إلى حد كبير التعرف على شخص ما. أما الثالث—الواقف في الخلف، داساً يديه في جيبيه، بوجه كأنه نُحت من صخر—فلم يتحرك ولم تتغير ملامحه منذ أن فتحتُ عينيّ.

كان هو الأخوف بالنسبة لي من الآخرين.

قالت الممرضة: «سأترككم للتحدث».

امتدت يدي فوراً للإمساك بها: «انتظري! طفلي... هل طفلي بخير؟»

التفتت إليّ وابتسمت: «طفلكِ بصحة جيدة وبخير يا سيدتي».

خرجت الأنفاس من صدري دفعة واحدة. استرخيتُ عائدة إلى الوسادة وضغطتُ كفي مستوية على بطني.

غادرت الممرضة.

وساد الصمت الغرفة.

نظرتُ إلى الرجال الثلاثة الواقفين على الجانب الآخر من السرير. ونظروا هم إليّ. وكان في طريقة نظراتهم ثبات وصبر، وكأنهم ينتظرون هذه اللحظة منذ زمن طويل... مما جعل شعر ذراعيّ يقف رعباً.

تقدم الرجل الذي حاول مساعدتي على الجلوس نحو حافة السرير. جلس بحذر، على مسافة محترمة، ونظر إليّ بملامح لم أستطع فك رموزها.

وسألني: «هل أنتِ لينا موريسون؟»

حدقتُ فيه ذهولاً.

لم يكن هذا اسم عائلتي بعد الزواج...

ولم يكن اسماً دُعيتُ به في حياتي قط.

ومع ذلك... كان الجزء الأول منه ملكي، بينما نزل الجزء الثاني في صدري كالمفتاح الذي يجد القفل المناسب الذي لم يكن يفترض به أن يفتحه.

قلتُ ببطء: «لماذا تسألني هذا السؤال؟»

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الوريثة الضائعة من عائلة موريسون    الفصل الرابع والخمسون

    وجهة نظر ليناحل عيد الميلاد بالطريقة التي تحل بها الأمور البهيجة في قصر آل موريسون؛ كاسحاً، ودون سابق إنذار، ودَفعة واحدة!لم يكن الأمر بغير إنذار بالمعنى الحرفي؛ فقد كان هنري يخطط له منذ شهر أكتوبر. وكنتُ على علم بذلك لأن جيد أدرجت ثلاثة مواعيد مستقلة في التقويم خلال شهر نوفمبر بعنوان "تنسيق عيد الميلاد"، ولأن هنري ظهر في مكتبي مرتين ليسألني عن تفضيلاتي بأسئلة بدت عادية في ظاهرها، لكنها كانت شديدة الدقة في جوهرها، وهو ما أجبته عنه متظاهرة بعدم ملاحظة ما كان يشيده.غير أن الصباح نفسه أطلَّ بالطابع الخاص لشيء يربو على كل التحضيرات التي سَبقته...نزلتُ إلى الطابق السفي في الثامنة لأجد بهو المدخل قد تحول كلياً!لم يكن مجرد تزين، بل تحول بالكامل... وكان لهذا الفارق أهميته؛ فالزينة شيء يُضاف إلى المكان من الخارِج، أما ما صنعه هنري فكان أمراً مختلفاً كلياً؛ شيئاً ينبع من الفهم العميق للمساحة التي يتعامل معها، فشيّد ما ينتمي إليها بطبيعته. أغصان الخضرة امتدت على طول درابزين السلم؛ زكية وناضرة، وعبيرها الفواح يبلغ أعلى الدرج قبل أن أصله.والأضواء كانت دافئة لا ساطعة؛ من ذلك النوع الذي يضفي ع

  • الوريثة الضائعة من عائلة موريسون    الفصل الثالث والخمسون

    وجهة نظر ليناحسم إيثان أمره مساء يوم الخميس، وقرر أن النوم لم يعد خياراً مقبولاً!كانت هذه الحنونية تتصاعد لديه منذ ثلاثة أيام؛ حالة من التمرد والتململ الخاص برضيع يملك شيئاً يريد إبلاغه، ولم يطور بعد حصيلة لغوية تعبر عنه، فتوسل بالوسائل المتاحة لديه... والتي انحصرت أساساً في حدة الصراخ والإصرار العجيب!وكان إصراره مذهلاً بحق...عدتُ إلى المنزل من الشركة في الخامسة والنصف، فأطعمته، وأجريتُ له طقوس الاستحمام بكامل تفاصيلها الدقيقة التي طورها هنري واعتمدتُها لأنها أتت أكلها، ثم حاولتُ تطبيق سلسلة التهجئة التي تؤدي عادة إلى نومه في غضون عشرين دقيقة.وبحلول الثامنة مساءً، كان إيثان ما يزال متيقظاً، وله رأي قاطع في الأمر!كان ماركوس قد جاء لتناول العشاء...وصل في السادسة والنصف محتضناً أطباقاً من المطعم الإيطالي... مطعم الزاوية، مطعمنا المفضل الذي لا يتكلف المظاهر، والذي أضحى خيارنا التلقائي حين يلزم إطعام الأفراد دون إحداث جلبة أو تحضيرات مطولة. كان هنري وأبيل كلاهما بالخارج، وكان داميان في مكتبه مستغرقاً بالتركيز الخاص برجُل في منتصف أمر يتطلب كامل آليات العمل المعتمدة لدى آل موريسون ول

  • الوريثة الضائعة من عائلة موريسون    الفصل الثاني والخمسون

    وجهة نظر لينااخترتُ يوم أسبوع... يوم أحد.لم يكن الاختيار عشوائياً؛ فقد أمضيتُ أسابيع أفكر في الوقت المناسب لسؤاله، أقلب فكرة التوقيت بين يدي كما يُقلب المرء غرضاً ثميناً زجاجياً، أبحث عن الزاوية التي تقي من التكسر والتلف.لم يكن داميان رجلاً يُقتحم حمى خلوته بغير تفكير؛ لم يكن بالذي تُباغته بالطلبات المحملة بالشجون في الصباحات المزدحمة، أو بين الاجتماعات، أو في أعقاب أيام استنزفت منه كل ما يملك.غير أن صباحات الأحد تمتاز بإيقاع مختلف...فالقصر ينبض بتردد مغاير يوم الأحد؛ فلا وجود لكلاير، ولا اجتماعات خارجية، ولا مكالمات لا تحتمل الإرجاء. فقط البيت والعائلة القابعة في أرجائه، مع الدفء الخاص لمساحة شاسعة يقطنها أناس اختاروا الاستراحة فيها لا مجرد العبور خلالها نحو غاية أخرى.وجدتُه في مكتبه عند العاشرة...كان يجلس إلى مكتبه، لكن الشاشات الثلاث كانت مطفأة؛ وهو ما يعد لرجُل كداميان الصورة الأحدية للاسترخاء... الشاشات مظلمة، وكتاب مفتوح بين يديه؛ تسوية لطيفة لرجُل لا يستطيع التوقف كلياً عن العمل، بل قرر أن القراءة تُحسب كإجازة.رفع عينيه حين دخلتُ...فجلستُ في المقابل منه.قلتُ له: «حدثن

  • الوريثة الضائعة من عائلة موريسون   الفصل الحادي والخمسون

    وجهة نظر ليناعلمتُ بشأن ذهاب رُوث دانييل لمقابلة داميان بالطريقة ذاتها التي علمتُ بها معظم الأشياء التي وقعت في هذا البيت حين لم أكن طرفاً فيها مباشرة... من هنري، في نهاية المطاف، وبعد انقضاء الحدث؛ وبأسلوب التنقيح الخاص لرجل فكّر بعناية في التفاصيل التي يملك حق روايتها، وتلك التي تخص غيره.أخبرني بالأمر صباح يوم ثلاثاء...كنا في المطبخ—ذاك الملاذ المعتاد لإنطاق الحقائق في عائلتنا؛ حيث يضفي تبسط المكان وخلوه من التكلف، وكونه مجرد مساحة لإعداد الطعام لا لممارسة أي ادعاء، سلاسة على الصدق مهما كانت الساعة.دخل هنري في السابعة والنصف إلا خمس دقائق بينما كنتُ أطعم إيثان، وأخذ يعد الشاي بالدقة والتركيز لشخص يبحث عن شغل ليديه وهو يتلفظ بأمر لم يحسم طريقة إلقائه بعد.قال: «أتت رُوث لمقابلة داميان...»رفعتُ عينيّ عن إيثان وسألتُه: «متى؟»سكب الماء في الإبريق وأجاب: «قبل ثلاثة أسابيع... قبل أن توافق على دعوتي للعشاء. جاءت إلى البيت وطلبت التحدث إليه مباشرة؛ لا عبر وسطاء، ولا برسالة أو تواصل موثق... بل بشخصها، في مكتبه، وسردت له كل شيء.»كنتُ أرقبه بنظرات ثابتة...وتابع هنري: «عرضت عليه طبيعة ا

  • الوريثة الضائعة من عائلة موريسون   الفصل الخمسون

    وجهة نظر ليناقطع أبيل الطريق إلى المستشفى في اثنتي عشرة دقيقة...أعلم ذلك لأن هنري تتبع مساره؛ لا عن تطفل، بل بدافع غريزة عائلية متأصلة لدى آل موريسون، تعلموا من خلالها أن يطمئنوا على بعضهم بعضاً حين يلم بساحتهم أمر جافِل... الغريزة ذاتها التي جعلت هاتف هنري بين يديه قبل أن تتجاوز سيارة أبيل البوابة الخارجية.أما بقيتنا فلبثنا عند طاولة العشاء...دون حرج أو ارتباك؛ إذ مضت أمور العشاء بالطريقة الخاصة التي تعتادها عائلتنا حين يقع طارئ يستوجب الاستيعاب؛ حيث تبدلت أطراف الحديث، وغدت أهدأ، ثم أخذت مجراها الطبيعي. ينظف ماركوس الأطباق دون أن يطلب منه أحد، وداميان يعيد سكب قهوته، بينما يتولى إيثان—الذي لم يدرك أن شيئاً قد تغير—استكشاف كرسيه الهزاز بالتركيز والإنشغال ذاتهما كما في السابق!كنتُ أراقب الباب...وهنري يرقب شاشة هاتفه...وفوق رقعة الساعة عند العاشرة إلا ثلاث دقائق، رفع رأسه وقال: «حادث سيارة... هي بخير، وإصاباتها طفيفة؛ وستخرج من المستشفى الليلة.»تنفس الصعداء، فسألتُه: «وأبيل؟»أجابني: «إنه هناك... إلى جوارها.»وكان ذلك حسبي...كان حسبي وزيادة لتلك اللحظة!غادر ماركوس في العاشرة.

  • الوريثة الضائعة من عائلة موريسون   الفصل التاسع والأربعون

    وجهة نظر ليناتحركت فانيسا في يوم الاثنين...بعد ثلاثة أيام فحسب من صدور الحكم، وبعد ثلاثة أيام من بدء الفريق القانوني لآل موريسون اتخاذ الإجراءات الرسمية ضد انتهاك اتفاقية عدم الإفصاح؛ بصمت، وشمولية، وبالميزة الخاصة لآل موريسون في التحرك المتقن دون إحداث ضجيج، حتى تكتمل الخطوة بالكامل.قصدت إحدى صحف التابلويد...الصحيفة ذاتها التي نشرت الشكوك الأولى حول نسب الطفل قبل أشهر، والتي التقطت لها صوراً مع الرجل الآخر وطرحت تساؤلات حول حملها. قصدتْهم بما وصفتْه بالقصة الكاملة؛ الحقيقة المجرّدة خلف صعود لينا موريسون، والأمور التي كُتمت عن الصحافة.ونقل أبيل الخبر إليّ مساء الاثنين...دخل غرفة الجلوس حيث كنتُ مع إيثان، الذي كان يجلس في كرسيه الهزاز، مركزاً بصرَه بشغف على نقطة محددة في السقف وكأنها تحوي معلومات على قدر كبير من الأهمية! جلس أبيل وفتح مجلده وأخبرني بما اقترفتْه فانيسا.أنصتُّ إليه ثم سألتُه: «ما الذي قدمتْه لهم؟»قال وهو يقلب صفحة: «نسخة من الأحداث صحيحة في بعض أجزائها، لكنها مضللة في جوهرها، وتتضمن ادعاءات عدة تناقضها السجلات الموثقة مباشرة.» وتابع: «إنها تصف اتفاقية عدم الإفصاح

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status