Share

الفصل الثاني

last update publish date: 2026-10-13 19:58:28

لم أنم تلك الليلة.

أعطتني أم يحيى غرفة في الطابق الثاني، في الجناح الغربي، نافذتها تطلّ على البحر وصخور الجرف. كنتُ أعرفها جيدًا: هي غرفتي القديمة حين كنتُ أعمل ممرضة في هذا القصر. نفس السرير ذي الأعمدة النحاسية، نفس الخزانة التي تصرّ عند فتحها، ونفس بقعة الرطوبة على السقف التي تشبه خريطة بلد لا وجود له.

كأن أحدًا أراد أن أعرف أنني لست غريبة هنا.

جلستُ على حافة السرير أستمع إلى العاصفة. كان الريح يعوي بين شقوق الأبراج، والأمواج تضرب الجرف بعنف يهزّ الزجاج. وكنتُ أفكر في الجملة الأخيرة التي قالتها فريدة: «وإحداكنّ تعرف جيدًا ما فعلت.»

ماذا فعلتُ أنا؟

قبل واحد وعشرين يومًا بالضبط، في الليلة التي سبقت وفاتها بأسبوع، دخلتُ هذا القصر خلسة عبر باب المطبخ الخلفي، وصعدتُ إلى الطابق الأخير، ووقفتُ أمام فريدة وهي مستلقية في فراشها. تبادلنا كلمات قليلة، ثم خرجتُ وأنا أرتجف. لم يرني أحد. لم أخبر أحدًا. وهذا بالضبط ما يجعلني أرتعب الآن.

كنتُ أحاول أن أعدّ ما أعرفه: ثلاثة أسماء لخادمات، وجدول الأدوية، ورقم هاتف طبيب لن يرد. لا شيء من هذا ينفع في قصر يتنفس كأنه حيّ، ويراقب نزلاءه بعيون الستائر.

في الثانية عشرة وعشر دقائق، دقّت ساعة القاعة الكبرى في الأسفل، وكان صوتها يتردد بين الأروقة كأنه نداء من بئر. وبعد الدقّة الثانية عشرة، سمعتُ شيئًا آخر.

صوت ورقة تنزلق تحت بابي.

نظرتُ إلى الأرض. مستطيل أبيض ينتصف الظلام، يلمع كشاهد قبر صغير. لم أتحرك لثوانٍ طويلة. ثم نهضتُ ببطء، وانحنيتُ، والتقطتُه.

بطاقة كريمية ثقيلة، بالورق نفسه الذي وصلني في الظرف الأول. وعليها، بحبر أسود وخط أنثوي أنيق أعرفه لأنني رأيته على عشرات الوصفات الطبية:

«واحدة منكنّ قتلت فريدة الحلواني.»

ابتلعتُ ريقي. فريدة سقطت من برج. شُرح الأمر، وأُغلق الملف. لكن هذه ليست الرسالة الكاملة، فعلى السطر التالي، بالخط نفسه:

«ولكن الجريمة لم تقع بعد.»

قرأتُ الجملتين خمس مرات. حاولتُ أن أفهم. كيف تُقتل امرأة ماتت؟ وكيف تكون الجريمة قد وقعت ولم تقع؟ هل هو لغز أحمق صنعته فريدة وهي حيّة؟ أم أن أحدًا يعبث بنا الليلة؟

وقبل أن أصل إلى أي جواب، سمعتُ الصرخة.

كانت من الطابق نفسه، من غرفة قريبة، صرخة امرأة مذعورة لا تُقلّد. ركضتُ في الممر بقدمين حافيتين، وفتحتُ الباب المجاور دون أن أطرق.

كانت جُمانة تقف عند النافذة وقد جمّدها الرعب، وفي يدها بطاقة مماثلة تهتز كورقة في الريح. وجهها شاحب تحت الشعر الأشقر المبعثر.

«هذه... هذه ليست مزحة،» همست. «من الذي يكتب هذا؟»

بعد ثوانٍ كان الممر قد امتلأ. ناهد في ثوب نوم حريري أسود، وفي يدها البطاقة ذاتها وعلى وجهها غضب بارد. هالة في بذلتها كأنها لم تخلعها قط، ترفع البطاقة أمام عينيها وتقرؤها بتمعّن. وورد على باب غرفتها البعيدة، لم تقترب، تنظر إلينا بعينين واسعتين وكأنها تنتظر أن ينقضّ أحد عليها.

«كلنا تلقّينا الرسالة نفسها؟» سألت ناهد.

رفعنا البطاقات الواحدة تلو الأخرى. كانت متطابقة تمامًا: الورق نفسه، والخط نفسه، والجملتان نفسهما.

«المرأة ميتة!» صاحت جُمانة بصوت مبحوح. «هذا لا معنى له! إما أن واحدة منا قتلتها، وإما أن...»

«إما أن أحدًا يريدنا أن نتصادم،» قاطعتها هالة بهدوء. «وهذا ما سيحدث إن واصلنا الصراخ.»

«وكيف دخلت البطاقات إلى غرفنا ونحن محبوسات؟» سألت ناهد وهي تلتفت نحو أم يحيى التي ظهرت في آخر الممر بمصباح زيت وشال رمادي.

لم تجبها المدبّرة فورًا. اقتربت ببطء، ونظرت إلى البطاقات واحدة واحدة، وكان وجهها كالصخر. «لا أعرف،» قالت أخيرًا. «كل الأبواب كانت مغلقة. أنا أغلقتها بنفسي.»

«إذن من داخل القصر.»

سكتنا جميعًا. كانت الفكرة تتسلل بيننا كدخان.

ثم قالت ورد، بصوتها الخافت الذي كاد يضيع: «ربما... ربما هي لا تزال هنا.»

«من؟»

«فريدة.»

ضحكت جُمانة ضحكة قصيرة هستيرية. «يا فتاة، المرأة ماتت. رأيتُ شهادة الوفاة على الأخبار!»

«رأيتِ الأخبار،» قالت ورد بهدوء مخيف. «لم ترَي الجثة.»

نظرتُ إلى هالة، فرأيتُ ما لم يكن في عينيها قبل لحظة: ارتباكًا سريعًا، كوميض ضوء في غرفة مظلمة، قبل أن تعيد قناعها. أذكر أنني سألتُ نفسي حينها: لماذا ارتبكت؟

في تلك اللحظة، رنّ الهاتف.

لم يكن هاتف أحدنا. كان جهازًا قديمًا أسود ثقيلًا مثبّتًا على جدار الممر، من تلك الأجهزة التي تربط غرف القصر بعضها ببعض. لم أنتبه إليه من قبل. رنّ مرة، مرتين، ثلاثًا، ورنينه يخترق الصمت كمسمار في العظم.

لم يتحرك أحد.

ثم، بحركة بطيئة، تقدّمت ناهد ورفعت السماعة. أطلقت أنفاسًا مرتجفة، وقالت: «ألو؟»

رأيتُ وجهها يتحول. الغضب انسحب منه، ثم السخرية، ثم حتى اللون. أصبحت كتمثال شمعي في ضوء المصباح. أنزلت السماعة ببطء، وتراجعت خطوة، ثم أخرى، حتى اصطدمت بالجدار.

«ماذا قالوا؟» سألتُ.

ابتلعت ريقها بصعوبة، وحدّقت فيّ بعينين واسعتين مذعورتين:

«قال إنه ما زال أمامنا تسعة وعشرون يومًا... وإن واحدة منكنّ ستموت قبل الأسبوع الأول.»

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الوصية التي اختارت قاتلها   الثلاثون

    لم يصرخ أحد. هذا ما أدهشني لاحقًا: أن الموت الذي انتظرناه ثلاثين ليلة لم يأتِ بضجة.جلستُ على الأرض بجانب كرسيها، أمسك يدها الباردة، وأنظر إلى الأمبولة الفارغة في أصابع هالة. كانت هالة واقفة بلا حراك، وحقيبتها السوداء مفتوحة على المائدة، ووجهها خالٍ من أي تعبير. ومن خلف الباب الصغير، انفتح باب المخزن ببطء، وظهر أبي على العتبة.«هذا الصوت،» قال بصوت متكسّر. نظر إلى هالة، وعيناه تتسعان. «هذا هو الصوت يا مي. امرأة الطعام. المرأة التي كانت تقول لي: ابقَ حيًّا.»التفتت إليه هالة ببطء. لم تنكر. لم تتحرك. لكنني رأيتُ عينيها، للمرة الأخيرة، تتحركان نحو اليمين.«رأيتُ أمبولة،» قلتُ. وكنتُ أتكلم بصوت يشبه صوت المحقق لا الضحية. «أمبولة بلا بطاقة. أنقذتِ ناهد بمثلها قبل أسبوعين. فلماذا ترددتِ هذه المرة؟ ولماذا لم تعمل؟»التقطتُ الأمبولة من يدها وشممتُها ببطء. لا رائحة. ثم تذوقتُ قطرة من داخلها، فعرفتُ الطعم الذي لا يخطئه من عمل في المستشفيات: ماء مقطّر. «هذه ليست ترياقًا،» قلتُ. «هذا ماء.»«فريدة كانت تحتضر على أي حال،» قالت هالة بصوت هادئ. «لم يكن العلاج...»«ليس هذا.» أخرجتُ من جيب بذلتي ورقة م

  • الوصية التي اختارت قاتلها   التاسع والعشرون

    لا أذكر كيف نهضتُ. أذكر فقط أنني كنتُ على الأرض بين ذراعيه، والجرح يمزقني، وهو يردد اسمي كأنه يتأكد أنه يستطيع أن ينطقه من جديد. رائحته كانت رائحة طين ومطر وخوف قديم، ولحيته تحكّ وجهي كما كانت تفعل في طفولتي حين يحملني على كتفيه.كان وجهه أنحل مما أذكر، وعيناه غائرتين، لكن في ابتسامته المتعبة ذلك الدفء القديم الذي كان يفتح لي أبواب الدنيا. مرّ في رأسي كل ما حملتُه من أسئلة طوال ثلاث سنين، وبدا لي أنها كلها تذوب في هذا العناق الواحد.«ثلاث سنين،» قلتُ. «ثلاث سنين يا أبي.»«كنتُ أعدّ الأيام بخطوط على جدار،» قال بصوت مبحوح. «بلغتُ ألفًا ومئة وعشرين خطًّا. ثم فتح لي أحدهم الباب في الليلة الماضية.»«من؟»«لا أعرف. كان الظلام. سمعتُ مفتاحًا يدور، ثم صوتًا يقول: اذهب. الطريق إلى القصر. ولم أرَ وجهه.»نظرتُ إلى فريدة. كان في عينيها شيء يشبه الارتياح، وشيء يشبه الخوف. «من فتح لك؟» سألت.«لا أعرف يا سيدتي. لكن في كل مرة كانت تأتيني فيها امرأة بالطعام، كانت تهمس لي بكلمة واحدة: ابقَ حيًّا.» أطرق. «صوتها... لو سمعتُه مرة أخرى لعرفتُه.»ساد الصمت. وتبادلنا النظرات، وفي ضوء المصباح الزيتي رأيتُ فري

  • الوصية التي اختارت قاتلها   الثامن والعشرون

    استيقظتُ على رائحة الياسمين والدواء، فعرفتُ قبل أن أفتح عينيّ أنني في الجناح الغربي.كان الضوء الرمادي يتسلل من الستار الثقيل، والألم في جنبي الأيسر ينبض كقلب ثانٍ. حاولتُ أن أتحرك فشدّني خيط الجرح المخيط كأنه يشدّ روحي من داخلها. وبجانب السرير، على الكرسي الجلدي، كانت ورد جالسة وقد انتفخت عيناها من البكاء، وركبتاها مضمومتان إلى صدرها كطفلة تنتظر عقابًا.«مي،» همست. «لا تتحركي. هالة قالت إن عليكِ ألا تتحركي.»«هالة؟»«هي التي أنقذتكِ.» ابتلعت ريقها. «فتحت حقيبتها وخاطت الجرح على ضوء الشموع، ثلاث ساعات. كانت يداها لا ترتجفان.» ثم انفجرت: «لم أكن أريد أن أقتلكِ! كان السكين قصيرًا... ظننتُ أنني سأجرح ذراعك فقط... كانوا يقولون إن...»«ورد.» رفعتُ يدي بصعوبة. «احكي من البداية.»وحكت. قالت إن أول بطاقة وصلتها كانت تحت بابها في الليلة الثالثة، بخط أنثوي أنيق: «أخوكِ يوسف حيّ. وسيبقى حيًّا ما دمتِ تطيعين.» لم تعرف كيف عرف أحد بأخيها الذي فقدته بعد دخولها السجن وظنت أنه مات في ملجأ. ثم جاء صوت الهاتف الأسود في الممر، صوت رجل بارد يعطيها التعليمات: خذي مفاتيح أم يحيى من حزامها حين تنام. لا تقول

  • الوصية التي اختارت قاتلها   السابع والعشرون

    في الظلام، ينشأ الذعر كما ينشأ الفطر في الرطوبة.في أول لحظة بعد انطفاء المدفأة، أدركتُ أن القاعة صارت مسرحًا بلا مخرج. كانت الجدران تردّ الصدى كأن عشرة أشخاص يصرخون في آن، والرائحة تغيرت: دخان ورماد ومطر وعطر ياسمين ثقيل يأتي من مكان لا أعرفه.سمعتُ قبل أن أرى: صراخ جُمانة، ثم أثاثًا يسقط، ثم أنفاسًا متلاحقة، وأقدامًا تتدافع على الرخام. أمسكتُ بالمقعد القريب منّي وشددتُ على ذراعه. كنتُ أعرف أن أول ما يفعله الجبناء في العتمة أن يضربوا.«لا أحد يتحرك!» صاح صوت هالة. «ابقوا في أماكنكم!»«فريدة!» صرخت ناهد. «أين فريدة؟»«هنا،» جاء صوت ضعيف من الوسط. «لا تقلقوا.»أشعل أحدهم عود ثقاب. كان ضوءه الصغير يتراقص على الوجوه كشعلة في مغارة. رأيتُ ناهد قرب الجدار، وهالة عند الدرج، وأم يحيى منكمشة في ركن، وجُمانة ملتصقة بكرسي فريدة ماسكة بيدها، وورد، ورد التي أحببتُها، تقف إلى جانبي، قريبة جدًا، على بعد خطوة واحدة.لم أرَ من أشعله. ولا أعرف إن كان من فعلها هو نفسه من خطط لما بعدها. لكنني رأيتُ ما يكفي لأفهم أن كل واحدة منا في تلك اللحظة تحمل سرًّا يكفي لتحتمل أن تقتل أو تُقتل.«ورد،» همستُ. «هل أنت

  • الوصية التي اختارت قاتلها   السادس والعشرون

    ظهرت فريدة في أعلى الدرج كما تظهر الأشباح في الروايات القديمة.كان مشهدها يوقف القلب: امرأة هزيلة بوجه شمعي وشعر فضي مرفوع، في كرسي متحرك مغطى ببطانية صوفية رمادية، تحيط بها ظلال الثريا المتأرجحة، وكأنها ملكة مخلوعة تعود إلى عرشها في ليلة الانقلاب.لم تكن وحدها. كان كرسيها يُدفَع بيدين لم أرَ صاحبهما في الظلام، ثم خرج الجسد من العتمة إلى ضوء المدفأة: ورد. وجهها شاحب، وعيناها واسعتان بنظرة من يعلم ما سيحدث. نظرت إليّ لحظة، ثم أشاحت بوجهها.«ورد!» صرختُ. «أين كنتِ؟»«أحضرتُها،» قالت بصوت مبحوح. «طلبت مني السيدة ذلك.»انحنت الأعين كلها نحو الكرسي المتحرك، وسقط الصمت على القاعة كغطاء ثقيل. ناهد، التي رأتها ميتة في تسجيل الوصية، جمدت بلا حراك. وجُمانة وضعت يديها على فمها. وهالة تراجعت خطوة، كأنها رأت وجهًا لم تتوقع رؤيته.«مساء الخير يا بناتي،» قالت فريدة بصوتها الجاف المعروف. «كنتُ أعرف أنكنّ ستفعلن هذا بي. لكنني لم أتوقع أن أتأخر هكذا.»«أنتِ... حية!» همست ناهد.كانت ناهد تحدّق فيها بعينين غائرتين، وفيهما مزيج من الغضب والذهول والارتياح الذي لا تريد الاعتراف به. وتخيلتُ للحظة أن ثلاثين س

  • الوصية التي اختارت قاتلها   الخامس والعشرون

    فضّت ناهد الشمع بإبهامها وهي تنظر إلى الصورة المحطمة على الأرض، ولم تعلّق. كنا خمسًا في الدائرة الصغيرة حول المدفأة، ورد غائبة، وكان الضوء الأحمر يرسم على وجوهنا ظلالًا تتبدّل كلما اشتدت الريح في المدخنة.أخرجتْ الورقتين ببطء شديد، كمن يخشى أن تتفتت بين أصابعه. ورأيتُ يدها وهي تمسك الورق، يدًا قوية نحيلة، كان في أصابعها أثر قديم لحبر الأقلام، فتذكرتُ أنها كانت مصممة أزياء قبل أن تخسر كل شيء.أخرجت ورقتين من المظروف. الأولى مكتوبة بخط فريدة، مؤرخة قبل ستة أشهر. الثانية مختومة بخاتم مكتب عاصم القاضي. قرأت ناهد الأولى بصوت مرتفع، وصوتها يخرج جافًا:«أنا فريدة الحلواني، بكامل قواي العقلية. هذه وصيتي الأولى، وقد كُتبت قبل الوصية المسجلة التي سيعرفها الجميع. أوصي بكل ما أملك من أموال وأسهم وعقارات، وهذا القصر، إلى حفيدتي جُمانة سامر الحلواني، ابنة ابني الوحيد، وهي دمي الوحيد المتبقي.»سقطت أنفاس الغرفة كلها دفعة واحدة. لم تتحرك جُمانة. ظلّت عيناها مثبتتين على الورقة كأنها لا تفهم اللغة.كنتُ أراقب وجوه النساء واحدة بعد واحدة. ناهد جامدة كتمثال. هالة تعبس كمن يحاول أن يفكّ معادلة. أم يحيى تن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status