LOGINلم نعد إلى غرفنا تلك الليلة. جلسنا في القاعة الكبرى حول المدفأة، خمس نساء في ثياب النوم، نتبادل نظرات من يجلس مع ذئاب. أم يحيى أحضرت الشاي دون أن تُسأل، ووضعته على الطاولة ثم وقفت في الزاوية كعمود.
«حسنًا،» قالت هالة وهي تدير ملعقتها في الكوب. «لنفترض أن أحدًا يعبث بنا. من يعرف أننا هنا؟»
«عاصم القاضي،» قالت ناهد. «وأم يحيى. وربما الخدم.»
«لا خدم هنا غيري،» قالت أم يحيى بهدوء.
«وكل واحدة منا،» أضافت جُمانة بحدّة. «فلو كان أحدنا هو من أرسل البطاقات...»
«أو لو كانت إحدانا هي القاتلة الموعودة.» قالت ناهد بابتسامة جافة. «لنتكلم بصراحة يا بنات. فريدة قالت إن كل واحدة هنا تدين لها بشيء. أنا أبدأ، ما دمتُ الأكبر والأقل خوفًا.»
أشعلت سيجارتها بعاج حاملتها، وتصاعد الدخان في الضوء المرتعش.
«فريدة كانت شريكتي. بدأنا معًا قبل ثلاثين عامًا بمعمل صغير للنسيج. أنا المصممة وهي التاجرة. وحين كبرنا، وجدتُ توقيعي على عقد تنازل لم أوقّعه قط. بين ليلة وضحاها صرتُ خارج الشركة، وصارت هي كل شيء.» نفثت الدخان. «ولهذا، يا عزيزاتي، أنا أول المشتبه بهن. ولا أمانع. لقد تمنّيتُ موتها كل يوم منذ عشرين سنة.»
كانت صراحتها صادمة إلى حدّ الإعجاب. نظرت إلى جُمانة، التي كانت تعضّ أظافرها.
«أنا؟» قالت الشابة بصوت متوتر. «أنا لا أعرف شيئًا. أنا مؤثرة، أعني... أُعلن عن مستحضرات تجميل. فريدة اشترت مرة حقوق اسمي التجاري، هذا كل شيء.»
«كاذبة،» قالت هالة بهدوء مفاجئ.
شهقت جُمانة. «ماذا قلتِ؟»
«عيناكِ تتحركان يمينًا حين تكذبين. مهنتي علّمتني.»
«وما مهنتك؟»
«طبيبة.» ترددت لحظة قصيرة. «وكنتُ طبيبة فريدة الخاصة في سنواتها الأخيرة.»
شعرتُ بشيء يتحرك في صدري. كانت هالة جزءًا من تلك الأيام، لكنني لم أرها في القصر يومًا. كنتُ أعرف كل من يدخله، وأعرف مواعيده.
«كنتِ تزورينها؟» سألتُ. «لم أرَكِ.»
«ليس في أيام عملكِ.» نظرت إليّ بحدّة. «زياراتي كانت ليلية. وبناءً على طلبها.»
«ولماذا ليلًا؟»
«لأنها كانت مريضة جدًا، ولم تشأ أن يعرف أحد.»
مرضت فريدة؟ كنتُ ممرضتها ثمانية أشهر ولم أرَ فيها إلا امرأة تتمتع بصحة حديد. وحين حاولتُ أن أسأل، قاطعتني ناهد: «ولماذا لا تقولين ما دينُكِ لها يا مي؟»
اتجهت العيون كلها نحوي. كان الدم يخفق في أذنيّ.
«كنتُ ممرضتها،» قلتُ. «وطردتني دون أسباب.»
«وهذا كل شيء؟»
«هذا كل شيء.»
كذبتُ. وفي اللحظة التي كذبتُ فيها، رأيتُ ورد ترفع رأسها نحوي بنظرة غريبة، ثابتة، لا تُشبه الخجل. نظرة من يعرف.
«وأنتِ يا ورد؟» سألت هالة بنبرة ألين. «ماذا بينكِ وبينها؟»
ظلّت الفتاة صامتة. كانت تضمّ حقيبتها القماشية إلى صدرها، وأصابعها بيضاء من شدة القبض. ثم قالت بصوت بالكاد يُسمع:
«خرجتُ من السجن قبل ستة أشهر.»
سكتنا جميعًا.
«أُدنتُ قبل سبع سنين بحريق في مصنع. مات فيه حارس. قالوا إنني أشعلته.» رفعت عينيها الواسعتين، وكانتا جافتين تمامًا. «كان المصنع ملكًا لفريدة الحلواني. وبعد ثلاث سنوات تدخّل أحد محاميها فجأة وخُفّفت عقوبتي ثم أُفرج عني. لا أعرف لماذا. لم أقابلها قط.»
«أنتِ أشعلتِه؟» سألت جُمانة بفظاظة.
«لا.»
كان الجواب قصيرًا وحاسمًا، لكنني لم أعرف إن كنتُ أصدّقه.
مرّت دقائق ثقيلة. أطفأت ناهد سيجارتها وقالت: «حسنًا. لدينا إذن قاتلة سابقة، وطبيبة سريّة، وشريكة مخدوعة، وممرضة مطرودة، وفتاة أعلنت عن مستحضرات تجميل. صورة عائلية رائعة.» ثم ضحكت ضحكة منهكة. «فريدة اختارتنا بعناية.»
كانت جُمانة قد نهضت وتمشّي في القاعة كحيوان في قفص. «لا أطيق هذا. سأصعد إلى غرفتي وأقفل الباب.»
«لا تفعلي،» قالت هالة. «لا أحد يبقى وحده.»
«ولماذا؟ هل تخافين أن أقتلك؟»
«أخشى أن يقتلكِ أحد.»
كان في صوتها شيء جعل الجميع يسكت. ومن الزاوية، تكلمت أم يحيى للمرة الأولى منذ ساعة:
«يا سيدات... هناك ما لم يُقل.»
التفتنا إليها.
«السيدة فريدة تركت لي تعليمات، قبل موتها بأسبوع. قالت لي: في الليلة الأولى، ستصل رسالة. لا تفتحي فمك. وفي الليلة الخامسة...» توقفت، وفرك أصابعها المتعبة بعضها ببعض. «في الليلة الخامسة، افتحي الخزانة التي في مكتبي، وأعطيهن ما فيها.»
«وما فيها؟» سألت ناهد بحدة.
«لا أعرف. لم أفتحها. لكنها قالت إنه... مفتاح.»
«مفتاح ماذا؟»
هزّت أم يحيى كتفيها. «لم تقل.»
ارتفعتُ عن مقعدي دون وعي. «إذن علينا الانتظار أربع ليالٍ؟»
«أو،» قالت هالة وهي تنظر نحو الباب الجانبي المؤدي إلى الممر الطويل، «نبحث نحن.»
كانت تعني المكتب. ولم تكن تعرف أنني الوحيدة بينهن التي رأت ذلك المكتب من الداخل. وأنني الوحيدة التي تعرف أن في الدرج السفلي الأيسر، تحت الأوراق، شيئًا لم يخطر ببال فريدة أنني رأيته.
وقفتُ فجأة. «أحتاج للنوم،» قلتُ. «سأصعد إلى غرفتي.»
«قلتُ إن لا أحد يبقى وحده،» ذكّرتني هالة.
«إذن تعالي معي.» لم أعرف لماذا قلتُها. فنهضت هالة بسرعة، وابتسمت ابتسامة صغيرة لم أفهمها، وتبعتني.
وحين صعدنا الدرج الرخامي الطويل، شعرتُ بعيني ورد تلاحقاني من أسفل، كأنها تحاول أن تقرأ ما يدور في رأسي.
لم يصرخ أحد. هذا ما أدهشني لاحقًا: أن الموت الذي انتظرناه ثلاثين ليلة لم يأتِ بضجة.جلستُ على الأرض بجانب كرسيها، أمسك يدها الباردة، وأنظر إلى الأمبولة الفارغة في أصابع هالة. كانت هالة واقفة بلا حراك، وحقيبتها السوداء مفتوحة على المائدة، ووجهها خالٍ من أي تعبير. ومن خلف الباب الصغير، انفتح باب المخزن ببطء، وظهر أبي على العتبة.«هذا الصوت،» قال بصوت متكسّر. نظر إلى هالة، وعيناه تتسعان. «هذا هو الصوت يا مي. امرأة الطعام. المرأة التي كانت تقول لي: ابقَ حيًّا.»التفتت إليه هالة ببطء. لم تنكر. لم تتحرك. لكنني رأيتُ عينيها، للمرة الأخيرة، تتحركان نحو اليمين.«رأيتُ أمبولة،» قلتُ. وكنتُ أتكلم بصوت يشبه صوت المحقق لا الضحية. «أمبولة بلا بطاقة. أنقذتِ ناهد بمثلها قبل أسبوعين. فلماذا ترددتِ هذه المرة؟ ولماذا لم تعمل؟»التقطتُ الأمبولة من يدها وشممتُها ببطء. لا رائحة. ثم تذوقتُ قطرة من داخلها، فعرفتُ الطعم الذي لا يخطئه من عمل في المستشفيات: ماء مقطّر. «هذه ليست ترياقًا،» قلتُ. «هذا ماء.»«فريدة كانت تحتضر على أي حال،» قالت هالة بصوت هادئ. «لم يكن العلاج...»«ليس هذا.» أخرجتُ من جيب بذلتي ورقة م
لا أذكر كيف نهضتُ. أذكر فقط أنني كنتُ على الأرض بين ذراعيه، والجرح يمزقني، وهو يردد اسمي كأنه يتأكد أنه يستطيع أن ينطقه من جديد. رائحته كانت رائحة طين ومطر وخوف قديم، ولحيته تحكّ وجهي كما كانت تفعل في طفولتي حين يحملني على كتفيه.كان وجهه أنحل مما أذكر، وعيناه غائرتين، لكن في ابتسامته المتعبة ذلك الدفء القديم الذي كان يفتح لي أبواب الدنيا. مرّ في رأسي كل ما حملتُه من أسئلة طوال ثلاث سنين، وبدا لي أنها كلها تذوب في هذا العناق الواحد.«ثلاث سنين،» قلتُ. «ثلاث سنين يا أبي.»«كنتُ أعدّ الأيام بخطوط على جدار،» قال بصوت مبحوح. «بلغتُ ألفًا ومئة وعشرين خطًّا. ثم فتح لي أحدهم الباب في الليلة الماضية.»«من؟»«لا أعرف. كان الظلام. سمعتُ مفتاحًا يدور، ثم صوتًا يقول: اذهب. الطريق إلى القصر. ولم أرَ وجهه.»نظرتُ إلى فريدة. كان في عينيها شيء يشبه الارتياح، وشيء يشبه الخوف. «من فتح لك؟» سألت.«لا أعرف يا سيدتي. لكن في كل مرة كانت تأتيني فيها امرأة بالطعام، كانت تهمس لي بكلمة واحدة: ابقَ حيًّا.» أطرق. «صوتها... لو سمعتُه مرة أخرى لعرفتُه.»ساد الصمت. وتبادلنا النظرات، وفي ضوء المصباح الزيتي رأيتُ فري
استيقظتُ على رائحة الياسمين والدواء، فعرفتُ قبل أن أفتح عينيّ أنني في الجناح الغربي.كان الضوء الرمادي يتسلل من الستار الثقيل، والألم في جنبي الأيسر ينبض كقلب ثانٍ. حاولتُ أن أتحرك فشدّني خيط الجرح المخيط كأنه يشدّ روحي من داخلها. وبجانب السرير، على الكرسي الجلدي، كانت ورد جالسة وقد انتفخت عيناها من البكاء، وركبتاها مضمومتان إلى صدرها كطفلة تنتظر عقابًا.«مي،» همست. «لا تتحركي. هالة قالت إن عليكِ ألا تتحركي.»«هالة؟»«هي التي أنقذتكِ.» ابتلعت ريقها. «فتحت حقيبتها وخاطت الجرح على ضوء الشموع، ثلاث ساعات. كانت يداها لا ترتجفان.» ثم انفجرت: «لم أكن أريد أن أقتلكِ! كان السكين قصيرًا... ظننتُ أنني سأجرح ذراعك فقط... كانوا يقولون إن...»«ورد.» رفعتُ يدي بصعوبة. «احكي من البداية.»وحكت. قالت إن أول بطاقة وصلتها كانت تحت بابها في الليلة الثالثة، بخط أنثوي أنيق: «أخوكِ يوسف حيّ. وسيبقى حيًّا ما دمتِ تطيعين.» لم تعرف كيف عرف أحد بأخيها الذي فقدته بعد دخولها السجن وظنت أنه مات في ملجأ. ثم جاء صوت الهاتف الأسود في الممر، صوت رجل بارد يعطيها التعليمات: خذي مفاتيح أم يحيى من حزامها حين تنام. لا تقول
في الظلام، ينشأ الذعر كما ينشأ الفطر في الرطوبة.في أول لحظة بعد انطفاء المدفأة، أدركتُ أن القاعة صارت مسرحًا بلا مخرج. كانت الجدران تردّ الصدى كأن عشرة أشخاص يصرخون في آن، والرائحة تغيرت: دخان ورماد ومطر وعطر ياسمين ثقيل يأتي من مكان لا أعرفه.سمعتُ قبل أن أرى: صراخ جُمانة، ثم أثاثًا يسقط، ثم أنفاسًا متلاحقة، وأقدامًا تتدافع على الرخام. أمسكتُ بالمقعد القريب منّي وشددتُ على ذراعه. كنتُ أعرف أن أول ما يفعله الجبناء في العتمة أن يضربوا.«لا أحد يتحرك!» صاح صوت هالة. «ابقوا في أماكنكم!»«فريدة!» صرخت ناهد. «أين فريدة؟»«هنا،» جاء صوت ضعيف من الوسط. «لا تقلقوا.»أشعل أحدهم عود ثقاب. كان ضوءه الصغير يتراقص على الوجوه كشعلة في مغارة. رأيتُ ناهد قرب الجدار، وهالة عند الدرج، وأم يحيى منكمشة في ركن، وجُمانة ملتصقة بكرسي فريدة ماسكة بيدها، وورد، ورد التي أحببتُها، تقف إلى جانبي، قريبة جدًا، على بعد خطوة واحدة.لم أرَ من أشعله. ولا أعرف إن كان من فعلها هو نفسه من خطط لما بعدها. لكنني رأيتُ ما يكفي لأفهم أن كل واحدة منا في تلك اللحظة تحمل سرًّا يكفي لتحتمل أن تقتل أو تُقتل.«ورد،» همستُ. «هل أنت
ظهرت فريدة في أعلى الدرج كما تظهر الأشباح في الروايات القديمة.كان مشهدها يوقف القلب: امرأة هزيلة بوجه شمعي وشعر فضي مرفوع، في كرسي متحرك مغطى ببطانية صوفية رمادية، تحيط بها ظلال الثريا المتأرجحة، وكأنها ملكة مخلوعة تعود إلى عرشها في ليلة الانقلاب.لم تكن وحدها. كان كرسيها يُدفَع بيدين لم أرَ صاحبهما في الظلام، ثم خرج الجسد من العتمة إلى ضوء المدفأة: ورد. وجهها شاحب، وعيناها واسعتان بنظرة من يعلم ما سيحدث. نظرت إليّ لحظة، ثم أشاحت بوجهها.«ورد!» صرختُ. «أين كنتِ؟»«أحضرتُها،» قالت بصوت مبحوح. «طلبت مني السيدة ذلك.»انحنت الأعين كلها نحو الكرسي المتحرك، وسقط الصمت على القاعة كغطاء ثقيل. ناهد، التي رأتها ميتة في تسجيل الوصية، جمدت بلا حراك. وجُمانة وضعت يديها على فمها. وهالة تراجعت خطوة، كأنها رأت وجهًا لم تتوقع رؤيته.«مساء الخير يا بناتي،» قالت فريدة بصوتها الجاف المعروف. «كنتُ أعرف أنكنّ ستفعلن هذا بي. لكنني لم أتوقع أن أتأخر هكذا.»«أنتِ... حية!» همست ناهد.كانت ناهد تحدّق فيها بعينين غائرتين، وفيهما مزيج من الغضب والذهول والارتياح الذي لا تريد الاعتراف به. وتخيلتُ للحظة أن ثلاثين س
فضّت ناهد الشمع بإبهامها وهي تنظر إلى الصورة المحطمة على الأرض، ولم تعلّق. كنا خمسًا في الدائرة الصغيرة حول المدفأة، ورد غائبة، وكان الضوء الأحمر يرسم على وجوهنا ظلالًا تتبدّل كلما اشتدت الريح في المدخنة.أخرجتْ الورقتين ببطء شديد، كمن يخشى أن تتفتت بين أصابعه. ورأيتُ يدها وهي تمسك الورق، يدًا قوية نحيلة، كان في أصابعها أثر قديم لحبر الأقلام، فتذكرتُ أنها كانت مصممة أزياء قبل أن تخسر كل شيء.أخرجت ورقتين من المظروف. الأولى مكتوبة بخط فريدة، مؤرخة قبل ستة أشهر. الثانية مختومة بخاتم مكتب عاصم القاضي. قرأت ناهد الأولى بصوت مرتفع، وصوتها يخرج جافًا:«أنا فريدة الحلواني، بكامل قواي العقلية. هذه وصيتي الأولى، وقد كُتبت قبل الوصية المسجلة التي سيعرفها الجميع. أوصي بكل ما أملك من أموال وأسهم وعقارات، وهذا القصر، إلى حفيدتي جُمانة سامر الحلواني، ابنة ابني الوحيد، وهي دمي الوحيد المتبقي.»سقطت أنفاس الغرفة كلها دفعة واحدة. لم تتحرك جُمانة. ظلّت عيناها مثبتتين على الورقة كأنها لا تفهم اللغة.كنتُ أراقب وجوه النساء واحدة بعد واحدة. ناهد جامدة كتمثال. هالة تعبس كمن يحاول أن يفكّ معادلة. أم يحيى تن