الوصية التي اختارت قاتلها

الوصية التي اختارت قاتلها

last updateLast Updated : 2026-10-19
By:  علياء موسي بشيرUpdated just now
Language: Arab
goodnovel18goodnovel
Not enough ratings
22Chapters
4views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

تموت سيدة الأعمال فريدة الحلواني، فتترك ثروتها البالغة أربعمئة وعشرين مليونًا لخمس نساء لا تعرف إحداهن الأخرى، بشرط واحد: أن يقمن ثلاثين ليلة متصلة في قصرها المعزول فوق الجرف، بلا هواتف ولا اتصال بالخارج. من تغادر ليلة واحدة تخسر نصيبها. تصل مي عبد الحميد، ممرضة فريدة السابقة التي تخفي سرًّا عن وفاتها، فتلتقي بناهد، الشريكة القديمة التي زوّرت فريدة توقيعها وأقصتها، وجُمانة المؤثرة التي تكذب في هويتها، وهالة الطبيبة الغامضة، وورد التي خرجت من السجن بعد إدانة بحريق في مصنع تملكه فريدة. وفي الليلة الأولى تصل إلى كل واحدة بطاقة تقول: «واحدة منكنّ قتلت فريدة الحلواني، ولكن الجريمة لم تقع بعد.» ثم يرنّ هاتف قديم ليعلن أن إحداهن ستموت قبل نهاية الأسبوع الأول. يتصاعد التوتر مع اكتشاف مفكرة فريدة وجدول بثلاثين يومًا مكتوب فيه أسماء النساء، وسطر يقول إن هالة تعرف اليوم الأخير. ثم تُسمَّم ناهد بقهوة لم تكن موجهة إليها، وتنقذها هالة بمصل جاهز في حقيبتها، فتتجه الشبهات نحوها. وبين الأكاذيب المتبادلة يتبيّن أن كل واحدة تخفي علاقة بفريدة لا تريد أن تعرفها الأخريات، وأن وجودهن معًا ليس صدفة. وتعترف جُمانة لمي بأنها حفيدة فريدة التي طُرد أبوها من القصر. وتقودها أنغام بيانو في منتصف الليل إلى الجناح الغربي المغلق، حيث تجد المفاجأة: فريدة حيّة، مريضة بمرض لا شفاء منه، زيّفت موتها لتكشف من يريد قتلها. وتؤكد أن السمّ ليس من تدبيرها، ثم ينطفئ الضوء فجأة في الجناح. وفي الفصول القادمة تتكشف أسرار كل امرأة: ما حدث لأبي مي السائق، وحقيقة الحريق الذي أُدينت به ورد، وشهادة الوفاة التي زوّرتها هالة، وصندوق الخزانة الذي لا يُفتح إلا في الليلة الخامسة. وتقع جريمة لم يتوقعها أحد، وتتحول التحالفات إلى شكوك. ويظل السؤال الأخطر معلقًا فوق القصر: من تعرف موعد موت فريدة القادم، ولماذا تنتظر؟ وكيف تُقتل امرأة ماتت مرة؟ وكل ليلة تمرّ تقرّبهن من الجواب.بعد مواجهة أخيرة، تنكشف القاتلة الحقيقية، وتتبين لماذا اختارت الوصية هذه النساء

View More

Chapter 1

الفصل الأول

وصلتُ إلى قصر الصفصاف قبل الغروب بساعة، والمطر يطرق زجاج سيارة الأجرة كأنه يطلب الإذن بالدخول معي.

لم أكن قد رأيتُ القصر منذ أربعة عشر يومًا، ومع ذلك عرفتُ كل حجر فيه: السور الأسود المسنّن، والبوابة الحديدية المنقوش عليها شجر الصفصاف الباكي، والبرج الشرقي الذي سقطت منه فريدة الحلواني في الثانية من فجر الأحد الماضي. قال التقرير الرسمي: حادث. وقال الناس: انتحار. أما أنا فلم أقل شيئًا، لأنني كنتُ الوحيدة التي تعرف أن فريدة لا تخاف المرتفعات، وأنها لم تكن يومًا من النساء اللواتي يقفزن.

دفع السائق الأجرة من محفظتي بنفسه، ثم رحل بسرعة، كأن القصر مرضٌ معدٍ. وقفتُ تحت المطر أحمل حقيبتي الصغيرة، وفي جيب معطفي الظرف الذي وصلني قبل ثلاثة أيام، بورق كريمي ثقيل وخط محامٍ أنيق: «تُدعَين لحضور تلاوة وصية السيدة فريدة الحلواني. الحضور شخصي، والغياب تنازل.»

لا أعرف لماذا ذكروا اسمي. كنتُ ممرضتها الخاصة ثمانية أشهر، ثم طردتني بلا سبب قبل وفاتها بشهر. هذا ما أعرفه، وهذا ما قلتُه للشرطة. أما الباقي فدفنتُه تحت أضلاعي منذ ذلك اليوم.

فتحت لي الباب امرأة خمسينية بثوب أسود وشال رمادي، وجهها بلا ملامح كأنه قناع صنعته السنوات. «أنا أم يحيى،» قالت بصوت متعب. «مدبّرة القصر. تفضلي، الباقيات في القاعة الكبرى.»

الباقيات. توقفتُ عند الكلمة لحظة. لم يخبرني أحد أنني لن أكون وحدي.

كانت القاعة الكبرى كما أذكرها: سقف عالٍ تتدلّى منه ثريا من البلّور، وجدران مكسوّة بالخشب الداكن، ومدفأة ضخمة تشتعل رغم الصيف، فوقها صورة بالحجم الطبيعي لصاحبة القصر: امرأة في الستين، شعرها فضي مرفوع، وعيناها تتابعان الداخل أينما مشى.

وفي القاعة، أربع نساء.

الأولى عجوز أنيقة بمعطف أحمر وفي يدها حاملة سجائر من العاج، لم تلتفت حين دخلتُ، ككل من اعتاد أن يلتفت الناس إليه. الثانية شابة في أواخر العشرينات بشعر أشقر مصبوغ وهاتف في يدها، تصوّر السقف وتهمس بكلام للشاشة. الثالثة امرأة في منتصف الأربعينات بحقيبة جلدية سوداء على ركبتيها وبذلة رمادية صارمة، تجلس منتصبة كطبيبة تنتظر نتيجة. والرابعة، في أقصى الركن، فتاة نحيلة بشعر قصير وعينين واسعتين، لا تحمل شيئًا إلا حقيبة قماشية رثّة تضمها إلى صدرها.

«الخامسة وصلت أخيرًا،» قالت صاحبة المعطف الأحمر بنبرة من يعدّ الدقائق. «نحن في انتظارك منذ ساعة، يا آنسة...؟»

«مي. مي عبد الحميد.»

«ناهد الفقي.» مدّت أصابعها دون أن تنهض. «وهؤلاء الرفيقات في التعاسة، ظنّي.»

ضحكت الشابة الشقراء بصوت عالٍ وأنزلت الهاتف. «جُمانة. من يتابعني يعرفني.» ثم رمقتني بفضول: «هل أنتِ أيضًا لا تعرفين لماذا نحن هنا؟»

«لا.»

«هالة،» قالت المرأة ذات البذلة باختصار، دون أن تضيف لقبًا ولا ابتسامة. أما الفتاة في الركن فلم تقل شيئًا، فقط رفعت عينيها نحوي ثم خفضتهما، وبعد وقفة همست: «ورد.»

خمس نساء، لا يعرف بعضهن بعضًا، وصاحبة القصر ميتة منذ أسبوعين. شعرتُ ببرد خفيف يتسلل إلى ظهري رغم دفء المدفأة.

دخل الأستاذ عاصم القاضي في التاسعة إلا خمس دقائق تمامًا. رجل في السبعين، قصير القامة، بنظارة سميكة وحقيبة جلدية مهترئة، تفوح منه رائحة الورق القديم. وضع على الطاولة الخشبية جهاز عرض صغيرًا وصندوقًا معدنيًا.

«سيداتي،» قال بصوت جاف، «تعرفن جميعًا سبب وجودكن. السيدة فريدة تركت وصية مسجلة بالصوت والصورة، وأوصت بأن تُعرض كاملة دون مقاطعة. أرجو التزام الصمت.»

أطفأ أم يحيى الأضواء، وأضاء الجهاز الجدار المقابل.

ظهرت فريدة. جالسة في هذه القاعة نفسها، على الكرسي الجلدي نفسه، بثوب أسود وعقد من اللؤلؤ، ويدها اليمنى تلعب بخاتم الزمرد. ابتسمت للكاميرا ابتسامة قصيرة حادة، وشعرتُ بقلبي يتوقف.

«مساء الخير يا بناتي،» قالت. «إن كنتنّ تشاهدنني الآن فقد متُّ، وهذا يوفّر عليّ وقتًا ثمينًا.»

ارتجفت جُمانة. وانحنت ناهد إلى الأمام.

«ثروتي، بكل ما فيها، أربعمئة وعشرون مليونًا، وشركاتي وأسهمي وهذا القصر، ستُقسَّم بينكنّ بالتساوي. لكن بشرط واحد.» توقفت لتشعل عود ثقاب وتقرّبه من سيجارة لم أرها تدخّنها قط. «ستقمن هنا ثلاثين ليلة متصلة. من تغادر ليلة واحدة تفقد نصيبها ويُقسَّم على من يبقى. لا هواتف ولا اتصال بالخارج، ستحفظها أم يحيى في الخزانة. ولا شرطة. ولا محامٍ سوى عاصم، وهو لن يعود قبل اليوم الثلاثين.»

«هذا جنون!» انفجرت ناهد.

«أعرف أنكنّ ستقلن إنه جنون،» تابعت فريدة بصوت هادئ كأنها سمعتها. «لكنني امرأة لا تفعل شيئًا بلا سبب. كل واحدة منكنّ هنا لأنها تدين لي بشيء، أو لأنني أدين لها. وستعرفن، في هذا الشهر، لماذا.»

نظرت إلى الكاميرا نظرة طويلة، ثم أضافت بنبرة جعلت الدم يتجمد في عروقي:

«وإحداكنّ، تعرف جيدًا ما فعلت.»

انطفأ الجهاز. ساد صمت ثقيل لا يقطعه إلا طقطقة الحطب.

«ثلاثون ليلة،» همس عاصم القاضي وهو يجمع أوراقه. «من توقّع الآن على الشروط تبقى. ومن ترفض، فالباب خلفها.»

لم يتحرك أحد. ثم مدّت ناهد يدها وأخذت القلم، فتبعتها هالة، ثم جُمانة وهي تضحك ضحكة متوترة، ثم ورد بيد مرتعشة. وبقيتُ أنا آخر واحدة. كان في رأسي صوت أبي يهمس: لا تعودي إلى هناك. لكنني عدتُ، وتوقّعتُ.

في التاسعة والنصف غادر الأستاذ عاصم، وأغلقت أم يحيى البوابة الحديدية وراءه بمفتاح ضخم، وسمعتُ صوت القفل يدور مرتين، كأن أحدًا يغلق قبرًا.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
22 Chapters
الفصل الأول
وصلتُ إلى قصر الصفصاف قبل الغروب بساعة، والمطر يطرق زجاج سيارة الأجرة كأنه يطلب الإذن بالدخول معي.لم أكن قد رأيتُ القصر منذ أربعة عشر يومًا، ومع ذلك عرفتُ كل حجر فيه: السور الأسود المسنّن، والبوابة الحديدية المنقوش عليها شجر الصفصاف الباكي، والبرج الشرقي الذي سقطت منه فريدة الحلواني في الثانية من فجر الأحد الماضي. قال التقرير الرسمي: حادث. وقال الناس: انتحار. أما أنا فلم أقل شيئًا، لأنني كنتُ الوحيدة التي تعرف أن فريدة لا تخاف المرتفعات، وأنها لم تكن يومًا من النساء اللواتي يقفزن.دفع السائق الأجرة من محفظتي بنفسه، ثم رحل بسرعة، كأن القصر مرضٌ معدٍ. وقفتُ تحت المطر أحمل حقيبتي الصغيرة، وفي جيب معطفي الظرف الذي وصلني قبل ثلاثة أيام، بورق كريمي ثقيل وخط محامٍ أنيق: «تُدعَين لحضور تلاوة وصية السيدة فريدة الحلواني. الحضور شخصي، والغياب تنازل.»لا أعرف لماذا ذكروا اسمي. كنتُ ممرضتها الخاصة ثمانية أشهر، ثم طردتني بلا سبب قبل وفاتها بشهر. هذا ما أعرفه، وهذا ما قلتُه للشرطة. أما الباقي فدفنتُه تحت أضلاعي منذ ذلك اليوم.فتحت لي الباب امرأة خمسينية بثوب أسود وشال رمادي، وجهها بلا ملامح كأنه قن
last updateLast Updated : 2026-10-13
Read more
الفصل الثاني
لم أنم تلك الليلة.أعطتني أم يحيى غرفة في الطابق الثاني، في الجناح الغربي، نافذتها تطلّ على البحر وصخور الجرف. كنتُ أعرفها جيدًا: هي غرفتي القديمة حين كنتُ أعمل ممرضة في هذا القصر. نفس السرير ذي الأعمدة النحاسية، نفس الخزانة التي تصرّ عند فتحها، ونفس بقعة الرطوبة على السقف التي تشبه خريطة بلد لا وجود له.كأن أحدًا أراد أن أعرف أنني لست غريبة هنا.جلستُ على حافة السرير أستمع إلى العاصفة. كان الريح يعوي بين شقوق الأبراج، والأمواج تضرب الجرف بعنف يهزّ الزجاج. وكنتُ أفكر في الجملة الأخيرة التي قالتها فريدة: «وإحداكنّ تعرف جيدًا ما فعلت.»ماذا فعلتُ أنا؟قبل واحد وعشرين يومًا بالضبط، في الليلة التي سبقت وفاتها بأسبوع، دخلتُ هذا القصر خلسة عبر باب المطبخ الخلفي، وصعدتُ إلى الطابق الأخير، ووقفتُ أمام فريدة وهي مستلقية في فراشها. تبادلنا كلمات قليلة، ثم خرجتُ وأنا أرتجف. لم يرني أحد. لم أخبر أحدًا. وهذا بالضبط ما يجعلني أرتعب الآن.كنتُ أحاول أن أعدّ ما أعرفه: ثلاثة أسماء لخادمات، وجدول الأدوية، ورقم هاتف طبيب لن يرد. لا شيء من هذا ينفع في قصر يتنفس كأنه حيّ، ويراقب نزلاءه بعيون الستائر.في ا
last updateLast Updated : 2026-10-13
Read more
الفصل الثالث
لم نعد إلى غرفنا تلك الليلة. جلسنا في القاعة الكبرى حول المدفأة، خمس نساء في ثياب النوم، نتبادل نظرات من يجلس مع ذئاب. أم يحيى أحضرت الشاي دون أن تُسأل، ووضعته على الطاولة ثم وقفت في الزاوية كعمود.«حسنًا،» قالت هالة وهي تدير ملعقتها في الكوب. «لنفترض أن أحدًا يعبث بنا. من يعرف أننا هنا؟»«عاصم القاضي،» قالت ناهد. «وأم يحيى. وربما الخدم.»«لا خدم هنا غيري،» قالت أم يحيى بهدوء.«وكل واحدة منا،» أضافت جُمانة بحدّة. «فلو كان أحدنا هو من أرسل البطاقات...»«أو لو كانت إحدانا هي القاتلة الموعودة.» قالت ناهد بابتسامة جافة. «لنتكلم بصراحة يا بنات. فريدة قالت إن كل واحدة هنا تدين لها بشيء. أنا أبدأ، ما دمتُ الأكبر والأقل خوفًا.»أشعلت سيجارتها بعاج حاملتها، وتصاعد الدخان في الضوء المرتعش.«فريدة كانت شريكتي. بدأنا معًا قبل ثلاثين عامًا بمعمل صغير للنسيج. أنا المصممة وهي التاجرة. وحين كبرنا، وجدتُ توقيعي على عقد تنازل لم أوقّعه قط. بين ليلة وضحاها صرتُ خارج الشركة، وصارت هي كل شيء.» نفثت الدخان. «ولهذا، يا عزيزاتي، أنا أول المشتبه بهن. ولا أمانع. لقد تمنّيتُ موتها كل يوم منذ عشرين سنة.»كانت صر
last updateLast Updated : 2026-10-13
Read more
الفصل الرابع
لم أستطع النوم في غرفتي بعد أن تركتني هالة عند بابها. انتظرتُ حتى هدأت الأصوات في الممر، وخبت أنفاس القصر شيئًا فشيئًا، ثم تسللتُ حافية القدمين نحو الدرج.مكتب فريدة كان في الطابق الأول، في آخر ممر طويل تصطف على جانبيه صور رجال لا أعرفهم، أجداد القصر أو أجداد من اشتروه. كان الباب مغلقًا بقفل نحاسي. لكنني كنتُ أعرف أن فريدة تخبّئ نسخة من المفتاح خلف إطار صورة والدها، الصورة الثالثة من اليمين. وجدتُه في مكانه كأن أحدًا لم يلمسه منذ أسبوعين.فتحتُ الباب ببطء. رائحة فريدة ما زالت في الغرفة: عطر ياسمين ثقيل، وتبغ، وورق قديم. المكتب الضخم كما هو، والكرسي الجلدي الذي كانت تدور عليه حين تفكر، والخزانة الحديدية خلفه، وعلى الجدار خريطة كبيرة للمدينة قديمة الطباعة.جلستُ لحظة على الكرسي الجلدي، فتذكّرتُ كيف كانت فريدة تنظر إليّ من فوق نظارتها حين أقيس ضغطها: نظرة من يحسب ثمن كل شيء ولا يعتذر عن شيء. كانت امرأة لا تُحَبّ ولا تُكرَه، بل تُحسَب، وكنتُ بين حساباتها رقمًا صغيرًا لم أفهم موضعه إلا متأخرًا.أشعلتُ مصباحًا صغيرًا ووضعتُ يدي على الدرج السفلي الأيس
last updateLast Updated : 2026-10-13
Read more
الباب الخامس
«ضعي ذلك المشرط جانبًا يا هالة،» قالت ناهد بصوت أجشّ، وقد استعادت شيئًا من اتزانها.لم تتحرك الطبيبة. وقفت في إطار الباب بقامتها المنتصبة وذراعها ممدودة، والضوء الأصفر يلمع على نصل المشرط الصغير. كان في ملامحها هدوء مخيف، هدوء من أنهى حساباته كلها مسبقًا.«سمعتُ ضجة،» قالت. «ظننتُ أن أحدًا يُقتل.»«ولذلك حملتِ سلاحًا؟»«أحمل هذا في حقيبتي دائمًا. أنا جرّاحة.» رفعت المشرط إلى مستوى عينيها، ثم أنزلته ببطء وأعادته إلى جيب بذلتها. «وفي قصر فيه رسائل تهدد بالقتل، لا أنوي أن أنام بيدين فارغتين.»كانت الحجة معقولة، وهذا ما أزعجني. دخلت الغرفة بخطوات هادئة ونظرت إلى الورقة المفتوحة على الأرض، فانحنيتُ وطويتُها بسرعة، لكنها كانت أسرع. مدّت يدها وأمسكت بطرف الورقة بإصبعين رشيقتين كأنها تمسك عيّنة نسيج.«أرِني.»لم أجد ما أقول. تركتُها تقرأ. رأيتُ عينيها تنزلان على الأسماء الأربعة، ثم على السطر الأخير. وللحظة قصيرة جدًا، لا تتجاوز رمشة، انكمش وجهها.«وهالة تعرف اليوم الأخير،» قرأت بصوت خافت. ثم ابتسمت ابتسامة باردة. «ممتاز. أصبحتُ بطلة قصة لا أعرفها.»«هل تعرفين؟» سألتُ.«لا.»وأنا أتأمل عينيها
last updateLast Updated : 2026-10-13
Read more
الفصل السادس
حملنا ناهد إلى غرفتها، ورقدت على سريرها الضخم كدمية في علبة. جلستُ بجانبها ساعة، أقيس نبضها وضغطها كما اعتدتُ، وهالة تقف عند النافذة بصمت، تراقبني بين لحظة وأخرى بعينين لا أستطيع قراءتهما.«ستنام حتى المساء،» قالت أخيرًا. «ثم تستيقظ مصابة بصداع. هذا كل شيء.»«ما السم؟»«لا أعرف. أعراضه تشبه مثبطات الكولين. شيء شائع في المبيدات.»«ومن أين لكِ مصل جاهز في حقيبتكِ؟»أدارت وجهها ببطء نحوي. وقفنا معًا لحظة طويلة، كأننا امرأتان تقفان على جانبي هوة. «لأنني قلتُ لك،» همست، «إنني لا أحمل في هذا القصر أيدي فارغة.»لم تكن إجابة. غادرت الغرفة دون أن تضيف كلمة، وتركتني مع المرأة النائمة وبقايا السؤال.كان وجه ناهد في النوم أصغر عمرًا وأضعف حيلة، كأن الأقنعة التي ترتديها نهارًا سقطت عنها دفعة واحدة. رأيتُ تحت مساحيق الأمس خطوطًا عميقة حول عينيها، خطوط امرأة عاشت عشرين سنة على الكراهية وما زالت لا تعرف ماذا تفعل بها.الفنجان الأخضر. أخذتْ فنجانًا ليس لها، قالت ناهد. تذكرتُ المائدة في الصباح: كانت الفناجين مصفوفة على صينية، أربعة بيضاء وواحد أخضر. ناهد التقطت واحدًا. لم أنتبه أيّها. فمن كان الهدف؟ وم
last updateLast Updated : 2026-10-13
Read more
الفصل السابع
في تلك الليلة، حين سمعتُ البيانو، لم أتفاجأ.كنتُ مستلقية في الظلام أنتظر، لأنني منذ العصر عرفتُ أن شيئًا ما سيحدث. ساعة القاعة دقّت الثانية عشرة، ثم تلاشى آخر رنين لها، وعندها وصلني من بعيد، متقطعًا ومبحوحًا كأنه صادر من تحت الأرض، لحن أعرفه جيدًا: «ضوء القمر» لبيتهوفن، المقطوعة التي كانت فريدة تعزفها في ليالي الأرق.كانت فريدة تعزفه كلما عجزت عن النوم، وكنتُ أسمعه من غرفتي في الطابق الثاني فأعرف أن ليلتها سيئة، وأن عليّ أن أنزل بحبوبها قبل الفجر. لكن فريدة ماتت. فمن يعزف الآن؟نهضتُ من السرير، وارتديتُ معطفي فوق ثوب النوم، وأخذتُ المصباح الصغير الذي وجدتُه في درج الخزانة. لم أوقظ أحدًا. شيء ما في داخلي قال إن هذه الرحلة لا تحتمل شهودًا.كانت الأروقة مظلمة إلا من ضوء مصباحي، وكانت ظلال الصور على الجدران تتحرك مع كل خطوة، كأن أجداد القصر يلتفتون لمتابعتي. مررتُ بجانب خزانة الدروع القديمة فخيّل إليّ أنني سمعتُ صريرًا في مفاصل الحديد.الجناح الغربي ينتهي بباب خشبي ضخم، بلا مقبض ظاهر، مغطى بقطعة مخملية داكنة. كان مغلقًا كما قيل لي. لكنني، وأنا أقف أمامه، لاحظتُ ما لا يلاحظه الغريب: أثر ت
last updateLast Updated : 2026-10-13
Read more
الفصل الثامن
يدم الظلام أكثر من لحظة، لأن مصباحي الصغير كان ما يزال في يدي. رفعتُه فانكسر الضوء على الجدران، ورأيتُ الممر خاليًا إلا من صدى خطوات تبتعد راكضة نحو الباب الخشبي الثقيل، ثم صرير خافت، ثم صمت.«اتركيه،» قالت فريدة من مكانها بهدوء مدهش. «لن تلحقي به. هو يعرف هذا الجناح أكثر مما تعرفينه.»«هو؟ أم هي؟»«لا أعرف. وهذا ما يُغيظني أكثر من المرض.»أدارت كرسيها نحو الشمعدانين، وأشعلتْ ثالثًا بعود ثقاب ثابت اليد. جلستُ على حافة السرير الطبي دون أن تدعوني، لأن ساقيّ لم تعودا تحملانني. كان وجهها في ضوء الشموع أقرب إلى وجه تمثال قديم، عظامه بارزة وجلده شفاف كورق الشمع، ولم يبقَ حيًّا فيه إلا العينان. تلك العينان نفسهما اللتان كانتا تحسبان ثمن كل شيء، وما زالتا تحسبان.«سرطان في البنكرياس،» قالت كمن يعلن سعر سهم. «اكتشفوه متأخرًا. أعطوني ثلاثة أشهر، وقد مضى منها شهران. وقتي لا يتسع للمجاملات، فاسمعيني ولا تقاطعيني.»أومأتُ. كنتُ ممرضة، وأعرف ما تعنيه تلك الكلمات حين تُقال بهذه البساطة. عرفتُ أيضًا لماذا كانت أصابعها ترتجف، ولماذا كانت رائحة الدواء في الغرفة أقوى من رائحة الياسمين.«قبل أربعة أشهر ب
last updateLast Updated : 2026-10-17
Read more
الفصل التاسع
كان الممر بين الجناح الغربي والدرج الرخامي أطول مما أذكر، كأن القصر مدّه عمدًا ليختبر أعصابي.مشيتُ ببطء، ومصباحي يرسم دائرة صغيرة من الضوء على السجاد المهترئ. كل خطوة تلقي بصداها على الجدران، وكل ظل ينتظرني عند المنعطف. من أطفأ المفتاح الكهربائي؟ ولماذا لم يهاجمني وقد كان قريبًا مني حتى كدتُ أشمّ أنفاسه؟ ربما لأن الهجوم لم يكن غايته. ربما أراد أن يرى فقط ما أراه، أن يعرف إلى أين أذهب وماذا أجد.عند منتصف الممر وجدتُ الأثر الأول: قطعة قماش رمادية معلقة بمسمار في إطار لوحة، خيط صوفي ممزق بحجم كفّ. رفعتُها إلى الضوء، فعرفتُ لونها قبل ملمسها. الشال الرمادي الذي لا يفارق كتفي أم يحيى.وضعتُها في جيبي. لكنني لم أطمئن. شال رمادي يمكن أن يُلبس، ويمكن أن يُسرق، ويمكن أن يُترك عمدًا في طريق من يطارد. وفي قصر يحبّ الأقنعة، لا شيء يبقى في مكانه الذي يبدو عليه.وقفتُ لحظة أنظر إلى صور الرجال المعلقة على الجدران. كانوا جميعًا ينظرون إليّ بالنظرة نفسها، نظرة من يعرف الجواب ويستمتع بصمته. تذكّرتُ أن أبي كان يسير في هذا الممر نفسه ليحمل حقائب فريدة، وأنه ربما وقف حيث أقف الآن، ينظر إلى هذه الوجوه نفس
last updateLast Updated : 2026-10-17
Read more
الفصل العاشر
لم أكن أنوي أن أعود إلى ذلك الليل أبدًا، لكن البطاقة الفارغة من الجواب فتحت الباب.جلستُ على عتبة الجناح الفارغ، والبطاقة بين أصابعي، وتركتُ الذاكرة تنفتح كجرح قديم لم يلتئم. اسمي مي عبد الحميد، وأبي عبد الحميد سلطان. كان سائق فريدة الحلواني اثنين وعشرين عامًا.كان رجلًا هادئًا يضع قبعته على الركبة حين ينتظر، ويحفظ طرق المدينة كما يحفظ الناس أسماء أولادهم. وكانت فريدة، التي لا تأمن أحدًا، تأمنه. تتحدث في الهاتف أمامه بلا حرج، وتنام في المقعد الخلفي، وتسلّمه أحيانًا ظروفًا لا يُسأل عنها. كان يعود إلى البيت كل مساء بالقميص نفسه ورائحة الجلد نفسها، ويقول لي: «لا تدخلي هذا القصر يا مي. المال هناك غرفة بلا نوافذ.» وكنتُ أضحك، لأنني لم أفهم أن الرجال الصامتين يقولون أصدق ما عندهم مرة واحدة فقط.قبل ثلاث سنوات، في ليلة ماطرة، لم يعد.كنتُ قد تناولتُ معه العشاء ذلك المساء. جلس إلى المائدة صامتًا على غير عادته، يقلّب الخبز بين أصابعه ولا يأكل. وحين سألتُه قال إنه متعب. ثم قام فقبّل جبيني، وهو الذي لا يقبّل، وقال: «إن سألكِ أحد عني يا مي، فقولي إنني ذهبتُ لأصلّي.» ضحكتُ، فهو لم يصلِّ في المسجد
last updateLast Updated : 2026-10-17
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status