تسجيل الدخولإيليانور الثلج توقف عن التساقط عندما أعود إلى المنزل، تاركاً وراءه معطفاً أبيض يغطي كل شيء، الأسطح، الأشجار، الحديقة، منزل ماركوس الصغير، كل ما كان هنا قبل، كل ما سيكون هنا بعد، كل ما هو هنا الآن، في هذا الصمت المطبق، هذا الضوء الناعم، هذا الزمن المعلق، هذه اللحظة خارج الزمن حيث أضع قدمي على العتبة، حيث أفتح الباب، حيث أسمع الضحكات، الصرخات، أصوات الحياة، حياتي، تلك التي تستمر، تستمر رغم كل شيء، رغم سابرينا، رغم الأكاذيب، رغم الأسرار، رغم الجرائم، رغم كل ما كان يجب أن يدمرنا، أن يحطمنا، أن يفنينا، والذي لم يفعل، الذي لم ينجح، لأننا هنا، لأننا معاً، لأن هذه هي العائلة، ليست الدم، ليست الأوراق، ليست الأكاذيب، إنهم أولئك الذين يبقون، الذين يصمدون، الذين يحبون، الذين لا يرحلون، الذين لا يهربون، الذين لا يخونون، الذين هم هنا، دائماً هنا، مهما حدث، مهما فعلنا، مهما قلنا، مهما اخترنا. الصالون انفجار من الألوان والضجيج، التوأمان أخرجا كل الألعاب، كل الدمى المحشوة، كل الأحاجي، كل القصص، كل ما لديهما، كل ما يحبانه، كل ما يريدان مشاركته مع ماركوس، الجالس على الأرض في وسط الفوضى، والذي يؤدي دو
سابرينا غرفة الاستجواب صغيرة، صغيرة جداً، بجدرانها الرمادية، ومصابيح النيون التي تطن، وطاولة الفورميكا التي وضع عليها جهاز تسجيل، وملف سميك، وتلك الصور، صور القارورات التي أعرفها، التي حملتها، التي أفرغتها في محاليل جيرار، تلك الصور التي نظرت إليها مئات المرات متسائلة إن كنت سأمضي حتى النهاية، إن كنت سأقتله، إن كنت سأتركه حياً، إن كنت سأسكته، إن كنت سأتركه يتكلم، إن كنت سأتركه يقول الحقيقة، إن كنت سأتركه يدمر كل ما بنيته، كل ما سرقته، كل ما أخذته، كل ما احتفظت به، كل ما حميته، كل ما أحببته، كل ما كرهته، كل ما كنت عليه، كل ما أنا عليه، كل ما سأكون. المقدم رينو جالسة مقابلي، بشعرها الرمادي، بعيونها التي لا تفلتني، بيديها الموضوعتين على الملف، بأصابعها التي تنقر، تنقر، تنقر، كمترونوم، كعد تنازلي، كالوقت الذي يمر، الذي يتدفق، الذي يهرب، الذي يفلت مني، الذي يحملني، الذي يبتلعني، وأفكر في مارك، في ما قاله لي هذا الصباح، في السيارة، قبل أن أدخل، قبل أن أتجاوز هذا الباب، قبل أن أجلس على هذا الكرسي، قبل أن يبدأ كل شيء، قبل أن ينتهي كل شيء ربما. "قولي إنك لا تعرفين شيئاً، قولي إنك لم تفعلي
إيليانور المفوضية تفوح منها رائحة القهوة الباردة والأوراق، تلك الرائحة الخاصة للأماكن التي تجري فيها حياة الناس على شكل استمارات ومحاضر، حيث تصبح المآسي ملفات، حيث تتحول الآلام إلى شهادات تُصنف، وتُؤرشَف، وتُنسى في صناديق كرتونية تنتهي أيامها في أقبية مغبرة. أنا جالسة على كرسي بلاستيكي في ممر مضاء بمصابيح نيون تطن، وأنظر إلى الساعة المعلقة على الحائط، تلك الساعة التي تبدو عقاربها وكأنها لا تريد التقدم أبداً، وكأن الزمن نفسه قرر التوقف هنا، في هذا المكان الذي نأتي إليه عندما نفقد شخصاً ما، عندما نكون ضحية، عندما نحتاج أن تحقق العدالة ما لم تستطع الحياة فعله. يداي موضوعتان على ركبتيّ، مطيعتان، بلا حراك، لكن في الداخل كل شيء يرتعش، كل شيء يتحرك، كل شيء يهتاج، كل شيء يتساءل عما سيقولونه لي، عما اكتشفوه، عما يعرفونه عن تسمم أبي، عن تلك الأشهر التي سُكب فيها السم في جسده بجرعات صغيرة، ببطء، بمنهجية، كما تُروى نبتة نريد رؤيتها تموت دون أن نتمكن أبداً من إثبات أنه قتل، دون أن نتمكن أبداً من القول إنه كان متعمداً، إنه كان مدبراً، إنها كانت محاولة لإرساله ليلحق بفيفيان، تلك المرأة التي اعتقد
إليانور أصعد إلى غرفتي، وأغلق الباب، وأجلس على السرير، وأنظر إلى يديّ، يديّ المرتجفتين، يديّ التي أمسكت يديه، يديّ التي أمسكت أطفالي، يديّ التي دمرت رجالاً، وحياة، وإمبراطوريات، يديّ التي لم تعد تعرف ماذا تريد، وماذا تستطيع، وماذا تجرؤ، يديّ التي تود لمسه، وأخذه، وإمساكه، ولا تعرف إلا الهروب، والرحيل، ونسيان نفسها، ونسيان كل شيء، وترك كل شيء وراءها، الوجوه، الأسماء، الليالي، الحب، الوعود، كل شيء، كل شيء، كل شيء. أفكر في تلك الليلة، قبل ست سنوات، أفكر في وجهه الذي نسيته، واسمه الذي لم أعرفه قط، ويديه على جلدي، وصوته في الظلام، وحرارته ضد حرارتي، وفي ذلك الإحساس بأنني محبوبة، حقاً محبوبة، للمرة الأولى في حياتي، وفي ذلك الإحساس بأنني آمنة، ومحمية، وثمينة، وفي ذلك الإحساس بأنني لم أعد أخاف، ولم أعد أشك، ولم أعد أسأل نفسي إذا كنت أستحق أن أحب، أو أن أكون سعيدة، أو أن أكون حية، وفي ذلك الإحساس بأنني أنا، حقاً أنا، للمرة الأولى في حياتي، وفي ذلك الخوف، ذلك الخوف الذي عاد في الصباح، ذلك الخوف الذي جعلني أهرب، ذلك الخوف الذي جعلني أرحل، ذلك الخوف الذي جعلني أنسى، الذي جعلني أختار النسيان، ل
إليانور أتراجع خطوة، ثم أخرى، ثم أخرى، أتراجع لأن هذا كثير، كثير من الحقيقة، كثير من العاطفة، كثير منه، كثير منا، كثير من كل شيء، أتراجع لأنني أشعر بالجدار يتشقق، ويتآكل، وسيسقط، أتراجع لأنني خائفة، خائفة مما سيحدث إذا بقيت، إذا استمعت إليه، إذا صدقته، إذا أحببته، إذا قلت نعم، إذا قلت أخيراً ما لم تقل لأحد قط، وما لم تجرؤ على قوله لأحد قط، وما لم تعرف كيف تقوله لأحد قط، نعم، نعم، نعم. «أنتِ تهربين مني منذ ستة أشهر، إليانور، تهربين مني منذ ستة أشهر، منذ أن وصلت، منذ أن استقريت في هذا المنزل، منذ أن طرقت بابك، منذ أن قلت لك إني بحثت عنك، ووجدتك، وأحبك، تهربين مني كل يوم، كل ساعة، كل دقيقة، تهربين مني كما هربت تلك الليلة قبل ست سنوات، كما هربت طوال حياتك، كما تهربين من كل شيء قد يجعلك سعيدة، وكل شيء قد يفيدك، وكل شيء قد يشفيك، وكل شيء قد يحبك». يتقدم خطوة، ثم أخرى، ثم أخرى، يتقدم لأنه سئم، سئم الانتظار، وسئم الأمل، وسئم رؤيتي أهرب، وسئم رؤيتي أختبئ، وسئم رؤيتي أخاف، وسئم رؤيتي أضيع حياتي، وأضيع حياتنا، وأضيع ما يمكن أن نكونه، وما يجب أن نكونه، وما سنكونه، إذا توقفت عن الهروب، وإذا تو
إليانورالليل سقط منذ وقت طويل عندما أنزل إلى الصالون، عندما أجده أمام المدفأة، عندما أنظر إليه دون أن يراني، عندما أستمع إلى أنفاسه، عندما أنظر إلى يديه، يديه التي أمسكت يديّ، يديه التي أمسكت أطفالي، يديه التي لم تترك أبداً، ولم تتخل أبداً، وبقيت هناك، ممدودة نحوي، منذ ست سنوات، منذ تلك الليلة التي نسيت فيها وجهه، ونسيت فيها اسمه، ونسيت فيها كل ما لم يكن الخوف، والعار، والهروب.«لماذا عدت، ماركوس،» أقول دون أن أدخل، دون أن أجلس، دون أن أقوم بأي حركة أخرى، «لماذا عدت بعد كل هذا الوقت، لماذا بحثت، لماذا حققت، لماذا استقريت في هذا المنزل، لماذا بقيت، لماذا تنتظر، لماذا لا تذهب، لماذا لا تنساني، لماذا لا تفعل كما يفعل الجميع، لماذا لا تتخلى، لماذا لا تتركني وشأني، لماذا، لماذا، لماذا؟»يلتفت، ينظر إليّ، ينظر إليّ بتلك العيون التي أعرفها، والتي عرفتها حتى قبل أن أعرف بوجودها، تلك العيون التي نظرت إليّ في الظلام، تلك العيون التي سهرت على نومي، تلك العيون التي رأت الفتاة التي كنت ولم تخف، ولم تهرب، وبقيت، وبقيت دائماً.«لأنني لم أنس تلك الليلة أبداً، إليانور، لأنني لم أنس وجهك أبداً، ولا صو







