تسجيل الدخولالخاتمةبعد ثلاث سنوات...كانت فيلا سليم تعج بالحياة، بعدما امتلأت بأصوات الضحكات الصغيرة وركض الأطفال في كل ركن، حتى بدت وكأنها استعادت شبابها من جديد.كان الجميع مجتمعين كعادتهم، في أجواء دافئة يملؤها الحب والألفة.أما سليم المهدي...فكان يجلس في مقعده المفضل، يتأمل أحفاده وأبناءهم بعينين تلمعان بالسعادة والرضا، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، وهو يحمد الله على النعمة التي أنعم بها عليه.أما عمر و جنى...فقد رزقهما الله بطفلة جميلة، ورقيقة الملامح كوالدتها، أسمياها سيلا، وكانت مدللة الجميع بلا استثناء.وأما شريف ومي...فقد رزقهما الله أولًا بـأحمد، ثم لحقت به شقيقته الصغيرة وعد، التي لم يتجاوز عمرها ستة أشهر.أما شريف، فلم يكن يخفي رغبته في أن يمتلئ البيت بالأطفال، تنفيذًا لوصية الحاجة راوية، التي كانت دائمًا تردد وهي تضحك:"البيت اللي مفيهوش دوشة عيال... مفيهوش بركة."وأما ملك...فكانت تجلس إلى جوار فهد، تستند إليه في راحة، بينما كانت يداه لا تفارقانها، وكأنهما خُلقتا لتطمئناها.كان بطنها قد استدار بصورة واضحة، فقد دخلت شهرها الأخير، ولم يعد يفصلها عن ولادتها سوى أيام قليلة.
قطع تلك اللحظة صوت تنحنحة متعمدة خلفه.تجمد في مكانه، ثم ابتعد عنها ببطء، وأطلق سراح شفتيها، قبل أن يلتفت للخلف.ليجد عمر يقف واضعًا يديه في جيبيه، ترتسم على وجهه ابتسامة واسعة، بينما كانت جني تقف خلفه، تكتم ضحكتها بكف يدها، وقد احمر وجهها من شدة الحرج.اتسعت عينا فهد، وقال وهو يحاول استعادة هيبته:عمر!... جني!... إنتوا... إنتوا هنا من إمتى؟حك عمر مؤخرة رأسه وهو يبتسم بمكر، ثم قال:من وقت ما اللانش عطل فجأة...ثم أشار إلى ملك وفهد وهو يكمل بضحكة خافتة:وقلنا نستنى شوية، يمكن العطل يتصلح لوحده.شهقت جنى وهي تضرب ذراع عمر بخفة، محاولة منعه من إحراجهما أكثر، بينما خفضت ملك رأسها في خجل، ودفنت وجهها في صدر فهد، تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها.انفجر عمر ضاحكًا، يتابع وهو يرفع يديه باستسلام:والله حاولت انبهك بس واضح إن حضرتك كنت في عالم تاني خالص!...... فلاش بااااك قالت وهي تنظر إليه باستغراب:هنروح فين؟ابتسم ابتسامة غامضة، ثم قال:هوديكي مكان، مفيش مخلوق هيخطر على باله إننا هناك.عقدت حاجبيها وسألته بفضول:فين ده؟أجابها وهو يشير إلى البحر: اليخت هنروح اليخت. أمسك بيدها وقادها إليه،
قال وهو يتظاهر بقلة الحيلة:أنا هنزل تحت أحاول.قالت ملك بسرعة، وقد بدا القلق واضحًا في صوتها:فهد لا، من فضلك.رمقها بنظرة ساخرة وقال:ليه يا أم ولادي؟أجابته بتوتر:عشان كده خطر، افرض جرالك حاجة، هرجع أنا إزاي؟رفع أحد حاجبيه وقال بمكر:بقى كده؟ يعني مش خايفة عليّا، خايفة على نفسك؟ثم ابتسم في سره، وهو يحدث نفسه." ورحمة أمي... لأخليكي تعترفي مهما كابرِتِ"نزل إلى الماء وغاص تحته.ظلت ملك تحدق في المكان الذي اختفى فيه، تنتظر ظهوره.مرت ثوانٍ...ثم نادته:فهد...ولم يجب.نادته مرة ثانية...ثم ثالثة...ومع المرة الرابعة خرج اسمُه منها بصرخةً مذعورة:فهــــد!في اللحظة التالية، شق رأسه سطح الماء.وضعت يدها على صدرها، وأغمضت عينيها وهي تهمس براحة:الحمد لله...ثم قالت بلهفة:إيه؟ خلصت؟هز رأسه وقال:لا لسه. هنزل أشوف تاني.هزت رأسها بعنف وقالت:لا، لا بص، إحنا نستنى زي ما قلت. أكيد لما نتأخر هيقلقوا علينا، وهيبعتوا حد يدور علينا.ابتسم وقال:طيب تمام.ثم همّ بالصعود، لكنه تظاهر بأن قدمه انزلقت.آه...وألقى بنفسه في الماء، وأخذ يحرك ذراعيه بعشوائية، وكأنه يصارع الغرق.صرخت ملك بذعر:فهد!
بعد أسبوعين...انقضى الأسبوعان سريعًا، وكانت ملك طوال تلك الفترة منشغلة بين جنى، والجد سليم، والأولاد.أما فهد، فكان يحاول بكل الطرق أن يختلي بها ولو لدقائق معدودة، لكن في كل مرة كانت الظروف تتدخل؛ فمرة يحتاجها الأولاد، ومرة تناديها جنى، ومرة يشغلها الجد.حتى بدأ يشعر أن الدنيا بأكملها تتآمر عليه، فلا يجد فرصة ليجلس معها بمفردهما.وفي أحد الأيام...كان فهد يتحدث مع شريف عبر الهاتف.قال بضيقٍ مصطنع:- إيه يا ابني؟ مش ناوي ترجع؟ضحك شريف وقال:- لا يا عم... أنا بنفذ تعليمات الحاجة راوية. رفع فهد حاجبه باستغراب:- واللي هي إيه؟رد شريف ضاحكًا:- عاوزة أحمد.قطب فهد حاجبيه وقال:- أحمد مين يالّا؟انفجر شريف في الضحك، وقال:- ههههههه... أحمد ابني.هز فهد رأسه بيأس، وقال:- طيب يا خويا، اخلص بقى، علشان الشغل كله على دماغي. وجدي كمان عاوزنا نسافر أسبوع الساحل.ثم أردف:- هتيجي معانا ولا إيه؟رد شريف بسرعة:- لا يا سيدي، الحاجة راوية حالفة عليّا، وأنا مش هوقع يمينها.ضحك فهد رغمًا عنه، ثم أنهى المكالمة.بعدها اتجه إلى سليم، الذي سأله فور أن رآه:- هيرجع إمتى؟تنهد فهد وقال:- مش عارف بس باي
أما مي...فكانت تجلس بينهم شاردة وحزينة، وقد بدت ملامحها شاحبة، وكأنها تحمل فوق قلبها جبلًا من الهموم.لاحظ سليم حالتها، فقال بحنان:في حاجة يا حبيبتي مضيقاكي؟رفعت إليه عينيها وقالت بتردد:ممكن أتكلم مع حضرتك؟ابتسم لها وقال:اتفضلي يا بنتي.قصت عليه مي كل ما حدث بينها وبين شريف، ولم تُخفِ عنه شيئًا، واعترفت بكل أخطائها.ظل سليم صامتًا للحظات، ثم قال بهدوء:أقولك رأيي؟هزت رأسها بالموافقة.فقال بجدية:إنتِ غلطي... وغلطك كبير كمان.خفضت مي رأسها في خجل.أكمل سليم:إنتِ جرحتِه جامد في كرامته ورجولته. إنك مش عاوزة تخلفي منه، وكمان من غير علمه... دي حاجة صعبة على أي راجل.ثم تنهد وأضاف:وشريف، على قد ما هو بيضحك ويهزر، لكنه راجل صعيدي، والكرامة عنده كبيرة أوي.انفجرت مي في البكاء وقالت:طيب أعمل إيه؟ هو مش مديني فرصة حتى أعتذر له.ربت سليم على يدها بحنان، وقال:بصي يا بنتي... الحل عند الحاجة راوية.رفعت مي رأسها باستغراب:يعني أكلمها؟ابتسم وقال:لا... تروحي لها الصعيد. هي اللي هتصالحكم.ثم أضاف بثقة:راوية ست شديدة، لكن طيبة وعاقلة، وشريف عمره ما يكسر لها كلمة أبدًا.مسحت مي دموعها وقال
وصلوا إلى الفيلا، وما إن دخلوا حتى وجدوا نيروز تقف في انتظارهم، وقد ارتسم القلق بوضوح على ملامحها.اقتربت منهم مسرعة وقالت بلهفة:إيه أخباره؟ عامل إيه دلوقتي؟أجابتها ملك بصوتٍ يغلب عليه الإرهاق:- الحمد لله وإن شاء الله هيبقى بخير.ثم التفتت إلى سليم وقالت برفق:- اتفضل يا جدو، لما أوصلك أوضتك.أمسكت بيده بحنان، وساعدته حتى أوصلته إلى غرفته.جلس سليم على حافة الفراش، مستندًا برأسه إلى عكازه، بينما كانت عيناه تفيضان بالدموع، وكأن ما يحمله قلبه من خوف يفوق قدرته على الاحتمال.اقتربت منه ملك، وجثت أمامه، ثم قالت بحنان:- جدو حبيبي، وحِّد الله، إن شاء الله عمر هيبقى بخير.تنهد سليم بعمق، وقال بصوتٍ متحشرج:- إن شاء الله يا بنتي.ابتسمت له ابتسامة مطمئنة، ثم قالت برفق:- من فضلك يا جدو، بلاش تشيل هم أكتر من كده علشان ما تتعبش. ارتاح شوية، وبكرة من بدري نبقى معاه.هز رأسه موافقًا وقال:- إن شاء الله.ابتسمت له، ثم أخذت عكازه من يده، وساعدته على الاستلقاء باعتدال فوق الفراش، قبل أن تدثره جيدًا بالغطاء.أطفأت الأنوار بهدوء، ثم ألقت عليه نظرة مطمئنة أخيرة، وغادرت الغرفة، لتغلق الباب خلفها برف







