LOGINهو... رجلٌ لا يعرف التراجع، صنع من الهيبة سلاحًا، ومن الصرامة قانونًا، حتى أصبح اسمه وحده كافيًا لإثارة الرهبة في القلوب. اعتاد أن تكون الكلمة الأخيرة له، وأن ينحني الجميع أمام قراراته. أما هي.. فكانت النقيض تمامًا، فتاة رقيقة، أنهكها الفقد، لكنها لم تسمح للحياة أن تنتزع منها كرامتها، تؤمن أن الحق لا يموت... حتى وإن وقفت الدنيا كلها ضده، حين جمعهما القدر، لم يكن بينهما حب، بل سوء فهم، وانتقام وُلد في القلب الخطأ.... فهل يستطيع الحب أن ينتصر على الظلم؟ أم أن بعض الأقدار كُتبت لتؤذي أصحابها مهما حاولوا الهرب؟
View Moreالفصل الأول
«سافر؟!» خرجت الكلمة من بين شفتي ملك كأنها صرخة اختنقت قبل أن تكتمل، بينما تجمدت في مكانها وسط بهو الشركة الفخم، تحدق في الموظفة بعينين اتسعتا من شدة الصدمة. شعرت للحظة وكأن الأصوات من حولها اختفت تمامًا، ولم يبقَ سوى تلك الكلمة التي ترددت داخل رأسها بلا توقف. سافر... الرجل الوحيد الذي كان يملك الإجابة عن مصير أموال والدها... اختفى. ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم سألت بصوت مرتجف بالكاد خرج من بين شفتيها: – سافر فين؟ هزت الموظفة كتفيها بأسف وقالت: – والله يا هانم ما أعرف... كل اللي عرفناه إن مجدي بيه باع نصيبه في الشركة وسافر بره مصر... ويمكن ألمانيا. أغمضت ملك عينيها لثوانٍ. شعرت وكأن آخر باب كانت تتمسك به قد أُغلق في وجهها إلى الأبد. لكن قبل ساعات فقط... كانت تظن أن الأمل ما زال موجودًا. في أحد الأحياء الشعبية الهادئة بمدينة الإسكندرية، كانت ملك عبد الله تجلس وحدها أمام مائدة صغيرة تتناول فطورًا بسيطًا لا يتجاوز قطعة جبن وبعض الخبز وكوبًا من الشاي. منذ عام كامل، وتحديدًا منذ وفاة والديها في ذلك الحادث المأساوي، تغير كل شيء في حياتها. اختفى الضحك من هذا المنزل. اختفت رائحة الطعام التي كانت تعدها والدتها كل صباح. واختفى صوت والدها الذي كان يملأ المكان بالحياة. لم يبقَ سوى الصمت... ووحدتها. قطع جرس الباب شرودها. نهضت سريعًا، وما إن فتحت الباب حتى ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهها. – صباح الخير يا لوكا. ضحكت ملك رغم ثقل قلبها. – صباح الفل يا سوسو. كانت سارة أكثر من مجرد جارة. كانت صديقة عمرها، وأختًا لم تلدها أمها. احتضنتها سارة سريعًا ثم دخلت الشقة وهي تقول بقلق: – هتروحي الشركة النهارده؟ أومأت ملك وهي تعود إلى المائدة. – لازم... يمكن المرة دي ألاقي أي خيط. تنهدت سارة وهي تجلس أمامها. – ولو عمل معاكي زي كل مرة؟ ساد الصمت للحظات. خفضت ملك رأسها وقالت بصوت خافت: – مش عارفة... معنديش أي ورقة تثبت حقي غير اللي معايا... وكل مرة يقولوا استني. مدت سارة يدها وربتت على يدها بحنان. – ربنا كبير... وإن شاء الله حقك هيرجع. ابتسمت ملك ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيها. – يا رب. خرجت الفتاتان من الشقة. وكعادتها كل صباح، كانت السيدة فاتن، والدة سارة، تقف أمام باب منزلها. وما إن رأت ملك حتى فتحت ذراعيها تحتضنها بحنان. – ربنا يوفقك يا بنتي. ابتسمت ملك وقبلت يدها باحترام. – ادعيلي يا طنط. ربتت المرأة على رأسها بحنان يشبه حنان الأمهات. – ربنا يردلك حقك ويجبر قلبك يا حبيبتي. اغرورقت عينا ملك بالامتنان. فمنذ وفاة والديها، كانت هذه المرأة تعاملها كأنها ابنتها بالفعل. هبطت الدرج، وقبل أن تغادر العمارة، صادفت الدكتور عصام، الطبيب الشاب الذي يسكن بالطابق الأرضي. ابتسم لها بود. – صباح الخير يا ملك. – صباح النور يا دكتور. تردد قليلًا قبل أن يقول: – رايحة الشركة؟ أومأت. – آه. – طب أوصلك في طريقي. رفضت في البداية حياءً، لكنه أصر حتى وافقت. وبعد دقائق كانت السيارة تشق شوارع الإسكندرية، بينما بقيت هي تنظر من النافذة بشرود، تحاول أن تقنع نفسها بأن هذا اليوم قد يحمل لها خبرًا يغير حياتها. وفي الجهة الأخرى من المدينة... داخل فيلا آل المهدي، كانت الحياة تسير بإيقاع مختلف تمامًا. وقف فهد المهدي أمام المرآة يعدل ربطة عنقه بدقة. في الثالثة والثلاثين من عمره، لكنه فرض اسمه في عالم الأعمال حتى صار الجميع يحسب له ألف حساب. هيبة هادئة. ملامح صارمة. ونظرة لا تعرف التردد. التفت نحو زوجته التي ما زالت مستلقية على السرير. – روجيدة... قدامك عشر دقايق. تمتمت بنعاس: – نازلة حالًا. غادر الغرفة دون أن يضيف كلمة أخرى. وفي غرفة الطعام، كان الجد سليم يجلس على رأس الطاولة، بينما جلس عمر يراجع بعض الملفات. انضم إليهما فهد، لتبدأ أحاديث العمل المعتادة. وبعد دقائق، دخلت جنى وهي تملأ المكان بحيويتها، تداعب جدها، بينما تبادلت مع عمر نظرات باردة لم تخفَ على أحد. أما روجيدة... فجلست صامتة تمامًا. إذ أخبرها الجد قبل قليل بأنه حجز لها موعدًا جديدًا مع طبيب متخصص. كان موضوع الإنجاب يتحول شيئًا فشيئًا إلى حمل ثقيل على قلبها. في الوقت نفسه... كانت ملك تقف أمام باب مكتب المدير الجديد للشركة، تنتظر السماح لها بالدخول. وحين أذنت لها السكرتيرة، أخذت نفسًا عميقًا ثم دخلت. جلس الرجل خلف مكتبه يستمع إليها في صمت. حكت له كل شيء... كيف باع والدها قطعة الأرض الوحيدة التي يملكها. وكيف باعت والدتها ذهبها. وكيف سلما كل ما جمعاه طوال عمرهما لشريكهما مجدي من أجل مشروع وعدهما بأنه سيؤمن مستقبل ابنتهما. ثم ماتا قبل أن يحصلا على جنيه واحد. وعام كامل... وهي تطارد الرجل بلا جدوى. انتهت من حديثها وهي تمسح دموعها بصعوبة. تنهد المدير بأسف. وقال: – والله يا بنتي... أنا استلمت الشركة من شهرين بس... ومعرفش عنه غير إنه باع نصيبه وسافر ألمانيا... ومش ناوي يرجع. في تلك اللحظة... شعرت ملك أن العالم انهار فوق رأسها. ... يتبعالخاتمةبعد ثلاث سنوات...كانت فيلا سليم تعج بالحياة، بعدما امتلأت بأصوات الضحكات الصغيرة وركض الأطفال في كل ركن، حتى بدت وكأنها استعادت شبابها من جديد.كان الجميع مجتمعين كعادتهم، في أجواء دافئة يملؤها الحب والألفة.أما سليم المهدي...فكان يجلس في مقعده المفضل، يتأمل أحفاده وأبناءهم بعينين تلمعان بالسعادة والرضا، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، وهو يحمد الله على النعمة التي أنعم بها عليه.أما عمر و جنى...فقد رزقهما الله بطفلة جميلة، ورقيقة الملامح كوالدتها، أسمياها سيلا، وكانت مدللة الجميع بلا استثناء.وأما شريف ومي...فقد رزقهما الله أولًا بـأحمد، ثم لحقت به شقيقته الصغيرة وعد، التي لم يتجاوز عمرها ستة أشهر.أما شريف، فلم يكن يخفي رغبته في أن يمتلئ البيت بالأطفال، تنفيذًا لوصية الحاجة راوية، التي كانت دائمًا تردد وهي تضحك:"البيت اللي مفيهوش دوشة عيال... مفيهوش بركة."وأما ملك...فكانت تجلس إلى جوار فهد، تستند إليه في راحة، بينما كانت يداه لا تفارقانها، وكأنهما خُلقتا لتطمئناها.كان بطنها قد استدار بصورة واضحة، فقد دخلت شهرها الأخير، ولم يعد يفصلها عن ولادتها سوى أيام قليلة.
قطع تلك اللحظة صوت تنحنحة متعمدة خلفه.تجمد في مكانه، ثم ابتعد عنها ببطء، وأطلق سراح شفتيها، قبل أن يلتفت للخلف.ليجد عمر يقف واضعًا يديه في جيبيه، ترتسم على وجهه ابتسامة واسعة، بينما كانت جني تقف خلفه، تكتم ضحكتها بكف يدها، وقد احمر وجهها من شدة الحرج.اتسعت عينا فهد، وقال وهو يحاول استعادة هيبته:عمر!... جني!... إنتوا... إنتوا هنا من إمتى؟حك عمر مؤخرة رأسه وهو يبتسم بمكر، ثم قال:من وقت ما اللانش عطل فجأة...ثم أشار إلى ملك وفهد وهو يكمل بضحكة خافتة:وقلنا نستنى شوية، يمكن العطل يتصلح لوحده.شهقت جنى وهي تضرب ذراع عمر بخفة، محاولة منعه من إحراجهما أكثر، بينما خفضت ملك رأسها في خجل، ودفنت وجهها في صدر فهد، تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها.انفجر عمر ضاحكًا، يتابع وهو يرفع يديه باستسلام:والله حاولت انبهك بس واضح إن حضرتك كنت في عالم تاني خالص!...... فلاش بااااك قالت وهي تنظر إليه باستغراب:هنروح فين؟ابتسم ابتسامة غامضة، ثم قال:هوديكي مكان، مفيش مخلوق هيخطر على باله إننا هناك.عقدت حاجبيها وسألته بفضول:فين ده؟أجابها وهو يشير إلى البحر: اليخت هنروح اليخت. أمسك بيدها وقادها إليه،
قال وهو يتظاهر بقلة الحيلة:أنا هنزل تحت أحاول.قالت ملك بسرعة، وقد بدا القلق واضحًا في صوتها:فهد لا، من فضلك.رمقها بنظرة ساخرة وقال:ليه يا أم ولادي؟أجابته بتوتر:عشان كده خطر، افرض جرالك حاجة، هرجع أنا إزاي؟رفع أحد حاجبيه وقال بمكر:بقى كده؟ يعني مش خايفة عليّا، خايفة على نفسك؟ثم ابتسم في سره، وهو يحدث نفسه." ورحمة أمي... لأخليكي تعترفي مهما كابرِتِ"نزل إلى الماء وغاص تحته.ظلت ملك تحدق في المكان الذي اختفى فيه، تنتظر ظهوره.مرت ثوانٍ...ثم نادته:فهد...ولم يجب.نادته مرة ثانية...ثم ثالثة...ومع المرة الرابعة خرج اسمُه منها بصرخةً مذعورة:فهــــد!في اللحظة التالية، شق رأسه سطح الماء.وضعت يدها على صدرها، وأغمضت عينيها وهي تهمس براحة:الحمد لله...ثم قالت بلهفة:إيه؟ خلصت؟هز رأسه وقال:لا لسه. هنزل أشوف تاني.هزت رأسها بعنف وقالت:لا، لا بص، إحنا نستنى زي ما قلت. أكيد لما نتأخر هيقلقوا علينا، وهيبعتوا حد يدور علينا.ابتسم وقال:طيب تمام.ثم همّ بالصعود، لكنه تظاهر بأن قدمه انزلقت.آه...وألقى بنفسه في الماء، وأخذ يحرك ذراعيه بعشوائية، وكأنه يصارع الغرق.صرخت ملك بذعر:فهد!
بعد أسبوعين...انقضى الأسبوعان سريعًا، وكانت ملك طوال تلك الفترة منشغلة بين جنى، والجد سليم، والأولاد.أما فهد، فكان يحاول بكل الطرق أن يختلي بها ولو لدقائق معدودة، لكن في كل مرة كانت الظروف تتدخل؛ فمرة يحتاجها الأولاد، ومرة تناديها جنى، ومرة يشغلها الجد.حتى بدأ يشعر أن الدنيا بأكملها تتآمر عليه، فلا يجد فرصة ليجلس معها بمفردهما.وفي أحد الأيام...كان فهد يتحدث مع شريف عبر الهاتف.قال بضيقٍ مصطنع:- إيه يا ابني؟ مش ناوي ترجع؟ضحك شريف وقال:- لا يا عم... أنا بنفذ تعليمات الحاجة راوية. رفع فهد حاجبه باستغراب:- واللي هي إيه؟رد شريف ضاحكًا:- عاوزة أحمد.قطب فهد حاجبيه وقال:- أحمد مين يالّا؟انفجر شريف في الضحك، وقال:- ههههههه... أحمد ابني.هز فهد رأسه بيأس، وقال:- طيب يا خويا، اخلص بقى، علشان الشغل كله على دماغي. وجدي كمان عاوزنا نسافر أسبوع الساحل.ثم أردف:- هتيجي معانا ولا إيه؟رد شريف بسرعة:- لا يا سيدي، الحاجة راوية حالفة عليّا، وأنا مش هوقع يمينها.ضحك فهد رغمًا عنه، ثم أنهى المكالمة.بعدها اتجه إلى سليم، الذي سأله فور أن رآه:- هيرجع إمتى؟تنهد فهد وقال:- مش عارف بس باي






reviews