Masukأشرقت شمس اليوم التالي حيث كانت لارا تقف بين الرفوف الخشبية تتابع حركة المارة في الحي البسيط. طوال الليل، لم يهدأ عقلها عن التفكير؛ فحادثة الحفل الأخير وما تلاها من إفشال مراد لخطتها السابقة جعلتها تدرك أن الاختراق السطحي للبروتوكول لن يجدي نفعًا. كان عليها أن تضرب في العصب الحيوي لقواعده؛ أن ترتكب الفعل الذي ألمح إليها سابقًا بأنه خط أحمر لا تراجع فيه: المبيت خارج القصر. سرت في عروقها جراءة يائسة وهي تردّد في سرها: "إذا كان المبيت خارج البيت خطًا أحمر، وكانت صوفيا لم تذكره حتى بين القوانين لأنه خرق جسيم لا يتصوره أحد، فإنه اليوم سلاحي الأخير. مع ما حدث في حفل البارحة، محاولتي المباشرة للبقاء هنا هي القشة التي ستكسر صبره... هذه المرة لن يجد مبررًا للإبقاء عليّ، وسيتركني أغادر حياته كليًا" مرت ساعات الظهيرة ببطء شديد، وكانت عين لارا تترقب الباب بانتظار قدوم سارة كالعادة بعد انتهاء دوامها المدرسي. غير أن الغريب في ذلك اليوم أن الساعات انقضت دون أن تطل الصغيرة برأسها، ولا حتى أن تبعث بسلامها اليومي. جاء لارا شعور بالريبة، لكنها عزّت الأمر لربما إلى انشغال سارة بفرض مدرسي أو
أشرقت شمس الصباح الجديد لتنسج خطوطًا ذهبية هادئة على أروقة القصر، مسقطةً ظلال الأسرة العريقة على البهو الخالي. في الجهة المقابلة للمطبخ الرئيسي، كانت سارة تقف بحقيبتها المدرسية الثقيلة المحمولة على ظهرها، وهي تضبط حزامها بتمهل قبل الخروج. أقبلت صوفيا بخطواتها المترزنة المعتادة، وهي تحمل بين يديها علبة طعام صغيرة أعدتها بعناية، ثم انحنت قليلًا لتنظر في وجه الصغيرة بنظرة دافئة حانية. قالت صوفيا بنبرة أمهوية: "صغيرتي... هل تناولتِ فطوركِ كاملاً قبل أن تجهزي للحافلة؟" أومأت سارة رأسها بنعاس خفيف، وردت بصوت ناعم: "نعم يا صوفيا... أكلتُ كل ما على الطاولة" ابتسمت صوفيا براحة وهي تضع علبة الطعام في جيب الحقيبة الجانبي، وقالت: "من الجيد جدًا أنكِ لا تهملين وجباتكِ الصباحية... هذا يعطيكِ النشاط طوال اليوم المدرسية" توقفت سارة لبرهة عند عتبة الباب الخارجي، وارتسمت على ملامحها الطفولية حيرة غريبة وهي تتأمل فراغ القاعة، ثم التفتت إلى صوفيا وسألتها ببراءة: "صوفيا... أليس على الإنسان أن يشعر بالنشاط والطاقة الكبيرة فور تناوله الطعام؟" اندهشت صوفيا قادمًا من سؤالها الفجائي، لكنها أجابت ب
اهتز الهاتف في يد الدكتور مالك، الاستشاري النفسي المخضرم والصديق المقرب لمراد. وما إن ظهر اسم مراد على الشاشة حتى أجاب بنبرة هادئة تمازجت فيها الصداقة بالوقار المهني: "أهلاً بالسيد مراد... لعله خير؟ مكالمة في هذا الوقت المتأخر... أرجو أن تكون للاطمئنان فقط؟" أطلق مراد ضحكة خفيفة لا خلو لها من النبرة الجادة، ورَدّ بنبرته الرخيمة المعتادة: "لا تقلق يا دكتور مالك... الأمر لا يخصني شخصيًا هذه المرة.ولكن أريد استشارتك في أمر طبّي؟ أريد أن أعرض عليك مجموعة من الأعراض التي لاحظتها، وأود أن أعرف ماذا تعني بالتحديد في الطب النفسي" اعتدل الدكتور مالك في جلسته، وتحولت نبرته السريعة إلى الجدية المهنية وهو يقول: "حسنًا مراد... أنا أسمعك بكل تركيز. ما هي هذه الأعراض التي تود الحديث عنها؟" أخذ مراد نفسًا عميقًا وأرجع رأسه إلى المقعد الجلدي الضخم، مغمضًا عينيه ليتذكر أدق التفاصيل التي رصدها على لارا طوال الفترة الماضية، وخاصة في الحفل الأخير. بدأ يسرُد الأعراض بالتفصيل : "الأمر يبدأ بشحوب مفاجئ وحاد في الوجه بمجرد التواجد في أماكن كثر فيها الحشود أو التجمعات الضخمة... تترافق مع ذلك زيغ في ال
ظل مراد ممسكًا ب كف لارا المرتجفة ب حزم ورفق، يقطع عليها أي منفذ للتراجع أو التواري خلف زوايا القاعة الضخمة. اقتادها بخطوات متزنة ووقار إلى منتصف المجلس، مجبرًا إياها على الوقوف بجانبه ومواجهة أعين رجال الأعمال وأعيان المجموعة الذين تناوبوا على إلقاء التحية والتبريكات. كانت لارا تقف إلى جواره ك الطيف الشاحب، ترسم ابتسامة باهتة ومصتنعة على شفتيها، بينما كان عقلها يغلي ب الحسرة على خطتها التي تهاوت بالكامل. لكن الاضطراب الأكبر كان يلتهم مراد نفسه؛ ف تلامس الأيدي الذي استمر طوال تواجدهما في الحفل أحدث في كيانه زلزالًا خفيًا من الارتباك والتوتر الدفين. أثار في صدر مراد نبضًا غريبايحاول ب كل قوته كتمانه والسيطرة عليه أمام الحضور. و قبل انتهاء الحفل تسلل نظرات الإعجاب والتهامس بين الحضور وأعيان الشركة؛ فقد أثار المشهد الدافئ لـ مراد وهو يمسك ب يد لارا ب حزم ورفق أمام الجميع انطباعاً آسرًا عن مدى التوافق والتمسك العاطفي بينهما. كانت عيون المدعوين تتابع الوقار المتناغم والانسجام الظاهر بين هيبة مراد وحضور لارا الأنيق، مما جعل الصحافة وأطباق المجتمع يثنون على ثبات هذه العلاقة وقوة ح
كان القصر يضج بالحركة منذ ساعات الظهيرة. ارتدت لارا فستانا أنيقًا ب ألوان هادئة ووقار يتماشى مع هيئة سيدة آل مهران، لكن داخلها كان يغلي ب صراع مرير؛ صراع بين رهابها الاجتماعي القاتل من الأعداد الغفيرة، وبين تصميمها الشرس على تنفيذ خطتها المحبوكة ب اختراق القواعد التي أخبرتها عنها صوفيا. نزل مراد الأدراج ب أبهى صور الهيبة، مرتداء بدلة سهرة داكنة أضفت عليه حزمًا وقارًا ووقف عند بداية البهو ينتظر نزولها. وعندما أطلت لارا، نظر إليها بنظرة عميقة هادئة، لا تخلو من تفحص الشحوب الخفيف الذي يحاول وجهها مداراته. اقترب منها مراد، هدوء ورزانة، قاطعًا الصمت بنبرته الرخيمة: "هل أنت جاهزة ؟ السيارة ب الانتظار" أومأت برأسها قائلة: "نعم... أنا جاهزة" انطلقت موكب السيارات الفاخرة نحو الفندق الضخم الذي يقام فيه الاحتفال. وطوال الطريق، كانت لارا تضغط على أناملها ب قوة داخل حقيبتها الصغيرة، محاولة تثبيت أنفاسها المترددة. كانت تردد في سرها بنوع من التحدي والذعر في آن واحد: "الليلة ستكون النهاية... سأخترق كل خط أحمر وضعه. سأنسحب فجأة ،وسأجبره على طردي من حياته ب ملء إرادته!" وصل موكب السيارات الفاخ
مر اليومان كأنهما دهر ثقيل على لارا، إذ كان الحديث عن الاحتفال المرتقب يتردد في أرجاء القصر كأنه جرس إنذار ينبئ بعاصفة. كان الذعر يتآكلها من مواجهة الأعداد الغفيرة والأعين المترقبة في القاعة المفتوحة، ولكن فكرة أخرى كانت تحبو في عتمة عقلها؛ فكرة نبعت من عجز خططها السابقة وتحطمها أمام حكمة مراد وحضوره الدائم. في صباح اليوم الذي يسبق الحفل، وفيما كانت صوفيا ترتب الملابس في الجناح، اقتربت لارا منها بملامح هادئة تخفي خلفها عيناً متفحصة، وسألتها بنبرة خفيضة: "صوفيا... هناك أمر أود معرفته. أنتِ هنا منذ سنوات طويلة وتعرفين مراد ونظامه أكثر من أي شخص. ما هي القواعد الصارمة التي يعتبرها مراد خطوطًا حمراء لا يمكن التغاضي عنها مطلقًا؟ سواء هنا في القصر أو في الحفلات والمناسبات الرسمية؟" توقفت صوفيا عن ترتيب الثياب، والتفتت إليها بابتسامة لطيفة، ظانة أن لارا تسعى بكل صدق لترسيخ مكانتها كربة منزل وتحرص على عدم إحراج العائلة أمام كبار رجال الأعمال. أخذت صوفيا نفسًا عميقًا وقالت بجدية: "يا سيدتي، السيد مراد رجل لا يعترف بالعشوائية، وقواعده ليست مجرد شكليات، بل لها أسباب عميقة تشكل هيبته ونف
لم يكن مراد رجلًا ينسى الفضل، ورغم حزمه وقسوته في إدارة شركته "غلوبال تيك"، إلا أن النجاح الباهر الذي حققته المنصة الموحدة أمام الوفد الأجنبي ترك في نفسه أثرًا عميقًا. والأهم من ذلك، أن اسم "حازم" أعاد إليه شريطاً طويلاً من الذكريات؛ فحازم لم يكن مجرد مهندس كفؤ أنهى خدمته في الشركة بكرامته، بل كان
لم تضيع لارا دقيقة واحدة. فتحت كمبيوترها المحمول بسرعة، وربطته عبر بروتوكول آمن بقاعدة بيانات شركة "غلوبال تيك" بعد أن منحها طارق صلاحية الدخول المؤقتة كمشرف نظام. ساد الصمت أركان الدكان الأنيق، ولم يكن يُسمع سوى نقرات أصابع لارا السريعة والمنظمة على لوحة المفاتيح. كان طارق وريم يراقبان الشاشة خلف
داخل الطابق الحادي عشر من برج شركة "غلوبال تيك للحلول الرقمية"، كانت الأجواء مشحونة بالتوتر الحاد الذي يمكن شمه في الهواء. القاعة الزجاجية المخصصة للاجتماعات تحولت إلى ما يشبه غرفة عمليات حربية؛ الأوراق مبعثرة في كل مكان، شاشات العرض الضخمة تومض بأكواد برمجية باللون الأحمر تشير إلى وجود أخطاء برمجي
انطلقت سيارة مراد تنهب الطريق نهبًا متجهة صوب مقر إمبراطوريته الرقمية "غلوبال تيك للحلول الرقمية". مراد ليس مجرد مدير تنفيذي، بل هو مؤسس هذا الكيان، وصاحب المال، ورئيس مجلسًا بأكمله الذي يملك الكلمة الأولى والأخيرة في مصير مئات الموظفين. لم تكن سارة مجرد طفلة تحتج على غياب والدها، بل كانت المرآة ا







