Share

في عمق الأزمة

Author: Nene124
last update publish date: 2026-06-04 02:45:21

داخل الطابق الحادي عشر من برج شركة "غلوبال تيك للحلول الرقمية"، كانت الأجواء مشحونة بالتوتر الحاد الذي يمكن شمه في الهواء. القاعة الزجاجية المخصصة للاجتماعات تحولت إلى ما يشبه غرفة عمليات حربية؛ الأوراق مبعثرة في كل مكان، شاشات العرض الضخمة تومض بأكواد برمجية باللون الأحمر تشير إلى وجود أخطاء برمجية قاتلة وتوقف مفاجئ في استجابة الخوادم، والجميع يتحدث في نفس الوقت بنبرة يملؤها الذعر والقلق من اللحظة التي سيدخل فيها صاحب الشركة ورئيس مجلسها من الباب.

الشركة، التي يملكها مراد ويديرها بصفته رئيس المجلس الأعلى، كانت على بعد ساعات قليلة من تقديم مشروع "المنصة الرقمية الموحدة" إلى الوفد الاستثماري الأجنبي —ومراد رجل لا يعرف الرحمة في المواعيد ولا يقبل بأقل من الكمال المطلق في شركته.

هذا المشروع هو الذي كان يركض مراد صباحًا من أجله ويقود سيارته بجنون ليلحق به، وإذا فشل العرض الحي، فإن سمعة الشركة في السوق ستتضرر بشدة، وسيفقد مراد عقدًا استثماريًا ضخمًا كان يخطط له منذ سنوات طويلة ليتوسع عالميًا.

يقود الفريق الهندسي والتقني داخل القاعة ثلاثة من أكفأ المهندسين والزملاء، وهم نفس الزملاء الذين عاصروا الأب "حازم" (أبو لارا) لسنوات طويلة وتلقوا تدريبهم تحت يده قبل تقاعده وإنهاء خدمته القانونية من الشركة:

المهندس طارق (مدير قطاع البرمجيات والتطوير): رجل أربعيني، يفرك جبينه بقلة حيلة وعيناه متعبتان أمام الشاشات. طارق مبرمج عبقري في كتابة الأكواد، لكنه يفتقد للحس التنظيمي الشامل الذي يربط الأقسام المختلفة ببعضها عند الضغط العالي وتدفق البيانات.

المهندسة ريم (محللة النظم الأقدم): تمسك بقلمها الإلكتروني وتنظر إلى تدفق البيانات المتداخل والمنهار على الشاشة التفاعلية. ريم تعلم تمامًا أن الهيكل الأساسي للمشروع به فجوة تنظيمية ضخمة في توزيع الأحمال، ولم يستطع أحد سدها منذ مغادرة حازم للشركة.

المهندس سامر (مسؤول أمن الحسابات والشبكات الرقمية): الشاب المسؤول عن حماية البيانات وسرعة استجابة الخوادم، والذي يرى أن النظام يتوقف بسبب الضغط الزائد وعدم توزيع المهام الرقمية بشكل صحيح بين قواعد البيانات المخزنة.

ضرب طارق بيده على الطاولة الخشبية وعيناه حمراوان من قلة النوم وضغط الوقت:

طارق: "هذا جنون مطبق! كلما قمنا بإصلاح ثغرة في قاعدة البيانات الشمالية، انهار نظام الجرد والتوقيع الإلكتروني بالكامل في القسم الجنوبي! المنصة لا تتحمل تدفق البيانات المتزامن، وإذا دخل مراد الآن ورأى هذا الانهيار، ستكون هذه نهاية الفريق التقني بالكامل في غلوبال تيك! أنتم تعرفون مراد، إنه صاحب الشركة ورئيسها التنفيذي ورئيس المجلس، ولا يقبل بنصف نجاح في صرحه الذي بناه بماله وجهده ونفسه!"

ريم (تضع قلمها وتلتفت لطارق بجدية): "أتعلم ما هي مشكلتنا الحقيقية يا طارق؟ نحن نملك الأكواد الحديثة لكننا لا نملك الهندسة التنظيمية الأساسية للنظام. هذا المشروع الجديد هو مجرد امتداد وتطوير للنظام القديم الذي وضعه المهندس حازم قبل أن ينهي خدمته ويتقاعد بكرامته. هو الوحيد الذي يفهم كيف تتدفق هذه البيانات المتداخلة دون أن تضرب بعضها بعضًا وتحدث هذا الشلل"

سامر (ينظر إلى ساعته بذعر): "حازم؟ لكن الرجل تقاعد منذ أشهر وافتتح مشروعه الخاص، دكانًاحديثًا في حيه، هل تطلبين منا الآن، ونحن تحت رحمة الساعات، أن نترك المكاتب ونذهب لرجل يدير دكانًا ليحل لنا معضلة برمجية بمليون دولار؟ مراد هو رئيس الشركة وصاحب الحلال كله، إن علم أننا عاجزون ونستعين بمتقاعد، سيطردنا جميعًا قبل أن يبدأ اجتماعه مع الوفد الاستثماري الأجنبي!"

ريم (بجدية وحدّة وهي تجمع حقيبتها): "نعم! لأن عقل حازم وخبرته ليسا حكرًا على جدران الشركات الزجاجية، والمنظومة الأساسية التي بناها هنا هي الوحيدة التي يمكن البناء عليها الآن. نحن بحاجة إليه فورًا قبل أن ينهي مراد اجتماعه الأولي مع الوفد ويطالبنا بالعرض الحي على الشاشة الرئيسية للشركة. لن نضيع الوقت في الجدال، لنذهب إليه الآن!"

لم يكن هناك مجال للتردد أو الخوف من غضب مراد؛ فالكارثة قادمة لا محالة إن لم يتحركوا. ركب طارق وريم سيارتهما وانطلقا بأقصى سرعة ممكنة نحو الحي الذي يقطنه حازم، مستعينين بنظام الخرائط للوصول إلى دكانه الجديد.

عندما وصلا وتوقفت السيارة أمام الموقع، وقفا لثوانٍ في حالة من الذهول والدهشة؛ لم يكن الدكان قديمًا، أو عشوائيًا بل كان صرحًا صغيرًا ومصممًا بأعلى درجات الأناقة والذكاء البصري؛ واجهة زجاجية بالكامل تكشف عن تنسيق داخلي مذهل، إضاءة مدروسة وموزعة بعناية، ورفوف خشبية متناسقة تحمل المنتجات بشكل ينم عن فكر منظم ورفيع المستوى.

خلف مكتب صغير وأنيق في زاوية الدكان، كانت لارا تجلس بكامل أناقتها أمام كمبيوتر محمول حديث، تعرض عليه رسومات بيانية متطورة ومخططات تنظيمية لجرد البضائع وحساب الأرباح والخسائر اليومية للدكان بنظام برمجته بنفسها.

وبجانبها كان والدها حازم يرتشف قهوته الصباحية بهدوء شديد، يملأ وجهه سلام داخلي افتقده زملاؤه في أروقة الشركة الساخنة.

دخل طارق وريم مسرعين، ويلهثان من التعب والقلق، التفت حازم إليهما وابتسم براحة ووقار عندما رأى وجوه زملائه القدامى في العمل:

حازم (يقف ويرحب بهما بحفاوة): "أهلًا بك يا طارق، أهلًا يا ريم! ما الذي أتى بملائكة التكنولوجيا والأنظمة الرقمية من أبراجهم العالية إلى دكاني المتواضع الجديد؟"

طارق (بصوت مرتجف ونبرة يملؤها الرجاء): ".سيد حازم، نحن في كارثة حقيقية لا يملك حلها غيرك. المنصة الموحدة الجديدة التي تملكها الشركة ستعرض في عرض حي ومباشر أمام مراد نفسه والوفد الاستثماري بعد ساعات قليلة، والنظام ينهار بالكامل ويتوقف عن الاستجابة عند محاكاة دخول المستخدمين. الأكواد التي كتبناها سليمة تمامًا، لكن هيكل تدفق المعلومات والبيانات يرفض الاستجابة والربط. جئنا نطلب مساعدتك وخبرتك، أنت من وضع حجر الأساس الهيكلي لهذا النظام قبل تقاعدك، ولا أحد غيرك يفهم مساراته الخفية"

ريم (بنبرة قريبة من البكاء): "لقد قمنا بتعديل تلك المخططات وتغيير مسارات البيانات بناءً على أوامر مراد المباشرة لكي نزيد من سرعة الاستجابة الظاهرية، ف انهار التوازن التنظيمي الداخلي للنظام بالكامل ولم نعد نعرف أين الثغرة. أرجوك يا سيد حازم، أنقذ فريقك القديم وتاريخنا، سمعتنا ومستقبلنا المهني في الشركة على المحك، ومراد صاحب الشركة ورئيس المجلس لن يرحم أحدًا منا ويقيلنا جميعًا إن فشل العرض وضاعت صفقة العمر أمامه"

حازم (يبتسم بهدوء شديد، ويضع يده على كتف ابنته بفخر): "أنا أنهيت خدمتي معكم بكل فخر واعتزاز يا زملائي العزيزين، ونظرتي للأنظمة والتحليلات أصبحت أبطأ وأكثر ميلاً للهدوء الآن لتناسب حياتي الجديدة وإدارتي لهذا المكان. ولكن... إذا كنتم تبحثون حقًا عن العقل الفذ الذي يمكنه ترتيب تلك الفوضى الرقمية العارمة بسرعة فائقة، وإعادة التوازن المفقود للنظام وبنائه بشكل حديث لا يخترق... فاسمحوا لي أن أعرفكم على ابنتي لارا، خريجة إدارة نظم المعلومات (MIS)"

لارا (تغلق حاسوبها المحمول ببطء وثقة شديدة، وتنظر إليهما بعيون تشع ذكاءً وطموحًا): "أهلًا بكم يا أساتذتي، لقد كنت أستمع إلى تفاصيل المشكلة بدقة وأنا أحلل كلامكم. مشكلتكم الكبرى في غلوبال تيك ليست في كتابة البرمجة أو قوة الخوادم، بل في أنكم تحاولون إجبار البيانات الضخمة على السير في مسار واحد متقاطع وضيق لإرضاء رغبة مديركم في السرعة الظاهرية، بدلًا من توزيع الأحمال وإدارة النظم بشكل مرن ومستقل. دعوني ألقي نظرة سريعة على لوحة التحكم والتحليل الخاصة بنظامكم عبر الشبكة الآن، وسأعطيكم الثغرة والحل الإستراتيجي لإصلاحها في أقل من ساعة واحدة"

نظر طارق وريم إلى لارا بذهول شديد ومفاجأة لم يتوقعوها، لكن نبرة الثقة والذكاء التي تحدثت بها جعلت الأمل يعود إلى قلوبهم من جديد. وبدأوا يدركون أن الحل لم يكن بحاجة إلى سنوات خبرة حازم التقليدية فحسب، بل إلى الفكر التقني الحديث والمتطور للغاية الذي تملكه ابنته لارا

ذلك الفكر الذي كانت تطبقه مؤقتًا في تنظيم وإدارة دكان والدها الحديث، وجاءت اللحظة الحاسمة ليخرج إلى النور وينقذ شركة "غلوبال تيك" من سقوط مدوٍ أمام رئيسها وصاحبها مراد والوفد الأجنبي المستثمر

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بروتوكول الانفصال   الفصل : 99

    أشرقت شمس اليوم التالي حيث كانت لارا تقف بين الرفوف الخشبية تتابع حركة المارة في الحي البسيط. طوال الليل، لم يهدأ عقلها عن التفكير؛ فحادثة الحفل الأخير وما تلاها من إفشال مراد لخطتها السابقة جعلتها تدرك أن الاختراق السطحي للبروتوكول لن يجدي نفعًا. كان عليها أن تضرب في العصب الحيوي لقواعده؛ أن ترتكب الفعل الذي ألمح إليها سابقًا بأنه خط أحمر لا تراجع فيه: المبيت خارج القصر. سرت في عروقها جراءة يائسة وهي تردّد في سرها: "إذا كان المبيت خارج البيت خطًا أحمر، وكانت صوفيا لم تذكره حتى بين القوانين لأنه خرق جسيم لا يتصوره أحد، فإنه اليوم سلاحي الأخير. مع ما حدث في حفل البارحة، محاولتي المباشرة للبقاء هنا هي القشة التي ستكسر صبره... هذه المرة لن يجد مبررًا للإبقاء عليّ، وسيتركني أغادر حياته كليًا" مرت ساعات الظهيرة ببطء شديد، وكانت عين لارا تترقب الباب بانتظار قدوم سارة كالعادة بعد انتهاء دوامها المدرسي. غير أن الغريب في ذلك اليوم أن الساعات انقضت دون أن تطل الصغيرة برأسها، ولا حتى أن تبعث بسلامها اليومي. جاء لارا شعور بالريبة، لكنها عزّت الأمر لربما إلى انشغال سارة بفرض مدرسي أو

  • بروتوكول الانفصال   الفصل : 98

    أشرقت شمس الصباح الجديد لتنسج خطوطًا ذهبية هادئة على أروقة القصر، مسقطةً ظلال الأسرة العريقة على البهو الخالي. في الجهة المقابلة للمطبخ الرئيسي، كانت سارة تقف بحقيبتها المدرسية الثقيلة المحمولة على ظهرها، وهي تضبط حزامها بتمهل قبل الخروج. أقبلت صوفيا بخطواتها المترزنة المعتادة، وهي تحمل بين يديها علبة طعام صغيرة أعدتها بعناية، ثم انحنت قليلًا لتنظر في وجه الصغيرة بنظرة دافئة حانية. قالت صوفيا بنبرة أمهوية: "صغيرتي... هل تناولتِ فطوركِ كاملاً قبل أن تجهزي للحافلة؟" أومأت سارة رأسها بنعاس خفيف، وردت بصوت ناعم: "نعم يا صوفيا... أكلتُ كل ما على الطاولة" ابتسمت صوفيا براحة وهي تضع علبة الطعام في جيب الحقيبة الجانبي، وقالت: "من الجيد جدًا أنكِ لا تهملين وجباتكِ الصباحية... هذا يعطيكِ النشاط طوال اليوم المدرسية" توقفت سارة لبرهة عند عتبة الباب الخارجي، وارتسمت على ملامحها الطفولية حيرة غريبة وهي تتأمل فراغ القاعة، ثم التفتت إلى صوفيا وسألتها ببراءة: "صوفيا... أليس على الإنسان أن يشعر بالنشاط والطاقة الكبيرة فور تناوله الطعام؟" اندهشت صوفيا قادمًا من سؤالها الفجائي، لكنها أجابت ب

  • بروتوكول الانفصال   الفصل : 97

    اهتز الهاتف في يد الدكتور مالك، الاستشاري النفسي المخضرم والصديق المقرب لمراد. وما إن ظهر اسم مراد على الشاشة حتى أجاب بنبرة هادئة تمازجت فيها الصداقة بالوقار المهني: "أهلاً بالسيد مراد... لعله خير؟ مكالمة في هذا الوقت المتأخر... أرجو أن تكون للاطمئنان فقط؟" أطلق مراد ضحكة خفيفة لا خلو لها من النبرة الجادة، ورَدّ بنبرته الرخيمة المعتادة: "لا تقلق يا دكتور مالك... الأمر لا يخصني شخصيًا هذه المرة.ولكن أريد استشارتك في أمر طبّي؟ أريد أن أعرض عليك مجموعة من الأعراض التي لاحظتها، وأود أن أعرف ماذا تعني بالتحديد في الطب النفسي" اعتدل الدكتور مالك في جلسته، وتحولت نبرته السريعة إلى الجدية المهنية وهو يقول: "حسنًا مراد... أنا أسمعك بكل تركيز. ما هي هذه الأعراض التي تود الحديث عنها؟" أخذ مراد نفسًا عميقًا وأرجع رأسه إلى المقعد الجلدي الضخم، مغمضًا عينيه ليتذكر أدق التفاصيل التي رصدها على لارا طوال الفترة الماضية، وخاصة في الحفل الأخير. بدأ يسرُد الأعراض بالتفصيل : "الأمر يبدأ بشحوب مفاجئ وحاد في الوجه بمجرد التواجد في أماكن كثر فيها الحشود أو التجمعات الضخمة... تترافق مع ذلك زيغ في ال

  • بروتوكول الانفصال   الفصل : 96

    ظل مراد ممسكًا ب كف لارا المرتجفة ب حزم ورفق، يقطع عليها أي منفذ للتراجع أو التواري خلف زوايا القاعة الضخمة. اقتادها بخطوات متزنة ووقار إلى منتصف المجلس، مجبرًا إياها على الوقوف بجانبه ومواجهة أعين رجال الأعمال وأعيان المجموعة الذين تناوبوا على إلقاء التحية والتبريكات. كانت لارا تقف إلى جواره ك الطيف الشاحب، ترسم ابتسامة باهتة ومصتنعة على شفتيها، بينما كان عقلها يغلي ب الحسرة على خطتها التي تهاوت بالكامل. لكن الاضطراب الأكبر كان يلتهم مراد نفسه؛ ف تلامس الأيدي الذي استمر طوال تواجدهما في الحفل أحدث في كيانه زلزالًا خفيًا من الارتباك والتوتر الدفين. أثار في صدر مراد نبضًا غريبايحاول ب كل قوته كتمانه والسيطرة عليه أمام الحضور. و قبل انتهاء الحفل تسلل نظرات الإعجاب والتهامس بين الحضور وأعيان الشركة؛ فقد أثار المشهد الدافئ لـ مراد وهو يمسك ب يد لارا ب حزم ورفق أمام الجميع انطباعاً آسرًا عن مدى التوافق والتمسك العاطفي بينهما. كانت عيون المدعوين تتابع الوقار المتناغم والانسجام الظاهر بين هيبة مراد وحضور لارا الأنيق، مما جعل الصحافة وأطباق المجتمع يثنون على ثبات هذه العلاقة وقوة ح

  • بروتوكول الانفصال   الفصل :95

    كان القصر يضج بالحركة منذ ساعات الظهيرة. ارتدت لارا فستانا أنيقًا ب ألوان هادئة ووقار يتماشى مع هيئة سيدة آل مهران، لكن داخلها كان يغلي ب صراع مرير؛ صراع بين رهابها الاجتماعي القاتل من الأعداد الغفيرة، وبين تصميمها الشرس على تنفيذ خطتها المحبوكة ب اختراق القواعد التي أخبرتها عنها صوفيا. نزل مراد الأدراج ب أبهى صور الهيبة، مرتداء بدلة سهرة داكنة أضفت عليه حزمًا وقارًا ووقف عند بداية البهو ينتظر نزولها. وعندما أطلت لارا، نظر إليها بنظرة عميقة هادئة، لا تخلو من تفحص الشحوب الخفيف الذي يحاول وجهها مداراته. اقترب منها مراد، هدوء ورزانة، قاطعًا الصمت بنبرته الرخيمة: "هل أنت جاهزة ؟ السيارة ب الانتظار" أومأت برأسها قائلة: "نعم... أنا جاهزة" انطلقت موكب السيارات الفاخرة نحو الفندق الضخم الذي يقام فيه الاحتفال. وطوال الطريق، كانت لارا تضغط على أناملها ب قوة داخل حقيبتها الصغيرة، محاولة تثبيت أنفاسها المترددة. كانت تردد في سرها بنوع من التحدي والذعر في آن واحد: "الليلة ستكون النهاية... سأخترق كل خط أحمر وضعه. سأنسحب فجأة ،وسأجبره على طردي من حياته ب ملء إرادته!" وصل موكب السيارات الفاخ

  • بروتوكول الانفصال   الفصل : 94

    مر اليومان كأنهما دهر ثقيل على لارا، إذ كان الحديث عن الاحتفال المرتقب يتردد في أرجاء القصر كأنه جرس إنذار ينبئ بعاصفة. كان الذعر يتآكلها من مواجهة الأعداد الغفيرة والأعين المترقبة في القاعة المفتوحة، ولكن فكرة أخرى كانت تحبو في عتمة عقلها؛ فكرة نبعت من عجز خططها السابقة وتحطمها أمام حكمة مراد وحضوره الدائم. في صباح اليوم الذي يسبق الحفل، وفيما كانت صوفيا ترتب الملابس في الجناح، اقتربت لارا منها بملامح هادئة تخفي خلفها عيناً متفحصة، وسألتها بنبرة خفيضة: "صوفيا... هناك أمر أود معرفته. أنتِ هنا منذ سنوات طويلة وتعرفين مراد ونظامه أكثر من أي شخص. ما هي القواعد الصارمة التي يعتبرها مراد خطوطًا حمراء لا يمكن التغاضي عنها مطلقًا؟ سواء هنا في القصر أو في الحفلات والمناسبات الرسمية؟" توقفت صوفيا عن ترتيب الثياب، والتفتت إليها بابتسامة لطيفة، ظانة أن لارا تسعى بكل صدق لترسيخ مكانتها كربة منزل وتحرص على عدم إحراج العائلة أمام كبار رجال الأعمال. أخذت صوفيا نفسًا عميقًا وقالت بجدية: "يا سيدتي، السيد مراد رجل لا يعترف بالعشوائية، وقواعده ليست مجرد شكليات، بل لها أسباب عميقة تشكل هيبته ونف

  • بروتوكول الانفصال   رد الجميل وزيارة الحي الهادئ

    لم يكن مراد رجلًا ينسى الفضل، ورغم حزمه وقسوته في إدارة شركته "غلوبال تيك"، إلا أن النجاح الباهر الذي حققته المنصة الموحدة أمام الوفد الأجنبي ترك في نفسه أثرًا عميقًا. والأهم من ذلك، أن اسم "حازم" أعاد إليه شريطاً طويلاً من الذكريات؛ فحازم لم يكن مجرد مهندس كفؤ أنهى خدمته في الشركة بكرامته، بل كان

  • بروتوكول الانفصال   تشريح الأكواد وبداية المعجزة

    لم تضيع لارا دقيقة واحدة. فتحت كمبيوترها المحمول بسرعة، وربطته عبر بروتوكول آمن بقاعدة بيانات شركة "غلوبال تيك" بعد أن منحها طارق صلاحية الدخول المؤقتة كمشرف نظام. ساد الصمت أركان الدكان الأنيق، ولم يكن يُسمع سوى نقرات أصابع لارا السريعة والمنظمة على لوحة المفاتيح. كان طارق وريم يراقبان الشاشة خلف

  • بروتوكول الانفصال   امتداد الفجوة والتحليل النفسي

    انطلقت سيارة مراد تنهب الطريق نهبًا متجهة صوب مقر إمبراطوريته الرقمية "غلوبال تيك للحلول الرقمية". مراد ليس مجرد مدير تنفيذي، بل هو مؤسس هذا الكيان، وصاحب المال، ورئيس مجلسًا بأكمله الذي يملك الكلمة الأولى والأخيرة في مصير مئات الموظفين. لم تكن سارة مجرد طفلة تحتج على غياب والدها، بل كانت المرآة ا

  • بروتوكول الانفصال   خيوط الصباح المنسوجة

    تتنفس المدينة الصعداء مع خيوط الفجر الأولى، وتتحرك الأزقة ببطء كأنها تستيقظ من حلم طويل. في زاوية ذلك الحي، تفوح رائحة الخبز الطازج ممتزجة بعبق الهيل المنبعث من الدكان الجديد الأنيق الذي افتتحه "أبو لارا" مؤخرًا مجهزًا إياه بواجهة زجاجية حديثة ورفوف خشبية مصممة بعناية تعكس ذوقه المنظم.تجلس لارا،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status