LOGINلم يكن مراد رجلًا ينسى الفضل، ورغم حزمه وقسوته في إدارة شركته "غلوبال تيك"، إلا أن النجاح الباهر الذي حققته المنصة الموحدة أمام الوفد الأجنبي ترك في نفسه أثرًا عميقًا. والأهم من ذلك، أن اسم "حازم" أعاد إليه شريطاً طويلاً من الذكريات؛ فحازم لم يكن مجرد مهندس كفؤ أنهى خدمته في الشركة بكرامته، بل كان الصديق الصدوق والرفيق الوفي لوالد مراد الراحل، والرجل الذي ساعد في وضع اللبنات الأولى لهذا الصرح التقني.
في المساء التالي، قرر مراد أن يتخلى عن بروتوكولاته الصارمة. ترك سائقه الخاص خلفه، وقاد سيارته بنفسه متوجهًا إلى ذلك الحي الذي يقطنه حازم. كانت الشوارع تضيق كلما اقترب، لكن الصخب هنا كان يحمل دفئًا افتقده في فيلاته الواسعة. توقفت السيارة الفارهة أمام الدكان الحديث الأنيق. ترجل مراد ببنيته القوية وبدلته الرسمية التي نزع رابطة عنقها لتبدو الأمور أكثر ودية. دخل من الباب الزجاجي ليدوي جرس صغير معلنًا وصوله. خلف المكتب الأنيق، كانت لارا تراجع حسابات المساء، وبجانبها حازم يقرأ في كتاب قديم. التفت الاثنان نحو الباب، وتفاجأ حازم برؤية ابن صديقه الراحل وصاحب الشركة يقف بشحمه ولحمه في دكانه المتواضع. حازم (يقف بترحيب ووقار): "أهلًا بك يا مراد يا بني، بل أهلًا بالسيد مراد رئيس المجلس. خطوة عزيزة، لم أكن أتوقع أن أرى صاحب غلوبال تيك في دكاني الصغير" مراد (يتقدم بابتسامة صادقة ويمد يده لمصافحته بحرارة): "أرجوك يا عم حازم، أنا هنا لست رئيس المجلس، أنا هنا مراد، ابن صديقك وأخيك الراحل. جئت لأشكرك أولاً على سنوات عطائك، ولأعتذر إن كان صخب العمل قد أنسانا السؤال عنك بعد تقاعدك" حازم (يربت على كتفه): "والدك رحمه الله كان قطعة من قلبي، والشركة شركتك، ونجاحها يسعدني وكأنني ما زلت خلف مكتبي" مراد (يلتفت بنظره نحو لارا التي وقفت بهدوء وثقة): "والحقيقة الأخرى يا عم حازم... أنني جئت لأشكر العقل المدبر الذي أنقذ سمعة الشركة وأموالي بالأمس. المهندس طارق وريم أطلعاني على كل شيء" حازم (يبتسم ويشير لابنته): "هذه لارا، ابنتي وفخر عقلي" مراد (ينظر إلى لارا بنظرة تقدير حذرة): "آنسة لارا، أنا مدين لكِ بشكر شخصي. الطريقة التي فككتِ بها اختناق البيانات كانت احترافية ومبهرة، لقد غيرتِ مسار مشروع كاد يعصف بالشركة، وأثبتِّ أن رؤيتكِ تجاوزت رؤية قطاع كامل من المهندسين" لارا (بهدوء وثبات، وعيناها تلتقيان بعينيه دون تردد): "لا شكر على واجب يا سيد مراد، غلوبال تيك مكان عمل والدي الذي احبه وعمل به بجهده، ولم أكن لأسمح بنهيار جزء من تاريخه. مشكلتكم كانت بسيطة، لكن عندما يركز الإنسان على السرعة والربح فقط، تغيب عنه التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق" شعر مراد بوخزة من صراحتها؛ فهذه الفتاة لا تخشاه كبقية الموظفين، بل تتحدث بثقة مذهلة تنم عن عقل راجح وشخصية قوية. جلس مراد مع حازم لبعض الوقت، يتجاذبان أطراف الحديث عن الماضي وذكريات والده، بينما كانت لارا تتابع عملها بصمت ذكي، مراقبةً هذا الرجل الذي يمثل كل ما ترفضه في عالم الشركات الجاف. غادر مراد الحي القديم، وبقيت ملامح لارا وصوت والدها حازم يرافقانه طوال طريق العودة. كان شعور غريب يتسلل إلى صدره؛ فهناك، في تلك المساحة المحدودة بين رفوف الدكان الأنيق، لمس نوعًا من السلام لم يجد له مكانًا في صرح شركته الضخم، ولا تحت سقف فيلاته الشاهقة. تذكر نظرات سارة العاتبة صباحًا وتلك الكلمات القاسية التي رمتها في وجهه: "المستقبل الذي تصنعه لي يسرق منك حاضري". أوقف مراد سيارته في الممر العريض المحاط بحديقة الفيلا. كانت الأنوار الخارجية خافتة، والهدوء المطبق يلف المكان كالعادة. نظر إلى ساعته اليدوية، كانت تشير إلى التاسعة مساءً. في الأيام العادية، هذا هو وقت عودته المعتاد، لكنه اليوم لم يكن عائدًا ليرتمي على سريره من التعب، بل كان يحمل معه عهدًا جديدًا قطعه على نفسه وهو يراقب علاقة حازم الدافئة بابنته لارا. دخل الفيلا، وسأل الخادمة بنبرة هادئة غير معتادة: مراد: "أين سارة؟" الخادمة: "في غرفتها يا سيدي، تدرس منذ ساعات ولم تنزل لتناول العشاء بعد" صعد مراد السلالم الرخامية بخطوات وئيدة، وتوقف أمام باب غرفتها. طرق الباب برفق، وانتظر لحساب ثوانٍ حتى أتاه صوتها الخافت: "تفضل". فتح مراد الباب، ليجد سارة تجلس أمام مكتبها الصغير، والكتب مبعثرة حولها، بينما يضيء مصباح المكتب وجهها المتعب. التفتت بذهول عندما رأته؛ فلم يكن من عادته أن يدخل غرفتها في هذا الوقت، لاسيما بعد مشادة الصباح. مراد (يدخل ويغلق الباب خلفه، متخليًا عن حذره الإداري): "مساء الخير يا سارة. أرجو ألا أكون قد قاطعت دراستكِ" سارة (تنظر إليه بنظرة حذرة، وتغلق دفترها ببطء): "مساء النور يا أبي. لا، كنت أراجع بعض الدروس فقط. هل حدث شيء في غلوبال تيك؟" مراد (يمشي نحو السرير ويجلس على طرفه، مقلصًا المسافة بينهما): "الشركة بخير، والمنصة الموحدة حققت نجاحًا باهرًا اليوم مع المستثمرين. لكنني لس ت هنا لأتحدث عن العمل... جئت لأعتذر منكِ" سارة (تتسع عيناها دهشة، وتبقى صامتة لثوانٍ): "تعتذر؟ عن ماذا؟" مراد: "عن صباح اليوم، وعن كل الصباحات التي تركتكِ فيها تأكلين بمفردكِ. سارة (تتحرك ببطء وتجلس في المقابل له، ونبرة صوتها تبدأ في اللين): "أنا لا أكره شركتك يا أبي، أنا فقط... أشعر أنني غير مرئية في جدول مواعيدك" مراد (يمد يده ويمسك يدها الصغيرة بحنان): "أنتِ المشروع الأهم والوحيد في حياتي يا سارة، واليوم جئت لأعيد ضبط هذا النظام بالكامل. ما رأيكِ أن نبدأ بالتعويض فورًا؟" سارة (بابتسابة باهتة تحاول الخروج): "كيف؟" مراد: "غدًا هو نهاية الأسبوع. لن أذهب إلى غلوبال تيك، ولن أفتح بريدي الإلكتروني، وهاتفي هذا سيكون مغلقًا في درج مكتبي. سنخرج معًا، أنتِ وأنا فقط. سنذهب إلى ذلك المكان الذي طلبتِ مني زيارته منذ أشهر، سنتناول الغداء، ونسير على الشاطئ، وسأستمع إلى كل تفاصيل مدرستكِ وصديقاتكِ دون أن أنظر إلى ساعتي لمرة واحدة. ما رأيكِ؟" سارة (تنظر في عينيه لترتسم على وجهها ابتسامة حقيقية وعريضة افتقدها منذ سنوات): "هل تعدني فعلًا يا أبي؟ دون مكالمات طارئة من رامي؟" مراد (يبتسم ويشد على يدها): "أعدكِ وعدًا قاطعًا لا يقبل أي خرق للبنود. غداً هو يوم سارة بالكامل" ارتمت سارة في حضن والدها بقوة، وشعر مراد في تلك اللحظة بطاقة دافئة غمرت قلبه، طاقة لم تمنحها له كل صفقات غلوبال تيك الناجحة. مسح على رأسها، وأصر على أن ينزلا معًا لتناول وجبة عشاء خفيفة، حيث تبادلا الضحك والأحاديث البسيطة، وكأن الفيلا الباردة بدأت تدب فيها الحياة لأول مرة بفضل تلك الزيارة الإنسانية التي قام بها لدكان حازم.اهتز الهاتف في يد الدكتور مالك، الاستشاري النفسي المخضرم والصديق المقرب لمراد. وما إن ظهر اسم مراد على الشاشة حتى أجاب بنبرة هادئة تمازجت فيها الصداقة بالوقار المهني: "أهلاً بالسيد مراد... لعله خير؟ مكالمة في هذا الوقت المتأخر... أرجو أن تكون للاطمئنان فقط؟" أطلق مراد ضحكة خفيفة لا خلو لها من النبرة الجادة، ورَدّ بنبرته الرخيمة المعتادة: "لا تقلق يا دكتور مالك... الأمر لا يخصني شخصيًا هذه المرة.ولكن أريد استشارتك في أمر طبّي؟ أريد أن أعرض عليك مجموعة من الأعراض التي لاحظتها، وأود أن أعرف ماذا تعني بالتحديد في الطب النفسي" اعتدل الدكتور مالك في جلسته، وتحولت نبرته السريعة إلى الجدية المهنية وهو يقول: "حسنًا مراد... أنا أسمعك بكل تركيز. ما هي هذه الأعراض التي تود الحديث عنها؟" أخذ مراد نفسًا عميقًا وأرجع رأسه إلى المقعد الجلدي الضخم، مغمضًا عينيه ليتذكر أدق التفاصيل التي رصدها على لارا طوال الفترة الماضية، وخاصة في الحفل الأخير. بدأ يسرُد الأعراض بالتفصيل : "الأمر يبدأ بشحوب مفاجئ وحاد في الوجه بمجرد التواجد في أماكن كثر فيها الحشود أو التجمعات الضخمة... تترافق مع ذلك زيغ في ال
ظل مراد ممسكًا ب كف لارا المرتجفة ب حزم ورفق، يقطع عليها أي منفذ للتراجع أو التواري خلف زوايا القاعة الضخمة. اقتادها بخطوات متزنة ووقار إلى منتصف المجلس، مجبرًا إياها على الوقوف بجانبه ومواجهة أعين رجال الأعمال وأعيان المجموعة الذين تناوبوا على إلقاء التحية والتبريكات. كانت لارا تقف إلى جواره ك الطيف الشاحب، ترسم ابتسامة باهتة ومصتنعة على شفتيها، بينما كان عقلها يغلي ب الحسرة على خطتها التي تهاوت بالكامل. لكن الاضطراب الأكبر كان يلتهم مراد نفسه؛ ف تلامس الأيدي الذي استمر طوال تواجدهما في الحفل أحدث في كيانه زلزالًا خفيًا من الارتباك والتوتر الدفين. أثار في صدر مراد نبضًا غريبايحاول ب كل قوته كتمانه والسيطرة عليه أمام الحضور. و قبل انتهاء الحفل تسلل نظرات الإعجاب والتهامس بين الحضور وأعيان الشركة؛ فقد أثار المشهد الدافئ لـ مراد وهو يمسك ب يد لارا ب حزم ورفق أمام الجميع انطباعاً آسرًا عن مدى التوافق والتمسك العاطفي بينهما. كانت عيون المدعوين تتابع الوقار المتناغم والانسجام الظاهر بين هيبة مراد وحضور لارا الأنيق، مما جعل الصحافة وأطباق المجتمع يثنون على ثبات هذه العلاقة وقوة ح
كان القصر يضج بالحركة منذ ساعات الظهيرة. ارتدت لارا فستانا أنيقًا ب ألوان هادئة ووقار يتماشى مع هيئة سيدة آل مهران، لكن داخلها كان يغلي ب صراع مرير؛ صراع بين رهابها الاجتماعي القاتل من الأعداد الغفيرة، وبين تصميمها الشرس على تنفيذ خطتها المحبوكة ب اختراق القواعد التي أخبرتها عنها صوفيا. نزل مراد الأدراج ب أبهى صور الهيبة، مرتداء بدلة سهرة داكنة أضفت عليه حزمًا وقارًا ووقف عند بداية البهو ينتظر نزولها. وعندما أطلت لارا، نظر إليها بنظرة عميقة هادئة، لا تخلو من تفحص الشحوب الخفيف الذي يحاول وجهها مداراته. اقترب منها مراد، هدوء ورزانة، قاطعًا الصمت بنبرته الرخيمة: "هل أنت جاهزة ؟ السيارة ب الانتظار" أومأت برأسها قائلة: "نعم... أنا جاهزة" انطلقت موكب السيارات الفاخرة نحو الفندق الضخم الذي يقام فيه الاحتفال. وطوال الطريق، كانت لارا تضغط على أناملها ب قوة داخل حقيبتها الصغيرة، محاولة تثبيت أنفاسها المترددة. كانت تردد في سرها بنوع من التحدي والذعر في آن واحد: "الليلة ستكون النهاية... سأخترق كل خط أحمر وضعه. سأنسحب فجأة ،وسأجبره على طردي من حياته ب ملء إرادته!" وصل موكب السيارات الفاخ
مر اليومان كأنهما دهر ثقيل على لارا، إذ كان الحديث عن الاحتفال المرتقب يتردد في أرجاء القصر كأنه جرس إنذار ينبئ بعاصفة. كان الذعر يتآكلها من مواجهة الأعداد الغفيرة والأعين المترقبة في القاعة المفتوحة، ولكن فكرة أخرى كانت تحبو في عتمة عقلها؛ فكرة نبعت من عجز خططها السابقة وتحطمها أمام حكمة مراد وحضوره الدائم. في صباح اليوم الذي يسبق الحفل، وفيما كانت صوفيا ترتب الملابس في الجناح، اقتربت لارا منها بملامح هادئة تخفي خلفها عيناً متفحصة، وسألتها بنبرة خفيضة: "صوفيا... هناك أمر أود معرفته. أنتِ هنا منذ سنوات طويلة وتعرفين مراد ونظامه أكثر من أي شخص. ما هي القواعد الصارمة التي يعتبرها مراد خطوطًا حمراء لا يمكن التغاضي عنها مطلقًا؟ سواء هنا في القصر أو في الحفلات والمناسبات الرسمية؟" توقفت صوفيا عن ترتيب الثياب، والتفتت إليها بابتسامة لطيفة، ظانة أن لارا تسعى بكل صدق لترسيخ مكانتها كربة منزل وتحرص على عدم إحراج العائلة أمام كبار رجال الأعمال. أخذت صوفيا نفسًا عميقًا وقالت بجدية: "يا سيدتي، السيد مراد رجل لا يعترف بالعشوائية، وقواعده ليست مجرد شكليات، بل لها أسباب عميقة تشكل هيبته ونف
مرت الأيام متتابعة ب هدوء ظاهري يحمل في طياته الكثير من التغيرات الخفية؛ إذ أصبحت سارة تتردد ب شكل شبه يومي على دكان السيد حازم بعد انتهاء ساعات مدرستها. كانت تجد في ذلك المكان البسيط وبين جدرانه الكثير من الدفء العائلي الصادق الذي حرمت منه طوال حياتها. ومع تكرار الزيارات، توطدت الأواصر ب شكل لافت؛ إذ تعلق والدا لارا ب سارة الصغيرة ب شكل شديد، وأصبح حازم يعاملها ك إنها حفيدته الفعليه التي لم تلدها ابنت، بينما كانت والدة لارا تغمرها ب الحنان والوجبات المنزلية الشهية. لم تكن سارة تفارق جانب لارا لحظة واحدة أثناء تواجدها في الدكان، وتتابع تحركاتها ب عيون ملؤها الأمان والتوسل، وكأنها وجدت فيها الأمومة والملجأ الحقيقي. ولكن على الجانب الآخر، كان هذا القرب المتبادل يبعث في نفس لارا موجات متزايدة من الخوف والاضطراب. كانت تجلس خلف مكتبها تقلب حاسوبها المحمول، وعقلها مشغول ب فكرة واحدة لا تبرحه: كيف تتخلص من هذا الزواج الصوري وتستعيد استقلاليتها؟ بدأ الرعب يتسلل إلى قلبها وهي ترى كيف تعاندها الظروف وتسير كل الأمور في غير صالح خططها؛ فبدلًا من أن تجد ثغرة للابتعاد، رأت والديها يغرقا
ما كان يزعج لارا بشدة ويؤرق تفكيرها في هذه اللحظة بالذات هو هيبة خطواته الصارمة التي رن صدى وقعها عند عتبة الدكان فجأة! قُطع الضجيج العائلي الدافئ ب حركة الباب الهادئة، ودخول مراد بشخصيته الطاغية وبدلته الرسمية الداكنة التي أضفت على المكان البسيط هالته المعتادة من الوقار والنفوذ. انقطعت الضحكات لوهلة، وتسمرت الأعين نحوه في مفاجأة كبرى أذهلت الجميع، وجعلت لارا تبتلع ريقها بصعوبة؛ فقد كان مجيئه بمثابة البصمة النهائية والأكيدة لإحباط فكرة مبيتها خارج القصر دون أن يدرك هو حتى ما كانت تُضمره في سرها! قبل دقائق معدودة، كان هاتف مراد قد اهتز في مكتبه؛ حيث اتصل به السائق الخاص يعتذر بنبرة متوترة ويخبره بأن سارة لم تذهب إلى القصر مباشرة بعد المدرسة، بل أجبرته بطفولية وحماس على توجيه السيارة نحو دكان السيد حازم للالتحاق بـ لارا دون علم والدها. لم يتهاون مراد، بل توجه بنفسه فورًا إلى المكان ليصطحب زوجته وابنته التي يتوجب عليها الالتزام بقواعد بيته. ترجل مراد وخطا إلى الداخل بعينين صارمتين، يكسوهما انزعاج مكتوم من تصرف سارة المفاجئ. التفت فورًا يارة ، وقال بنبرة رخيمة ولكنها حازمة تحمل توب
تتنفس المدينة الصعداء مع خيوط الفجر الأولى، وتتحرك الأزقة ببطء كأنها تستيقظ من حلم طويل. في زاوية ذلك الحي، تفوح رائحة الخبز الطازج ممتزجة بعبق الهيل المنبعث من الدكان الجديد الأنيق الذي افتتحه "أبو لارا" مؤخرًا مجهزًا إياه بواجهة زجاجية حديثة ورفوف خشبية مصممة بعناية تعكس ذوقه المنظم.تجلس لارا،
لم تضيع لارا دقيقة واحدة. فتحت كمبيوترها المحمول بسرعة، وربطته عبر بروتوكول آمن بقاعدة بيانات شركة "غلوبال تيك" بعد أن منحها طارق صلاحية الدخول المؤقتة كمشرف نظام. ساد الصمت أركان الدكان الأنيق، ولم يكن يُسمع سوى نقرات أصابع لارا السريعة والمنظمة على لوحة المفاتيح. كان طارق وريم يراقبان الشاشة خلف
داخل الطابق الحادي عشر من برج شركة "غلوبال تيك للحلول الرقمية"، كانت الأجواء مشحونة بالتوتر الحاد الذي يمكن شمه في الهواء. القاعة الزجاجية المخصصة للاجتماعات تحولت إلى ما يشبه غرفة عمليات حربية؛ الأوراق مبعثرة في كل مكان، شاشات العرض الضخمة تومض بأكواد برمجية باللون الأحمر تشير إلى وجود أخطاء برمجي
انطلقت سيارة مراد تنهب الطريق نهبًا متجهة صوب مقر إمبراطوريته الرقمية "غلوبال تيك للحلول الرقمية". مراد ليس مجرد مدير تنفيذي، بل هو مؤسس هذا الكيان، وصاحب المال، ورئيس مجلسًا بأكمله الذي يملك الكلمة الأولى والأخيرة في مصير مئات الموظفين. لم تكن سارة مجرد طفلة تحتج على غياب والدها، بل كانت المرآة ا







