LOGINعادت دينا إلى جوار الأريكة بعينين دامعتين، وأخذت تنفخ البالونات واحدة تلو الأخرى في صمت شديد."دينا، ماذا تفعلين هنا؟"اقتربت منها جمانة وربتت برفق على كتفها، وسألتها: "اليوم عيد ميلاد العمة شروق، ألا تشعرين بالسعادة؟"أشاحت دينا بنظراتها في شيء من التهرب، وقالت: "بلى!"قالت جمانة بابتسامة مشرقة: "إذن، لنذهب معًا ونعد كعكة للعمة شروق. هيا!"وبينما كانت تقول ذلك، أمسكت بيد دينا وسحبتها نحو المطبخ.لكن عندما وصلتا إلى باب المطبخ، رأت دينا تميم يرمقها بنظرة جانبية، فسارعت إلى التوقف في مكانها، ولم تجرؤ على التقدم أكثر.كانت ترغب بشدة أن تنضم إليهما، وتساعدهما في خفق الكريمة وتزيين الكعكة، لكن قدميها بدتا وكأنهما متسمرتان في الأرض.كانت تخشى تميم لما يبدو على وجهه من عبوس وبرود، وفي الوقت نفسه تشعر بأن وقوفها بهذه الصورة يجعلها تفقد كرامتها.في المطبخ، كان تميم يراقب بطرف عينه ذلك الجسد الصغير الواقف عند الباب.كان يدرك ما يدور في ذهن دينا، لكنه ليس ملاكًا.عندما رأى صباحًا تلك المنشورات التي نشرها حازم على تويتر، أدرك أن دينا هي التي أخبرته بعيد ميلاد شروق، فعادت إليه مشاعر النفور التي جا
كانت هذه السيارة من طراز محدود الإصدار، وقد اشتراها حازم في مزاد قبل بضعة أيام، وتصدرت الأخبار آنذاك.رغم أنه تعرض لهجوم وانتقادات لاذعة، كما مرت مجموعة الرشيد بأزمة شديدة، فإنني سمعت أن نبيل- والد حازم- كان لا يزال يتمتع بشبكة واسعة من العلاقات التي بناها في السابق. علاوة على ذلك، كانت عائلة الرشيد من العائلات التي توارثت الأعمال جيلًا بعد جيل، وراكمت على مدى أجيال شبكة هائلة من العلاقات والثروة، مما جعل جذورها راسخة للغاية، ولذلك تمكنت مجموعة الرشيد من تجاوز هذه الأزمة.فقدت أمي حياتها، بينما ظل حازم وفريال يعيشان حياتهما براحة ورفاهية كالمعتاد، ولم يتأثرا تقريبًا بأي شيء.بل على العكس، منذ أن نشرت وثيقة زواجي وكشفت فضائح عائلة الرشيد، أصبح حازم أكثر جرأة، وأصبحت تصرفاته أكثر انفلاتًا.في السابق، كان على الأقل يحاول التستر على الأمر والحفاظ على قدر من ماء الوجه، أما الآن فقد أصبح لا يكترث بأي شيء، حتى إنه وقف علنًا عند بوابة الشركة ليمنعني من المرور، دون أن يبالي بنظرات المحيطين به.كان بعض زملائي قد توقفوا بالفعل، وأخذوا يشيرون إليه ويتحدثون عنه، وفي الوقت نفسه، كان كثيرون يرمقونني
أجبرت نفسي على كبت المشاعر المتلاطمة في داخلي، ثم فتحت الباب، ونزلت إلى الطابق السفلي.في غرفة الطعام، كانت السيدة سميرة تجلس في المقعد الرئيسي، وكانت عابسة بعض الشيء، وما إن رأتني حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة ودودة، وقالت: "لقد استيقظتِ يا شروق. تعالي واجلسي، لقد أعددت لكِ وجبة مغذية من الكافيار. عليكِ أن تأكلي جيدًا، فالكافيار يعوّض نقص الدم."شكرت السيدة سميرة.ما إن جلست حتى قالت بنبرة استياء واضحة، وكأنها لم تستطع كبح جماح نفسها: "هذا أمر غريب حقًا! كيف عرف حازم أن اليوم هو عيد ميلادكِ بالتقويم القمري؟ نشر تلك الصور على تويتر صباحًا، ومن الواضح أنه يستعرض أمام الناس!"توقفت يدي التي بها الملعقة عن الحركة للحظة، وامتلأ قلبي بالحيرة.حتى أنا نسيت تاريخ ميلادي القمري، فكيف تذكّره حازم؟لم يعلّق تميم الجالس قبالتي، وإنما ألقى نظرة عابرة على دينا.خفضت دينا رأسها فجأة كما لو أنها قد فُزعت، وأخذت تعبث بالعصيدة في وعائها، بينما احمر طرفا أذنيها بشدة.كان ارتباكها وتجنبها للنظر كفيلين بكتابة عبارة: "أنا من أخبرته" على جبينها.لكن السيدة سميرة لم تلاحظ ذلك، واستدارت وأخرجت من خلف ظهرها صند
لكنه لم يحذف التعليقات، ولم يغلق قسم التعليقات أيضًا.بالنسبة إليه، ما دامت أسعار أسهم شركة الرشيد مستقرة، وأزمة الشركة قد حلت، فإن كل تلك الشتائم لم تكن سوى ضوضاء لا أهمية لها.أصبحت صفحته على تويتر، التي كانت في السابق خاوية تمامًا، تضم الآن عددًا لا بأس به من المتابعين، وفي كل مرة ينشر فيها شيئًا، كانت التعليقات تتدفق بكثرة.صحيح أن محتوى معظم التعليقات كان شتائم، لكنه لم يكن يستطيع النشر إلا هنا، إذ كانت هذه فرصته الوحيدة ليجعل شروق تراه.رتّب صور الكعكة التي التقطها بعناية، وأرفق بها قلبًا.ما إن ضغط على زر النشر حتى شعر في قرارة نفسه بتوتر خفيف.كان يعلم أن شروق قد لا تراها، لكنه أرادها أن تعرف أنه يتغير.وبعد وقت قصير، اشتعل قسم التعليقات."هل بدأ هذا الوغد من جديد؟ لأي عشيقة صنع هذه الكعكة؟""هل أوشكت شركة الرشيد على الإفلاس؟ رئيس المجموعة المحترم بدأ يسلك طريق الشهرة السيئة ليصبح من مشاهير الإنترنت؟""هل صنعت هذه الكعكة بنفسك؟ لا بأس، تبدو جيدة فعلًا! بما أنك لا تصلح زوجًا، فربما يكون التحول إلى صانع حلويات خيارا جيدا لك!"قرأ حازم التعليقات واحدًا تلو الآخر، لكنه لم يغضب، بل
ترك حازم والدته تضربه كما تشاء، وظل وجهه خاليًا من أي تعبير، ثم التفت إلى حارسين عند الباب، وأمرهما ببرود: "أوصلا السيدة إلى قاعة العبادة لكي تهدأ قليلًا.""ماذا... ماذا تقصد؟"توقفت فريال عن البكاء فجأة، ونظرت إلى ابنها بعدم تصديق.وسرعان ما دخل حارسان يرتديان بدلتين سوداوين، وقال أحدهما بلهجة رسمية: "سيدتي، تفضلي.""حازم! كيف تجرؤ على معاملتي بهذه الطريقة؟ أنا والدتك!"كانت فريال غاضبة وخائفة في آنٍ واحد، حتى إن صوتها أخذ يرتجف.وقعت عينا حازم عليها، وكان فيهما مسحة خفيفة من الكآبة، وقال: "إذا كنتِ لا تريدين الذهاب إلى قاعة العبادة للتوبة، فعُودي إلى غرفتكِ، ولا تستفزيني مجددًا، فقد كان لكِ دور مؤثّر في وصولي أنا وشروق إلى ما نحن عليه اليوم."كانت كلماته كدلو من الماء البارد الذي انسكب على فريال، فأطفأ في لمح البصر كل ما تبقى من غرورها وغضبها.نظرت إلى عيني ابنها الباردتين، فشعرت فجأة بموجة من الخوف تجتاح قلبها، فقد أحست في تلك اللحظة أنه لم يعد يبالي بأحد حقًا، حتى بأقرب الناس إليه.لكنه بدا مستعدًا للتخلي عن كل شيء من أجل شروق، بل إنه تخلى عن كبريائه ليصنع لها كعكة بنفسه؛ أما مع ال
اعتادت شروق في السنوات الماضية أن تحتفل بعيد ميلادها وفق التقويم الميلادي، ولذلك نسي حازم هذا التاريخ.لقد فهم الأمر الآن.اجتاح حازم غضب عارم.يبدو أن تميم لم يدخر وسيلة في سبيل استمالة شروق وإرضائها!لكن ما لبث أن خطر له أمر آخر؛ إذا كانت دينا قد أخبرته بهذا الأمر طواعية، ألا يعني ذلك أن ابنته ما زالت تميل إليه؟لانت نبرة صوته أكثر، وسألها: "دينا، هل ما زلتِ تتمنين أن تعود أمكِ إليّ لنكون عائلة؟"تنهدت دينا بخفة، وكان صوتها يحمل نبرة عجز كأنها شابة وليست طفلة: "أبي، لا بد أنك كنت سيئًا جدًا مع أمي في السابق، وإلا فلماذا تحب أمي العم تميم ولا تحبك؟"صمتت للحظة، وكأنها تتخذ قرارًا، ثم قالت: "ما رأيك أن تصنع أنت أيضًا كعكة لأمي بيديك؟"أحس حازم بقلبه يضطرب، وشعر بدفء عذب ممزوج بالمرارة.كانت كلمات ابنته أشبه بجرعة من القوة، فمنحته ثقة بالنفس على الفور.قبض على هاتفه بإحكام، وقال بنبرة حازمة: "لا تقلقي يا صغيرتي، هذه المرة سأبذل قصارى جهدي، وسأجعل أمك تتقبلني من جديد، وسنصبح عائلة واحدة، حسنًا؟""إذن، لا تخيب أملي هذه المرة!"وأخيرًا تسلل الفرح إلى صوت دينا كشمس أشرقت بعد المطر.هل ستستط







