로그인تجمدت الابتسامة على وجه مالك بشكل واضح.وعندما نزل إلى الأسفل، صادف يوسف مستندا إلى الجدار، وكأنه ينتظر أحدا.مجرد تبادل نظرات كان كافيا ليدرك مالك أن الآخر عرف أن فادية كانت معه على السطح، ومع ذلك… لم يقاطعهما يوسف!قالت فادية لتوضح مسارها: "سأذهب معه إلى قصر الراسني القديم يا أخي."كان مالك يظن أن يوسف سيمنعها.لكن كل ما رآه هو أن يوسف أخذ معطفا نسائيا وقدمه لفادية."الجو يبرد في النصف الثاني من الليل، ارتديه.""شكرا يا أخي."حتى بعد أن صعدا إلى السيارة، ظل مالك يسترجع ما حدث، وكان يشعر بأن شيئا ما تغير بينهما.أخ؟هو يتذكر جيدا أن يوسف كان يحمل لفادية مشاعر رجل تجاه امرأة.لكن عندما نادته قبل قليل بكلمة "أخي"، كانت نظراته حقا نظرات أخ كبير....قصر الراسني القديم.اليوم عيد ميلاد زيد، لكن هذا اليوم لا يحمل أي معنى خاص للحاجة الراسني.حفلة عيد الميلاد كل عام ليست إلا مناسبة لفتح باب التواصل بين عائلة الراسني وبقية عائلات العاصمة.الحاجة الراسني تقدم بها العمر، ولم تعد تهتم بهذه المجاملات، لذلك لم تذهب إلى معرض الرسم.وكانت قد نامت مبكرا.لكن عندما أسرع مالك حاملا سامي إلى سيارة الإسع
كان ينبغي لها أن تدفعه بعيدا.لكن كان في داخلها صوت يقول لها ألا تدفعه بعيدا الآن!ومع نسيم خفيف، لا تدري فادية متى رفعت يدها لتضعها على ظهره وتبادله العناق.إلى أن دوى رنين هاتف مالك.استمر الهاتف يرن طويلا، ومالك لا يتحرك للرد، كأنه لا يريد أن يترك فادية، حتى إنها انتزعت نفسها من حضنه."أجب، ربما الأمر طارئ."نظر إليها مالك بنظرة حارة، ولم يخرج الهاتف إلا بعدما أدارت ظهرها له.كان المتصل ماهر.وبمجرد أن فتح الخط، جاء صوت ماهر: "يا سيدي، الشيخ زيد… يطلب منك العودة إلى قصر الراسني القديم."زيد؟"حسنا!" وافق مالك فورا بلا تردد.لم يستطع ماهر إخفاء اندهاشه.فالعلاقة بين السيد ووالده ليست أفضل حالا، فهما رغم رابطة الدم، أشبه بخصمين لدودين. ومنصب مالك الحالي في مجموعة الراسني كان قد انتزعه من يد والده.وكان ماهر يظن أن سيده سيرفض أمر والده.وكأن أمرا ما خطر له، فاستعجل قبل أن يغلق مالك الخط: "وأيضا… زوجتك.""ماذا؟" ظن مالك أنه لم يسمع جيدا.قال ماهر: "الشيخ زيد قال إنه بما أن السيدة بخير، فلتذهب معك إلى القصر القديم، بما أنها كانت حاضرة فيما جرى اليوم، لذا...""أنا سأذهب كما طلب، لكنها لن
كان صوت مالك يحمل سخرية لاذعة.شعرت فادية بغضبه حينها وبعجزه، ولم تعرف كيف تهدئه، فلم تجد سوى أن تمد يدها وتمسك بيده.دفء راحة يدها اللينة بدا وكأنه خيط رفيع من الدفء يسري في قلبه البارد.التفت مالك نحو فادية، وكأنه بلا وعي شد على يدها، وردد في قلبه ذلك العهد الذي كان قد ثبته منذ زمن.أما تلك الأمور التي مضت…سحب مالك نظره عنها، لكن هذه المرة، حرارة يد فادية جعلت صوته أقل حدة عندما بدأ يذكر تلك الذكريات."بعد أن جرح سامي نفسه بشفرة، اكتشفت أن تلك الشفرة أعطاها له أحد خدم منزل عائلة الراسني، لكن عندما ضغطت عليه لأعرف السبب، رفض أن يتكلم. ظللت أشك أن نوراي هي من وراء الأمر…"نوراي…تذكرت فادية السيدة نوراي التي تبدو لطيفة وهادئة."هي المرأة التي أحبها الشيخ زيد عندما أنجبت أمك سامي؟"قبل قليل، عندما تحدث مالك عن الماضي، لاحظت فادية أنه لا ينادي والده إلا باسمه، فهي تعرف ما بينهما من خلاف، لذلك اكتفت بمناداته بـ"الشيخ زيد".لكن خلافا لما توقعت، أجابها مالك: "لا."ليست نوراي، فمن تكون إذا؟وبينما كانت فادية مستغربة، واصل مالك كلامه: "المرأة التي كانت في ذلك الوقت، جدتي أبعدتها منذ زمن، أعط
لا أحد يعلم كم طال ذلك الزمن، إلى أن جاء يوم رأى فيه شفرة رفيعة وحادة مخبأة في الطعام الذي قدم له.في تلك الليلة، هطل المطر من جديد.كانت الرعود تتتابع، وأصواتها المدوية كأنها تضرب فوق رأسه مباشرة. ارتجف وهو ينكمش في زاويته، لكنه حين رفع عينيه، ظن أنه يرى والدته ملقاة في بركة الدم، تناديه بصوت واهن "سيمو…"اشتاق إلى أمه وأراد أن يذهب إليها.تذكر الشفرة التي خبأها، فشق بها يده خطا من الجرح. لم يشعر بالألم، والدم كان ينساب من جسده بلا توقف.وتدريجيا بدأ وعيه يتلاشى.ظن أنه بات على وشك أن يرى أمه.لكن حين فتح عينيه مجددا، رأى أخاه الكبير أمامه.بعد ذلك، لم يعد أخوه الكبير يقيم في قصر الراسني القديم، بل انتقل إلى المستشفى، ملازما له لا يفارقه لحظة.وسمع من صديقة أخيه التي تدعى جوجو ما حدث يومها.قالت إن أخيه كان من المفترض أن يذهب إلى فرسان العقاب بأمر من والده، وقد اتفق مع والده على خوض تدريب يستمر عشرة أيام، على أن يصمد أمام هجمات عشرة من نخبة فرسان العقاب تباعا.قالت إن أخاه لم يكن ليستطيع البقاء هناك طويلا، لأن عليه أن يزوره كل يوم.وقالت إنه منذ رحيل والدته، كان أخوه الكبير يزوره كل ل
كان يلهث متعبا، لكنه تشبث بيده بفرح غامر.هذه المرة، كان مصمما على أن يتشبث بأخيه الكبير وألا يدعه يفلت منه.سارا معا في عتمة الليل، ولاحظ أن أخاه بدا منهكا هو الآخر، خطواته صارت أبطأ بكثير، حتى إنه لم يعد بحاجة لبذل جهد كبير ليلحق به بسهولة.لا يدري كم مضى من الوقت، حتى التقى بأخ وأخت من عائلة الهاشمي.ومنذ ذلك الحين، صار يلازم أخاه الكبير أينما ذهب.ورغم أن أخاه الكبير بقي باردا معه، نادرا ما يبادله الكلام، بل إن الابتسامة كانت شحيحة جدا على وجهه، إلا أنه كان يشعر به، يشعر بأن أخاه الكبير يحميه، وأنه يحبه.استمع لنصيحته، وبدأ يتجنب أفراد عائلة الراسني عن قصد.لكن في ذلك اليوم، حين قالت له الآنسة الدرماني إنها ستأخذه ليرى أمه، تبعها دون تردد.فشوقه لأمه كان أكبر من أن يقاوم.وكان يشعر أيضا بأن أخاه الكبير قلق على أمه، فقد كان كثيرا ما يسمعه وهو نائم ينادي: "ماما"، فظن أنه كان يحلم بها.أخبر أخاه الكبير أن أمه، طوال سنوات ابتعادها عن عائلة الراسني، كانت تنظر إلى صوره وتبكي بصمت.لكن أخاه الكبير كان يكتفي بابتسامة ساخرة كل مرة.لم يكن يصدقه!أراد أن يخبر أمه أن أخاه الكبير يشتاق إليها،
"عندما أنجبته والدتي، اكتشفت أن زيد قد وقع في حب امرأة أخرى. كانت وحدها في مدينة الياقوت حين وضعت سامي. لم تستطع أن تغفر خيانة والدي، فبعد أن أنجبت سامي، قطعت صلتها مع عائلة الراسني لسنوات."واصل مالك سرد الماضي بصوت هادئ.تلك الأمور التي لم يخبر بها أحدا من قبل، بات يريد أن يرويها لفادية الآن."أول مرة رأيت فيها سامي كان طفلا صغيرا. عادت أمي يومها لتطلب الطلاق من زيد، لكن رغم أنه خانها وأحب غيرها، ظل يتمسك بها ولا يريد أن يتركها."تذكر مالك أول مرة رأى فيها سامي، وتلك النظرة الخائفة في عينيه."وراء زيد كانت تقف عائلة الراسني ذات نفوذ طاغ. بأنانيته حبس أمي في زواج ذابل، حتى ذبلت هي أيضا شيئا فشيئا، وكان سامي أشد ضحايا كل ذلك."نظر مالك إلى سامي الراقد على سرير المستشفى، وكان جهاز المراقبة يطلق أصوات "بيب" منتظمة.وفي تلك اللحظة كان سامي يحلم.كان الحلم عن أول مرة عاد فيها إلى عائلة الراسني، ورأى مالك.منذ صغره كان يسمع من والدته بأنه يملك أخا أكبر.كانت أمه تشتاق كثيرا إلى ابنها الأكبر، وكم من مرة استيقظ مذعورا في الليل، وذهب إلى غرفتها، ليجدها تبكي بصمت وهي تمسك بصورة أخيه.رأى صورة أ






