LOGINفي السابعة صباحًا، كان آدم يجلس إلى طاولة الإفطار يقرأ الأخبار المالية على جهازه اللوحي، وفنجان القهوة السوداء أمامه. كل شيء في مكانه، كما في كل صباح.
إلا أنا.
لم أرتدِ مريلة المطبخ هذه المرة. لم أسأله إن كان يريد بيضًا أم خبزًا محمصًا. نزلت الدرج بفستان رمادي بسيط، وشعري مرفوع، ووضعت الملف الأزرق أمامه فوق الجهاز اللوحي مباشرة.
رفع عينيه نحوي بانزعاج. "ما هذا؟"
"افتحه."
فتحه. قرأ السطر الأول، ثم توقف. رأيت فكّه يتصلب، وأصابعه تضغط على حافة الورقة.
"طلاق؟" ثم ضحك. ضحكة قصيرة، جافة، بلا أي مرح. "هل هذا بسبب البارحة؟ لأنني تأخرت عن عشائك؟"
"لا يا آدم. هذا بسبب السنوات الثلاث."
أسند ظهره إلى الكرسي ونظر إليّ كما ينظر إلى منافس ضعيف في صفقة خاسرة. "وماذا تريدين؟ المال؟ البيت؟ ارفعي السعر وسننتهي من هذه المسرحية."
"اقرأ البند الخامس."
قلّب الصفحة. البند الخامس كان واضحًا: تتنازل الزوجة عن كافة حقوقها المالية، ولا تطلب أي تعويض أو نفقة.
للمرة الأولى منذ عرفته، رأيت آدم المنصوري عاجزًا عن الكلام.
"لا تريدين شيئًا؟"
"أريد حريتي فقط."
"حريتك؟" نهض من مكانه، وطوله يحجب ضوء النافذة عني. "هل نسيتِ من أنتِ يا ليلى؟ أنتِ ابنة رجل كاد يدخل السجن بسبب ديونه. أنا من أنقذ شركة أبيك. أنا من دفع ثمن علاجه. بدوني، أين ستذهبين؟ ماذا ستأكلين؟ أنتِ لم تعملي يومًا واحدًا في حياتك."
كل كلمة كانت تُقال بثقة رجل يعرف أنه على حق.
لكنه لم يكن يعرف شيئًا.
لم يكن يعرف أنني سددت آخر قسط من دين أبي قبل ثمانية أشهر، من مالي الخاص. ولم يكن يعرف أن الغرفة الصغيرة التي ظنها مخزنًا لخيوط التطريز كانت مكتبًا أعمل فيه حتى الفجر، كل ليلة، بينما ينام هو في الجناح الآخر.
"هذا شأني"، قلت. "وقّع فقط."
في تلك اللحظة، رنّ هاتفه. رأيت الاسم على الشاشة: نادين.
تردد للحظة، ثم أجاب. وتغيرت نبرة صوته في ثانية واحدة، صارت ناعمة، قلقة. "نادين؟ ما الأمر؟ اهدئي... هل أنتِ بخير؟ حسنًا، أنا قادم حالًا."
أغلق الخط، وأخرج قلمه الفاخر من جيب سترته، ووقّع على الورقة دون أن يقرأ باقي البنود.
"تريدين اللعب؟ حسنًا"، قال وهو يرمي القلم على الطاولة. "لكن لا تأتي إليّ باكية بعد أسبوع. لأن الباب لن يُفتح لكِ مرة أخرى."
وخرج. ذهب إليها.
سمعت صوت سيارته يبتعد، فأخذت الورقة ونظرت إلى توقيعه. خط حاد، واثق، متعجل. وقّع على نهاية زواجنا في أقل من ثلاث ثوانٍ، لأن امرأة أخرى اتصلت به.
وضعت الخاتم فوق الورقة. الخاتم الذي لم يلبس هو مثيله يومًا.
ثم صعدت وأخرجت حقيبة واحدة. لم آخذ الفساتين التي اشترتها لي حماتي لأبدو "لائقة" في الحفلات. ولم آخذ المجوهرات التي كانت تُعار لي كل مناسبة ثم تُعاد إلى الخزنة. أخذت ملابسي القديمة، وحاسوبي، والصندوق الخشبي الذي فيه مسودات تصاميمي.
عند الباب، كانت السيدة ثريا تقف بابتسامة منتصرة. "أخيرًا فهمتِ مكانك."
توقفت أمامها، ونظرت في عينيها مباشرة للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات.
"اعتني بنفسك يا سيدة ثريا. ونصيحة أخيرة: لا تسمحي لنادين بأن تلمس ملفات المكتب. فبعض الأشياء التي تبدو لكِ بلا قيمة... ثمنها أكبر من هذا البيت."
ثم خرجت، ولم ألتفت.
كانت سيارة سوداء تنتظرني عند البوابة. فتح السائق الباب، وجلست في المقعد الخلفي، حيث كانت صديقتي سلمى تنتظرني بعينين دامعتين وابتسامة عريضة.
"فعلتِها أخيرًا!" احتضنتني بقوة. "كيف تشعرين؟"
نظرت عبر النافذة إلى القصر وهو يصغر خلفنا. "وكأنني كنت أحبس أنفاسي ثلاث سنوات، والآن تنفست."
رنّ هاتفي. رقم مكتب من الخارج. أجبت.
"آنسة ليلى؟" صوت رجل مسنّ، دافئ ورسمي في آن. "أنا المستشار فهمي، مدير مكتب جدك رحمه الله. مجلس الإدارة مجتمع الآن، والجميع ينتظر قرارك. هل أنتِ مستعدة أخيرًا لتظهري للعالم؟"
أغمضت عيني لثانية.
"نعم. أخبرهم أن المهندسة الشبح ستحضر الاجتماع بنفسها هذه المرة."
كانت الحديقة كلها تنظر إلينا. فريقي، والمستثمرون، والصحفيان اللذان تسللا إلى الحفل. حتى الموسيقى توقفت.نظرت إلى الخاتم. ثم إلى الرجل الراكع أمامي.قبل ثلاث سنوات، كنت سأعطي أي شيء لأرى آدم المنصوري هكذا. يطلبني. يختارني. ينظر إليّ وكأنني الشخص الوحيد في المكان.مددت يدي، وأغلقت العلبة المخملية برفق.سرت شهقة خافتة بين الحاضرين."قم يا آدم."لم يتحرك. كان ينظر إليّ وفي عينيه خوف حقيقي، الخوف نفسه الذي رأيته في المستشفى."قم"، كررت بلطف. فنهض ببطء، والعلبة مغلقة في يده."أنت لا تعرفني"، قلت. "تعرف الزوجة الصامتة التي كانت تعد القهوة. وتعرف المهندسة الشبح التي هزمتك في المناقصة. لكنك لا تعرف ليلى. لا تعرف ماذا أحب، وماذا أخاف، ولماذا أرسم الأبراج بالليل ولا أنام."أخذت نفسًا عميقًا."تلك الفتاة التي أحبتك من أول نظرة، في سيارة إسعاف، ماتت. ولا أستطيع إعادتها. لكن إن كنت تريد ليلى التي أمامك الآن... فابدأ من الصفر. كأنك لم تقابلني يومًا. وتعلّم من أكون."صمت طويلًا. ثم أعاد العلبة إلى جيبه، وابتسم ابتسامة صغيرة، حقيقية، لم أرها على وجهه من قبل.مدّ يده السليمة نحوي، كما يفعل رجل يقابل ام
كان موقع مجمع الياسمين يعجّ بالضجيج: آلات الحفر، وصفارات الرافعات، وصياح العمال تحت شمس الظهيرة.ارتديت الخوذة البيضاء وسترة السلامة، ومشيت مع المهندس صابر بين الأعمدة الخرسانية. كان رجلًا في الأربعين، كثير التعرّق، يتجنب النظر في عيني."الطابق السادس جاهز للتفتيش يا باشمهندسة"، قال وهو يمسح جبينه. "نصعد بالمصعد المؤقت.""لماذا لم ترسل تقرير الأسبوع الماضي؟""انشغلت... ظروف عائلية."لاحظت أن يده ترتجف وهو يضغط زر المصعد.قبل أن نصعد، سمعت صوت سيارة تتوقف بعنف عند بوابة الموقع. التفتّ، فرأيت آدم ينزل منها، بلا خوذة، يمشي نحوي بخطوات سريعة وفي يده شيء ملفوف بقماش.تجهّمت. "ماذا تفعل هنا؟ هذا موقع عمل.""خمس دقائق فقط." وقف أمامي، ومدّ يده بالشيء الملفوف. فتحته. كان دفتري الجلدي. "وجدته في غرفة نادين قبل أن تغادر. أردت أن أعيده إليكِ بنفسي."نظرت إلى الدفتر، ثم إليه. وجهه كان شاحبًا، وعيناه محاطتان بهالات سوداء. بدا وكأنه لم ينم منذ أيام."شكرًا"، قلت باقتضاب. "والآن غادر من فضلك."لم يتحرك. كان ينظر إلى أعلى.فوقنا مباشرة، على ارتفاع ثمانية طوابق، كانت الرافعة البرجية تحمل حزمة ضخمة من
كان موقع مجمع الياسمين يعجّ بالضجيج: آلات الحفر، وصفارات الرافعات، وصياح العمال تحت شمس الظهيرة.ارتديت الخوذة البيضاء وسترة السلامة، ومشيت مع المهندس صابر بين الأعمدة الخرسانية. كان رجلًا في الأربعين، كثير التعرّق، يتجنب النظر في عيني."الطابق السادس جاهز للتفتيش يا باشمهندسة"، قال وهو يمسح جبينه. "نصعد بالمصعد المؤقت.""لماذا لم ترسل تقرير الأسبوع الماضي؟""انشغلت... ظروف عائلية."لاحظت أن يده ترتجف وهو يضغط زر المصعد.قبل أن نصعد، سمعت صوت سيارة تتوقف بعنف عند بوابة الموقع. التفتّ، فرأيت آدم ينزل منها، بلا خوذة، يمشي نحوي بخطوات سريعة وفي يده شيء ملفوف بقماش.تجهّمت. "ماذا تفعل هنا؟ هذا موقع عمل.""خمس دقائق فقط." وقف أمامي، ومدّ يده بالشيء الملفوف. فتحته. كان دفتري الجلدي. "وجدته في غرفة نادين قبل أن تغادر. أردت أن أعيده إليكِ بنفسي."نظرت إلى الدفتر، ثم إليه. وجهه كان شاحبًا، وعيناه محاطتان بهالات سوداء. بدا وكأنه لم ينم منذ أيام."شكرًا"، قلت باقتضاب. "والآن غادر من فضلك."لم يتحرك. كان ينظر إلى أعلى.فوقنا مباشرة، على ارتفاع ثمانية طوابق، كانت الرافعة البرجية تحمل حزمة ضخمة من
سحبت يدي من قبضته ببطء، وأنزلت كُمّ سترتي."نادين تقول أشياء كثيرة.""ليلى." وقف أمامي يسد الممر. "أخبريني. أرجوكِ."أرجوكِ. ثلاث سنوات لم أسمع منه هذه الكلمة.نظرت إلى النافذة في آخر الممر، حيث كان النيل يلمع تحت شمس الظهيرة. وقررت أن أقولها مرة واحدة. ثم أغلق هذا الباب إلى الأبد."كنت في العشرين. عائدة مع جدي من موقع في العلمين. الساعة الثانية فجرًا. رأينا سيارة مقلوبة على جانب الطريق، والدخان يخرج من محركها. جدي كان مسنًّا لا يقدر على الركض، فنزلت أنا."لم يقاطعني. كان يتنفس بصعوبة."الباب كان عالقًا. كسرت الزجاج بحجر. وحين سحبتك، كانت النار قد وصلت إلى المقعد. احترق ذراعي، لكنني لم أشعر بشيء حتى وصلت سيارة الإسعاف. ركبت معك. وبقيت إلى جانبك في المستشفى حتى الفجر. كنت تمسك يدي وأنت فاقد الوعي، وتتمتم بكلام لا أفهمه."توقفت. ابتلعت الغصة التي لم أظن أنها ما زالت موجودة."خرجت لأحضر ماء. وحين عدت، كانت نادين تجلس مكاني، تمسك يدك، وتبكي. سمعت الممرضة تقول لها: الحمد لله أنكِ بقيتِ معه طوال الليل. ولم تصحح نادين كلامها.""ولماذا لم تقولي شيئًا؟" سأل بصوت مكسور."لأنني لم أنقذك لتشكرني.
امتلأت قاعة الهيئة العامة للمشروعات بالكاميرات.كان يوم العرض النهائي لمناقصة برج النيل. أربع شركات وصلت إلى المرحلة الأخيرة، وكل واحدة منها ستعرض تصميمها أمام لجنة التقييم والصحافة.جلست في الصف الثاني مع المستشار فهمي وفريقي. وفي الصف الأول، على بعد ثلاثة مقاعد مني، جلس آدم. وإلى جانبه نادين، بفستان أحمر لافت، والسيدة ثريا تتباهى بها أمام كل من يمر."هذه نادين، المصممة الكبرى للمشروع"، سمعت حماتي تقول لزوجة أحد الوزراء. "تخرجت من باريس. موهبة نادرة."لم يلتفت آدم نحوي ولو مرة. كان يحدّق أمامه، وفكّه مشدود.نادى المذيع: "مجموعة المنصوري."صعدت نادين إلى المنصة بثقة، وأضاءت الشاشة الكبيرة خلفها.وتجمّدت في مكاني.البرج على الشاشة كان برجي. ليس شبيهًا به، بل هو نفسه. القاعدة الملتوية كجذع نخلة، والواجهة المثقوبة كمشربية عملاقة تكسر الشمس، والقمة المفتوحة على النهر. المسودة الأولى التي رسمتها قبل عامين، في الغرفة الصغيرة، في الليالي التي كان فيها آدم نائمًا.الدفتر الجلدي. لقد نسيته هناك.انحنى فهمي نحوي وهمس بغضب: "هذا تصميمك!""أعرف"، قلت بهدوء. "دعها تكمل."تحدثت نادين عشر دقائق عن "
تأخر آدم عشر دقائق.لم يكن ذلك من عادته. لكن نادين اتصلت به صباحًا تبكي لأنها جرحت إصبعها بسكين الفاكهة، فمرّ عليها أولًا.دخل مبنى دار الهاشمي بخطوات سريعة، وكريم يلهث خلفه حاملًا الملفات. فتحت السكرتيرة باب قاعة الاجتماعات، وقالت بأدب: "تفضل يا سيد المنصوري. المهندسة بانتظارك."دخل.وتوقف.في آخر القاعة، على رأس طاولة طويلة من خشب الجوز، كانت تجلس امرأة ترتدي بدلة سوداء أنيقة، وشعرها الأسود منسدل على كتفيها. أمامها حاسوب مفتوح وفنجان قهوة. رفعت رأسها ببطء، ونظرت إليه بعينين يعرفهما جيدًا... ولا يعرفهما على الإطلاق.ليلى.لثانية كاملة، لم يستطع أن يتنفس.ثم عاد إليه غضبه دفعة واحدة. "ليلى؟ ماذا تفعلين هنا؟" التفت إلى السكرتيرة بحدة. "أين المهندسة الشبح؟ هل هذه مزحة؟"لم ترد السكرتيرة. نظرت فقط إليّ، تنتظر إشارتي.أغلقت حاسوبي بهدوء."تأخرت يا سيد المنصوري. الاجتماع بدأ منذ عشر دقائق."ضحك آدم ضحكة غير مصدّقة، وتقدم نحوي. "كفّي عن هذه اللعبة. هل اشتغلتِ سكرتيرة هنا لتنتقمي مني؟ أم أن أحدهم يدفع لكِ لتحرجيني؟"قبل أن أرد، وقف المستشار فهمي من مقعده إلى يميني. رجل في السبعين، لكن صوته ك







