Share

الفصل الثالث

Author: غصون ربيع
بدأ يغادر المنزل مبكرًا كل يوم، ويعود متأخرًا.

وطوال النهار كنت أرتب أغراضي لأرحل، حتى أصبحنا لا نرى بعض إطلاقًا.

وعندما كنت على وشك الانتهاء، رن هاتفي فجأة.

نظرت إلى الاسم الذي ظهر على الشاشة، وترددت للحظة.

ثم أجبت.

"هل هناك شيء ما؟"

رد ببرود وبرسمية كعادته، وكأنه يتحدث في أمرٍ يخص العمل.

"ابتلت ملابسي. توجد بدلة سوداء في الدولاب على اليمين، أحضريها إليّ."

لم أوافق.

لكنني لمست البدلة على أي حال، فشعرت بشيءٍ صلب بداخلها.

توقف نفسي للحظة.

وعندها سمعت ضحكة آدم الخافتة عبر الهاتف، ثم قال بنبرةٍ هادئة:

"رأيته؟"

تجمدت في مكاني للحظة، ثم أخرجته.

كان خاتمًا.

قبضت عليه بقوة، حتى إن حجر الألماس ضغط على راحة يدي وأوجعها.

قلت بصوتٍ مبحوح قليلًا:

"أنت..."

ظل صوته هادئًا كما هو، لكنه رفع صوته قليلًا.

"أعجبكِ؟"

تسارع نبض قلبي في تلك اللحظة، وعرقت يدي.

كنتُ على وشك أن أتكلم، لكن الكلمات خانتني.

وامتلأ قلبي بمشاعرٍ عجزت عن وصفها.

"لماذا..."

لكنه قاطعني فجأة.

"اشكري روان، فالفكرة كانت فكرتها."

"إنها طيبة القلب، وقد طلبت مني أن أعتذر لكِ وأرجوكِ أن تسامحيني، ولم أرغب في رفض طلبها."

تجمدت في مكاني، وشعرت وكأن دلو من الماء البارد قد سُكب فوق قلبي.

بردٌ يخترق قلبي.

نظرت إلى الخاتم، ولم أشعر إلا بحرارةٍ تحرق حلقي.

أمسكت ملابسي بقوة، وتسارعت أنفاسي.

"آدم... هل كان يجب أن تهينني هكذا؟"

مر وقتٌ طويل، دون أن أسمع أي رد منه.

وبعد لحظات، سمعت همهماتٍ غير واضحة من آدم، وتأوهًا خفيفًا من روان.

قال لها برقة:

"هل آلمتكِ؟"

"ولِمَ تخافين مني؟"

كان ذلك الصوت...

كافيًا لأدرك أنه لم يعد قادرًا على إخفاء مشاعره تجاهها.

ارتعش جسدي بشدة، وأغمضت عيني فجأة.

أردت أن أضحك على نفسي... لقد كنت أضع كل آمالي عليه، لكنه خيب ظني.

على حدّ ما أتذكر...

كان آدم رجلًا قليلَ الرغبة الجنسية.

وبعد صمتٍ طويل، عاد صوته يتردد عبر الهاتف.

"رأيتِ الخاتم، هل أنتِ سعيدة الآن؟"

"إذا أصبحتِ سعيدة، فتوقفي عن هذا العناد. لم تكلميني منذ أيام وتتجنبينني، يا ليان. وإذا استمررتِ على هذا الحال، فلن يفيدكِ ذلك بشيء."

سكت لحظة، ثم قال:

"إذا وافقتِ... ففي المرات القادمة، يمكننا أن نزيد الوقت ساعةً إضافية."

اتسعت عيناي من شدة الصدمة.

"آدم... ماذا تقول؟"

وقبل أن أسمع رده...

تحدثت روان فجأة:

"سيدي، ألم تقل إن الخاتم مجرد وسيلة لمصالحتها، ثم ستعطيني إياه؟"

"متى ستعطيني إياه..."

"اسمي محفور عليه."

تجمدت في مكاني فجأة، وشعرت أن الخاتم يحرق يدي.

خفضت رأسي.

وكما توقعت...

كان محفورًا عليه من الداخل: "RT".

وهما اختصار اسم روان تامر.

اقشعر جسدي كله.

ولم أعد قادرة على تمالك أعصابي.

"آدم... ألا تشعر بالاشمئزاز من نفسك؟"

انخفض صوته على الفور، وقد ظهر عليه الغضب.

"ليان، لقد حاولت إرضاك، فما الذي لا يعجبكِ بعد؟"

"تقولين إنني مثير للاشمئزاز؟ ألم أكن كذلك عندما كنتِ تتوسلين إليّ أن أبقى معكِ وقتًا أطول؟"

اتسعت عيناي من الصدمة.

حركت شفتي، لكنني اكتشفت أنني عاجزة عن التفوه بكلمة واحدة.

وبعدها مباشرة، سمعته يدلل روان قائلًا:

"حسنًا، دعيها تحتفظ به مؤقتًا."

"وفي المرة القادمة، سأشتري لكِ واحدًا أكبر."

بدت روان غير راضية، فأضاف آدم:

"طالما تجتهدين في عملك، فسأحقق لكِ كل ما تتمنينه... اتفقنا؟"

رميت الخاتم بكل قوتي، وانهمرت دموعي.

"آدم! كيف يمكنك أن تعاملني هكذا؟"

"ألا تتذكر ما قلته لي من قبل؟"

أتذكر يوم زواجنا...

حين قبلني، وقال:

"لا تقلقي يا ليان، سأكون لطيفًا معكِ طوال حياتي."

"سنرزق بطفل يومًا ما، وسيكون جميلًا مثلكِ."

لكن الآن...

كنت أرتعش بصمت، لأكتشف أن آدم كان قد أنهى المكالمة منذ وقتٍ طويل.

سقط الهاتف من يدي على الأرض، وضاق نفسي.

وفي اللحظة التالية، سمعت حركةً في الصالة.

دفعت الباب مسرعة إلى الخارج.

فرأيت مجموعةً من الأشخاص يعلقون صورة زفاف كبيرة على الحائط.

ابتسموا وهم يطلبون مني "النقطة"، قائلين:

"مبروك! نتمنى لكما حياةً زوجية سعيدة."

"زوجكِ يعشقكِ حقًا، فصور الزفاف ليست رخيصة."

"لم يبخل بشيء، وأنتما تبدوان ثنائيًا رائعًا."

رفعت رأسي لأنظر إليها...

فاتسعت عيناي من الصدمة.

كان العريس في الصورة...آدم.

أما العروس...فلم تكن أنا.

ابتسمت بسخرية.

"صحيح... فهو لا يبخل بشيء على عشيقته."

ساد الصمت المكان.

ثم اعتذروا لي بهدوء.

أعدت الاتصال بآدم مرةً أخرى.

"لقد علقوها في المنزل."

"آدم... هل ستستمر في إهانتي بهذه الطريقة؟"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بعد فراقنا في الربيع   الفصل التاسع

    وغادرت دون أن أنتظر رده.ذهبت إلى مطعمٍ قريب من المنزل، لتناول الغداء.ثم أخرجت هاتفي، وفتحت كاميرات المراقبة الخاصة بالمنزل.كان آدم جالسًا في المطبخ، أمام مائدةٍ مليئة بالطعام، وما زال ينتظرني.رغرغت عيناي بالدموع.ففي الماضي... كنت مثله تمامًا.أما الآن، وبعد أن تبدلت الأدوار، لم أشعر إلا بالشفقة على نفسي في ذلك الوقت.وبعد أن انتهيت من تناول الغداء، تجولت قليلًا في مركز التسوق.حل الليل، ولم أعد إلى المنزل إلا متأخرة.كان آدم قد غادر بالفعل.لكن الطعام ما زال على المائدة.لقد أعدَّ الكثير من الأطباق، ويبدو أنه بذل جهدًا كبيرًا.لكنني لم أتذوق منها شيئًا.واستدعيت الخادمة لتنظيف المكان بالكامل.وخلال الأيام التالية... لم يظهر آدم مرةً أخرى.وأصبحت حياتي أكثر هدوءًا وراحة.في أحد الليالي، جاءت روان إلى منزلي.كانت نحيفة، وملامحها شاحبة ومتعبة.كانت تميل وهي تتجه نحوي، ثم صرخت بأعلى صوتها:"ابتعدي عنه! لا تحاولي إغواء آدم مرةً أخرى!""لقد قال إنه لي... كيف تجرؤين على أخذه مني مرةً أخرى؟"عقدت حاجبي، ولم أرغب في التحدث معها.فدفعتها برفق نحو الخارج."من فضلكِ، اخرجي."لكنها ارتجفت فجأة

  • بعد فراقنا في الربيع   الفصل الثامن

    ظل صامتًا، وبقي جالسًا في السيارة في هدوء لفترةٍ طويلة.وحين ظننت أن هذا الجمود سيستمر إلى ما لا نهاية...فتح قفل باب السيارة فجأة، وفتحت الباب ونزلت."شكرًا لك مجددًا على ما فعلته اليوم.""سأدعوك للعشاء في وقتٍ ما."حملت حقيبة سفري، وصعدت إلى المنزل بهدوء.استحممت سريعًا، ثم جففت شعري.وعندما نظرت من الشباك، وجدته ما يزال هناك.كان زجاج السيارة مفتوحًا، وإحدى يديه تستند عليه وهي تمسك بسيجارة.وبقي هناك وقتًا طويلًا دون أن يغادر.استدرت، ثم أغلقت الستائر.في اليوم التالي، نمت حتى الظهر.وفي فترة ما بعد الظهر، خرجت لأرمي القمامة، فوجدت آدم واقفًا هناك.بدا عليه الإرهاق، وكان يحمل في يده بعض الخضراوات.ويبدو أنه جاء منذ الصباح الباكر.وعندما رآني متفاجئة، بادر هو بالكلام أولًا."اشتريت بعض الخضراوات... يمكنني أن أعد لكِ الطعام.""كل الأشياء التي كنتِ تريدين القيام بها من قبل... سأرافقك فيها."لم أتحرك."ألست مشغولًا؟"خفض رأسه بشيءٍ من الحرج."العمل... ليس مستعجلًا.""وأنا أيضًا لست مشغولًا."ابتسمت ابتسامةً خفيفة.في الماضي، كنت أبكي وأتوسل إليه، أن يقضي معي بعض الوقت.لكنه كان دائمًا ي

  • بعد فراقنا في الربيع   الفصل السابع

    بعد أن تركت آدم، ذهبت إلى إحدى المدن في الجنوب.ومكثت في أحد المستشفيات هناك لفترة.وبعد خروجي من المستشفى، واصلت السفر إلى المدن المجاورة.انكسرت عجلة حقيبة سفري فجأة بمجرد نزولي من القطار، لقد شُفيت للتو، لذلك لم أكن أستطيع حمل الأشياء الثقيلة.وبينما كنت مترددة في طلب المساعدة من أحد، خفَّ الحمل عن يدي فجأة.شعرت بالارتياح، وأدرت رأسي."شكرًا لك."لكن عندما رأيت أن من أمامي هو آدم، الذي لم أره منذ عدة أشهر، تجمدت في مكاني.كان يحمل الشنطة بيدٍ واحدة، وقال بصوتٍ يرتجف قليلًا:"لا شكر على واجب."وبعد لحظة، هدأت.واستعدت لأخذ سيارة أجرة.لكنه أمسك بذراعي فجأة، وقال بصوتٍ متردد:"بعدما رأيتني... ألا يوجد ما تريدين قوله؟"اكتفيت بهز رأسي، وأخفضت رأسي إلى هاتفي.تقدم نحوي بخطواتٍ مرتبكة، ومد يده ليغطي شاشة الهاتف.وفي اليد الأخرى، حمل حقيبة سفري."إلى أين ستذهبين؟""سيارتي قريبة من هنا، سأوصلك."نظرت إلى ظهره العريض، الذي بدا عليه شيء من التوتر، ثم خفضت نظري وأتبعته.وعندما وصلنا إلى السيارة، ترددت قليلًا، ثم مددت يدي لأفتح الباب الخلفي.لكنه لم يُفتح.رفعت رأسي، والتقت عيناي بعينيه عبر ن

  • بعد فراقنا في الربيع   الفصل السادس

    ظل واقفًا في مكانه صامتًا.ومر وقتٌ طويل... وكأن جسده كله قد تجمد.وفجأة، تحركت أذناه قليلًا.فقد سمع خطواتٍ تقترب منه.خفَّ تنفسه، لكن قلبه كان يخفق بشدة.فاستدار بسرعة."لقد عدتِ... كنت أبحث عنكِ..."لكن عندما رأى من القادم، توقفت الكلمات في حلقه.وامتلأت عيناه بخيبة أملٍ كبيرة."أنتِ؟""لماذا جئتِ إلى هنا؟"ابتسمت روان، ثم اقتربت منه مسرعة، وأمسكت بذراعه."اشتقت إليك يا مدير~""ألم تقل إنه يمكنني المجيء في أي وقت؟"تصلب جسد آدم، وسحب ذراعه بهدوء دون أن يلفت انتباهها.ولم ينظر إليها."من المفترض أن تكوني في العمل الآن."عبست روان قليلًا، ثم اقتربت منه أكثر.وقالت بنبرةٍ غير راضية:"ألم تقل إنه يمكنني أخذ قسطٍ من الراحة في أي وقت؟""أنا لا أريد أن أعمل ليلًا ونهارًا."وبينما كانت تتحدث، ألقت نظرةً على آدم، وتعمدت أن تلامس طرف فستانها طرف بنطاله."سيدي، هل هذا الفستان جميل؟""هل يناسبني؟"رفع آدم رأسه، واتسعت عيناه من الصدمة، ثم أمسك معصمها."من سمح لكِ بارتداء هذا؟""ألا تعلمين أنه لليان؟"قالت بدلال:"سيدي... أنت تؤلمني...""أردت فقط تجربته بدلًا منها..."أفلتت منه بصعوبة، وأخذت تدلك

  • بعد فراقنا في الربيع   الفصل الخامس

    أسرع آدم إلى داخل الغرفة، وألقى نظرةً سريعة في أرجائها. وانتابه شعورٌ قوي بالذعر.استدار بسرعة، وأمسك بإحدى الممرضات عند مكتب التمريض. وكان صوته يرتجف بشدة. "أين ذهبت المريضة التي كانت في هذه الغرفة؟"عقدت الممرضة حاجبيها، وتراجعت خطوة إلى الخلف. "سيدي، أرجوك اهدأ."ثم ألقت نظرةً إلى الغرفة، وأكملت: "المريضة التي كانت هنا أنهت إجراءات الخروج، وغادرت في الصباح الباكر."انحبس نَفَس آدم للحظة، وأرخى يده التي كانت تمسك بها ببطء. وشعر وكأن الدم قد تجمد في عروقه."غادرت...؟ وهي مصابة، إلى أين ذهبت؟"كانت الممرضة مستغربة هي الأخرى. "لقد حاولنا إقناعها بالبقاء، لكن دون جدوى." "أصرت على المغادرة، حتى إن الطبيب لم يتمكن من إيقافها."ابتلع آدم ريقه، ثم أخذ نفسًا عميقًا.جرّ آدم قدميه بخطواتٍ ثقيلة حتى عاد إلى الغرفة، وأمسك بأوراق الطلاق، وكانت يداه ترتعشان. وأظلمت عيناه.كيف لها أن ترحل؟ وكيف استطاعت أن تفعل ذلك؟برزت عروق ذراعه من شدة اضطراب مشاعره، وقبض على أوراق الطلاق بقوة حتى تجعدت بين يديه.حاول أن يكبت الذعر الذي انتابه، ثم استدار على الفور. وأسرع عائدًا إلى المنزل، ودفع الباب بقوة.كان ا

  • بعد فراقنا في الربيع   الفصل الرابع

    لم يرد للحظة، حتى أدرك أخيرًا أن هناك أمرًا ما."ما الأمر؟"التقطت صورةً وأرسلتها إليه."ألقِ نظرةً على الصورة التي أرسلتها لك."صمت للحظة، ثم تنهد."لقد أوصلوها إلى المكان الخطأ."قلت بسخرية:"حقًا؟ إذًا تصويرك صور زفاف مع روان ليس خطأ؟"بدا عاجزًا عن الرد، ثم قال:"تعالي إلى الشركة... وسأشرح لكِ."أنهيت المكالمة، وأخذت حقيبتي وغادرت.شعرت بألمٍ يعصر قلبي.لم يكن آدم يسمح لي بالذهاب إلى الشركة قط، وكان يقول إن وجودي هناك سيترك انطباعًا سيئًا.ولم أتخيل يومًا أن المرة الوحيدة التي يسمح لي فيها بدخول الشركة ستكون بسبب هذا الأمر.وما إن دخلت المصعد، حتى أوقفني أحد الموظفين."عذرًا، لا يُسمح لغير الموظفين بدخول المكاتب، تفضلي بالانتظار في منطقة الاستقبال."هممت بالكلام، لكن روان ظهرت فجأة.وأمسكت بيدي قائلة:"لا بأس، أنا أعرفها."بدت وكأنها صاحبة المكان.واصطحبتني إلى الداخل، ثم قدمت لي كوبًا من الماء."المدير في اجتماع الآن، سيدتي، تفضلي وانتظري قليلًا."لم أرد، وأدرت رأسي، وأخذت أنظر حولي.كان على الأريكة طقم بيجامة للزوجين، وحتى كوب آدم أصبح من طقم الأكواب المزدوجة.وكان على المكتب الك

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status