Share

الفصل الثاني

Author: غصون ربيع
ومنذ ذلك اليوم، انقطعت الأحاديث بيني وبين آدم.

لم يعد إلى المنزل...

وأنا أيضًا لم أعد أسأل عنه.

في صباح اليوم الثالث، وصلتني رسالة من مساعده:

"سيدتي، كان الأستاذ آدم مشغولًا خلال الأيام الماضية، وقد عاد للتو اليوم من رحلة عمل إلى دولة سيلان."

أجبته بهدوء:

"لا داعي لذلك... من الآن فصاعدًا، لا تخبرني بأي شيء عنه."

ألقيت نظرة على المحادثة بيننا.

فاكتشفت أن معظم الرسائل كانت مني أنا، أسأله عن أخبار آدم.

بل إن عدد المرات التي تواصلت فيها مع مساعده كان أكثر بكثير من عدد المرات التي تواصلت فيها مع آدم نفسه.

وبعد وقتٍ قصير، وصلتني رسالة أخرى من المساعد:

"سيدتي... هل تشاجرتما؟"

لم أرد.

لكنه واصل الكتابة:

"أنا متأكد أن الأستاذ آدم يكنّ لكِ مشاعر حقيقية، وإلا لما سعى إليكِ بجدية وتزوجك، بالنظر إلى شخصيته الباردة هذه."

رمشت ببطء.

كان محقًا...

فزواجنا كان بمبادرةٍ منه.

ورغم برودة طباعه، إلا أنه في الماضي كان يحرص على قضاء معظم وقته معي.

وكانت عيناه لا تفارقانني، وكان دائمًا يثني على جمالي.

لكن يبدو...

أن النهاية لم تكن كما تمنيت.

ولم تتوقف رسائل مساعده، بل واصل إرسال الرسائل:

"يعرف الأستاذ آدم أن اليوم عيد ميلادك، لذلك اشترى لكِ هدية خصيصًا... إنها السوار الذي كنتِ تتمنينه منذ وقتٍ طويل."

ثم أرسل صورته.

وكان بالفعل...

السوار الذي كنتُ أريده.

كنتُ قد حدثته عنه مرارًا.

ولم أتوقع يومًا أنه سيتذكره.

للحظة، ارتجف قلبي.

تنهدت بهدوء، ثم دخلت المطبخ، وأعددت له الأطباق التي يحبها.

عاد آدم مساءً.

أرخى ربطة عنقه قليلًا، ثم اتجه مباشرة إلى مكتبه.

ناديت عليه:

"آدم..."

توقف أخيرًا، والتفت إليّ عاقدًا حاجبيه.

"ماذا هناك؟"

كان صوته لا يزال باردًا كعادته.

تسارعت أنفاسي، وأمسكت بالطاولة بقوة.

"هل تعرف ما المناسبة اليوم؟"

ازداد وجهه عبوسًا، وقال باستغراب:

"أي مناسبة؟"

شعرت بوخزة في قلبي، ثم قلت بصوتٍ مبحوح:

"إنه عيد ميلادي."

أومأ برأسه أخيرًا، وهو يعدّل طرف كمّه.

"أهو اليوم؟"

ثم قال ببرود:

"نسيت."

ولم يقل كلمةً أخرى.

شعرت بضيقٍ في صدري.

وكأن بطانيةً مبللةً وثقيلة أُلقيت فوق صدري، فخنقت أنفاسي.

رفع رأسه، وألقى عليّ نظرةً سريعة.

"سأعوضك في الشهر المقبل."

"ثم إنه ليس أمرًا يستحق كل هذا الاهتمام، فلا داعي لإهدار المال."

لكن بعد ثوانٍ معدودة، وقعت عيناي على منشورٍ نشرته روان قبل ساعة.

كانت الصورة تُظهر السوار الذي تمنيت امتلاكه لأشهر طويلة، وبجانبه هدايا أخرى كثيرة.

وأرفقته بالتعليق:

"شكرًا لك يا زوجي (أقصد... مديري طبعًا)."

وكان تعليقه يظهر أسفل المنشور:

"كفي عن المزاح."

"لا شكر على واجب."

ابتسمت بسخرية.

وتذكرت كيف كنت أرجوه في السابق أن يتفاعل مع منشوراتي، ولو بإعجابٍ أو تعليقٍ بسيط، لكنه كان يرفض في كل مرة.

وكان يقول إن ذلك تصرفٌ طفولي، ولا يليق به.

إذًا...

فما الذي يفعله الآن؟

ارتجفت يدي وهي تمسك بالهاتف.

قلت وأنا أحدق إليه:

"آدم... يبدو أنك تعرف جيدًا كيف تتفاعل مع المنشورات."

"هل كنت سعيدًا وأنت تقدم لها تلك الهدايا؟"

أخذ هاتفي وبدأ يتصفح ما فيه.

وقال ببرود:

"إن كان الأمر يزعجك، فيمكنك حظر منشوراتها، ولن تريها مجددًا."

"أما الهدية، فلم تكن سوى لفتة تقدير لموظفة، فهذا سيدفعها إلى الاجتهاد أكثر في عملها."

"وهي تستحق ذلك، على عكسك... فأنتِ تجلسين في المنزل طوال اليوم دون أن تفعلي شيئًا."

تجمدت في مكاني، وكأن صاعقةً أصابتني.

فهو من كان يسهر حتى الفجر، ويهمل تناول طعامه باستمرار، ويعاني من آلام المعدة باستمرار.

وكان هو من يشتكي لي دائمًا من تعبه.

وهو نفسه من كان يثني على الحساء الذي أعدّه.

ولهذا تركتُ عملي، وتفرغت للبقاء في المنزل والاعتناء به.

طوال سنوات الدراسة، كنتُ دائمًا الطالبة المثالية في نظر معلميّ.

وكنت قد حصلت بالفعل على عرضٍ للدراسة في الخارج، وكان بإمكاني أن أحقق مستقبلًا باهرًا.

لكن...

كيف انتهى بي الأمر إلى هذا؟

كان هو من قال أولًا إنه يحبني.

فلماذا أصبحتُ أنا وحدي أسيرة هذا الحب؟

وضعت يدي على صدري، وأخذت أتنفس بصعوبة.

كان حلقي يختنق، حتى إنني لم أعد قادرة على النطق بكلمة واحدة.

لم ينظر إليّ آدم، بل ظل يحدق في المائدة.

ولا يزال مستاءً.

"وأمرٌ آخر... بما أنكِ تمكثين في المنزل، ألا تستطيعين على الأقل أن تطوري مهاراتك في الطهي؟"

"الطعام بهذا المذاق الخفيف لا يفتح الشهية أصلًا."

ابتسمت بسخرية.

أجل...

بعد أن اعتاد هو وروان على تناول الأطعمة الحارة في الخارج، كيف يمكن أن يعجبه طعامي؟

وبعد لحظات سمعت صوت باب المكتب وهو يُغلق.

أغلقه بحزم، دون أدنى تردد.

وبقيت وحدي، واقفة في الصالة الفارغة.

ثم خفضت رأسي، ومددت يدي، وأفرغت الطعام كله في سلة المهملات.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بعد فراقنا في الربيع   الفصل التاسع

    وغادرت دون أن أنتظر رده.ذهبت إلى مطعمٍ قريب من المنزل، لتناول الغداء.ثم أخرجت هاتفي، وفتحت كاميرات المراقبة الخاصة بالمنزل.كان آدم جالسًا في المطبخ، أمام مائدةٍ مليئة بالطعام، وما زال ينتظرني.رغرغت عيناي بالدموع.ففي الماضي... كنت مثله تمامًا.أما الآن، وبعد أن تبدلت الأدوار، لم أشعر إلا بالشفقة على نفسي في ذلك الوقت.وبعد أن انتهيت من تناول الغداء، تجولت قليلًا في مركز التسوق.حل الليل، ولم أعد إلى المنزل إلا متأخرة.كان آدم قد غادر بالفعل.لكن الطعام ما زال على المائدة.لقد أعدَّ الكثير من الأطباق، ويبدو أنه بذل جهدًا كبيرًا.لكنني لم أتذوق منها شيئًا.واستدعيت الخادمة لتنظيف المكان بالكامل.وخلال الأيام التالية... لم يظهر آدم مرةً أخرى.وأصبحت حياتي أكثر هدوءًا وراحة.في أحد الليالي، جاءت روان إلى منزلي.كانت نحيفة، وملامحها شاحبة ومتعبة.كانت تميل وهي تتجه نحوي، ثم صرخت بأعلى صوتها:"ابتعدي عنه! لا تحاولي إغواء آدم مرةً أخرى!""لقد قال إنه لي... كيف تجرؤين على أخذه مني مرةً أخرى؟"عقدت حاجبي، ولم أرغب في التحدث معها.فدفعتها برفق نحو الخارج."من فضلكِ، اخرجي."لكنها ارتجفت فجأة

  • بعد فراقنا في الربيع   الفصل الثامن

    ظل صامتًا، وبقي جالسًا في السيارة في هدوء لفترةٍ طويلة.وحين ظننت أن هذا الجمود سيستمر إلى ما لا نهاية...فتح قفل باب السيارة فجأة، وفتحت الباب ونزلت."شكرًا لك مجددًا على ما فعلته اليوم.""سأدعوك للعشاء في وقتٍ ما."حملت حقيبة سفري، وصعدت إلى المنزل بهدوء.استحممت سريعًا، ثم جففت شعري.وعندما نظرت من الشباك، وجدته ما يزال هناك.كان زجاج السيارة مفتوحًا، وإحدى يديه تستند عليه وهي تمسك بسيجارة.وبقي هناك وقتًا طويلًا دون أن يغادر.استدرت، ثم أغلقت الستائر.في اليوم التالي، نمت حتى الظهر.وفي فترة ما بعد الظهر، خرجت لأرمي القمامة، فوجدت آدم واقفًا هناك.بدا عليه الإرهاق، وكان يحمل في يده بعض الخضراوات.ويبدو أنه جاء منذ الصباح الباكر.وعندما رآني متفاجئة، بادر هو بالكلام أولًا."اشتريت بعض الخضراوات... يمكنني أن أعد لكِ الطعام.""كل الأشياء التي كنتِ تريدين القيام بها من قبل... سأرافقك فيها."لم أتحرك."ألست مشغولًا؟"خفض رأسه بشيءٍ من الحرج."العمل... ليس مستعجلًا.""وأنا أيضًا لست مشغولًا."ابتسمت ابتسامةً خفيفة.في الماضي، كنت أبكي وأتوسل إليه، أن يقضي معي بعض الوقت.لكنه كان دائمًا ي

  • بعد فراقنا في الربيع   الفصل السابع

    بعد أن تركت آدم، ذهبت إلى إحدى المدن في الجنوب.ومكثت في أحد المستشفيات هناك لفترة.وبعد خروجي من المستشفى، واصلت السفر إلى المدن المجاورة.انكسرت عجلة حقيبة سفري فجأة بمجرد نزولي من القطار، لقد شُفيت للتو، لذلك لم أكن أستطيع حمل الأشياء الثقيلة.وبينما كنت مترددة في طلب المساعدة من أحد، خفَّ الحمل عن يدي فجأة.شعرت بالارتياح، وأدرت رأسي."شكرًا لك."لكن عندما رأيت أن من أمامي هو آدم، الذي لم أره منذ عدة أشهر، تجمدت في مكاني.كان يحمل الشنطة بيدٍ واحدة، وقال بصوتٍ يرتجف قليلًا:"لا شكر على واجب."وبعد لحظة، هدأت.واستعدت لأخذ سيارة أجرة.لكنه أمسك بذراعي فجأة، وقال بصوتٍ متردد:"بعدما رأيتني... ألا يوجد ما تريدين قوله؟"اكتفيت بهز رأسي، وأخفضت رأسي إلى هاتفي.تقدم نحوي بخطواتٍ مرتبكة، ومد يده ليغطي شاشة الهاتف.وفي اليد الأخرى، حمل حقيبة سفري."إلى أين ستذهبين؟""سيارتي قريبة من هنا، سأوصلك."نظرت إلى ظهره العريض، الذي بدا عليه شيء من التوتر، ثم خفضت نظري وأتبعته.وعندما وصلنا إلى السيارة، ترددت قليلًا، ثم مددت يدي لأفتح الباب الخلفي.لكنه لم يُفتح.رفعت رأسي، والتقت عيناي بعينيه عبر ن

  • بعد فراقنا في الربيع   الفصل السادس

    ظل واقفًا في مكانه صامتًا.ومر وقتٌ طويل... وكأن جسده كله قد تجمد.وفجأة، تحركت أذناه قليلًا.فقد سمع خطواتٍ تقترب منه.خفَّ تنفسه، لكن قلبه كان يخفق بشدة.فاستدار بسرعة."لقد عدتِ... كنت أبحث عنكِ..."لكن عندما رأى من القادم، توقفت الكلمات في حلقه.وامتلأت عيناه بخيبة أملٍ كبيرة."أنتِ؟""لماذا جئتِ إلى هنا؟"ابتسمت روان، ثم اقتربت منه مسرعة، وأمسكت بذراعه."اشتقت إليك يا مدير~""ألم تقل إنه يمكنني المجيء في أي وقت؟"تصلب جسد آدم، وسحب ذراعه بهدوء دون أن يلفت انتباهها.ولم ينظر إليها."من المفترض أن تكوني في العمل الآن."عبست روان قليلًا، ثم اقتربت منه أكثر.وقالت بنبرةٍ غير راضية:"ألم تقل إنه يمكنني أخذ قسطٍ من الراحة في أي وقت؟""أنا لا أريد أن أعمل ليلًا ونهارًا."وبينما كانت تتحدث، ألقت نظرةً على آدم، وتعمدت أن تلامس طرف فستانها طرف بنطاله."سيدي، هل هذا الفستان جميل؟""هل يناسبني؟"رفع آدم رأسه، واتسعت عيناه من الصدمة، ثم أمسك معصمها."من سمح لكِ بارتداء هذا؟""ألا تعلمين أنه لليان؟"قالت بدلال:"سيدي... أنت تؤلمني...""أردت فقط تجربته بدلًا منها..."أفلتت منه بصعوبة، وأخذت تدلك

  • بعد فراقنا في الربيع   الفصل الخامس

    أسرع آدم إلى داخل الغرفة، وألقى نظرةً سريعة في أرجائها. وانتابه شعورٌ قوي بالذعر.استدار بسرعة، وأمسك بإحدى الممرضات عند مكتب التمريض. وكان صوته يرتجف بشدة. "أين ذهبت المريضة التي كانت في هذه الغرفة؟"عقدت الممرضة حاجبيها، وتراجعت خطوة إلى الخلف. "سيدي، أرجوك اهدأ."ثم ألقت نظرةً إلى الغرفة، وأكملت: "المريضة التي كانت هنا أنهت إجراءات الخروج، وغادرت في الصباح الباكر."انحبس نَفَس آدم للحظة، وأرخى يده التي كانت تمسك بها ببطء. وشعر وكأن الدم قد تجمد في عروقه."غادرت...؟ وهي مصابة، إلى أين ذهبت؟"كانت الممرضة مستغربة هي الأخرى. "لقد حاولنا إقناعها بالبقاء، لكن دون جدوى." "أصرت على المغادرة، حتى إن الطبيب لم يتمكن من إيقافها."ابتلع آدم ريقه، ثم أخذ نفسًا عميقًا.جرّ آدم قدميه بخطواتٍ ثقيلة حتى عاد إلى الغرفة، وأمسك بأوراق الطلاق، وكانت يداه ترتعشان. وأظلمت عيناه.كيف لها أن ترحل؟ وكيف استطاعت أن تفعل ذلك؟برزت عروق ذراعه من شدة اضطراب مشاعره، وقبض على أوراق الطلاق بقوة حتى تجعدت بين يديه.حاول أن يكبت الذعر الذي انتابه، ثم استدار على الفور. وأسرع عائدًا إلى المنزل، ودفع الباب بقوة.كان ا

  • بعد فراقنا في الربيع   الفصل الرابع

    لم يرد للحظة، حتى أدرك أخيرًا أن هناك أمرًا ما."ما الأمر؟"التقطت صورةً وأرسلتها إليه."ألقِ نظرةً على الصورة التي أرسلتها لك."صمت للحظة، ثم تنهد."لقد أوصلوها إلى المكان الخطأ."قلت بسخرية:"حقًا؟ إذًا تصويرك صور زفاف مع روان ليس خطأ؟"بدا عاجزًا عن الرد، ثم قال:"تعالي إلى الشركة... وسأشرح لكِ."أنهيت المكالمة، وأخذت حقيبتي وغادرت.شعرت بألمٍ يعصر قلبي.لم يكن آدم يسمح لي بالذهاب إلى الشركة قط، وكان يقول إن وجودي هناك سيترك انطباعًا سيئًا.ولم أتخيل يومًا أن المرة الوحيدة التي يسمح لي فيها بدخول الشركة ستكون بسبب هذا الأمر.وما إن دخلت المصعد، حتى أوقفني أحد الموظفين."عذرًا، لا يُسمح لغير الموظفين بدخول المكاتب، تفضلي بالانتظار في منطقة الاستقبال."هممت بالكلام، لكن روان ظهرت فجأة.وأمسكت بيدي قائلة:"لا بأس، أنا أعرفها."بدت وكأنها صاحبة المكان.واصطحبتني إلى الداخل، ثم قدمت لي كوبًا من الماء."المدير في اجتماع الآن، سيدتي، تفضلي وانتظري قليلًا."لم أرد، وأدرت رأسي، وأخذت أنظر حولي.كان على الأريكة طقم بيجامة للزوجين، وحتى كوب آدم أصبح من طقم الأكواب المزدوجة.وكان على المكتب الك

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status