Se connecter"الفصل الثاني و الستون بعد المئة."... وقف مالك ببطء، وهو لا يزال يحمل ليو بين ذراعيه، لكن جسده كان مشدوداً كوتر قوس على وشك الانفجار. كانت عيناه تلمعان بغضب مرعب، وهو يحدق في ماريا التي وقفت أمامه ببرود تام، دون أن ترمش أو تبدي أي رد فعل يوحي بالارتباك. ساد صمت خانق في المكان، ولم يعد يُسمع سوى شهقات ليو المصطنعة التي كانت تزيد من اشتعال الموقف. خطا مالك خطوة واحدة نحو ماريا، وكان صوته يخرج من بين أسنانه مشحوناً بالوعيد: - "كرريها. قوليها الآن وأنا أسمعكِ. هل قلتِ لابني أنه مقزز؟" لم تتحرك ماريا من مكانها، ولم تحاول تبرير موقفها أو الدفاع عن نفسها بكلمات ضعيفة. بل على العكس، رسمت على شفتيها ابتسامة باردة، ونظرت إلى مالك بعينين ثابتتين تحملان مزيجاً من السخرية والثقة. وضعت يدها في جيب فستانها بهدوء شديد، بينما كان مالك يراقبها بدقة، منتظراً أي علامة على الخوف. قالت ماريا بصوت مستقر وقوي: - "لماذا أكرر كذبة لم أنطق بها؟ يبدو أنك تحب تصديق كل ما تسمعه من طفل صغير دون أن تفكر للحظة في مدى منطقية الأمر." زم مالك شفتيه، وضاقت عيناه أكثر. نظر إلى ابنه الذي كان يدفن وجهه في كتف والده،
"الفصل الواحد والستون بعد المئة". ... تراجع مالك خطوة إلى الوراء، ووضع يديه في جيبي بنطاله وهو يراقب دموع ماريا التي بللت وجنتيها. لم تتغير ملامحه القاسية فوراً، بل ظل يحدق في وجهها بنظرة فاحصة، وكأنه يحاول اكتشاف الثغرة في هذا المشهد. ساد صمت ثقيل في الغرفة، لم يقطعه سوى صوت أنفاس ماريا المتقطعة. ارتسمت على شفتي مالك ابتسامة جانبية باردة، وقال بصوت يحمل نبرة سخرية: - "تغارين؟ هل هذا هو السبب الحقيقي لكل هذه الدراما؟" أحست ماريا بقلبها يخفق بسرعة، لكنها استمرت في شهقاتها، وأنزلت رأسها لكي لا يرى بريق الحساب في عينيها. تابع مالك وهو يضحك بخفة: - "جيد. هذا الاعتراف يجعل الأمور أكثر إثارة. بما أنكِ تغارين، وبما أنكِ تدعين أنكِ تبقين وحيدة في هذا القصر بينما أستمتع أنا بحياتي، فقد وجدتُ لكِ حلاً يملأ وقت فراغكِ." رفعت ماريا رأسها ببطء، ومسحت دمعة سقطت على شفتها، وسألته بصوت مهزوز: - "ماذا تقصد؟" اقترب مالك منها مجدداً، لكنه هذه المرة لم يلمسها، بل وقف على مسافة قصيرة وهو ينظر إليها بتحدٍ. قال مالك بنبرة حازمة: - "غداً لدى أثينا موعد مع الطبيب، وليو سيبقى هنا بلا أم تعتني به. ل
" الفصل الستون بعد المئة"....دخلت ماريا غرفتها وأغلقت الباب خلفها بهدوء. استندت بظهرها إلى الخشب البارد وأخذت نفساً عميقاً. نزعت حذاءها العالي ورمته جانباً، ثم سارت نحو المرآة. نظرت إلى انعكاس وجهها؛ كانت عيناها متعبتين لكنهما تحملان بريقاً لم يكن موجوداً من قبل. بدأت بفك عقد شعرها ببطء، وهي تشعر بثقل اليوم يزول تدريجياً.فكرت ماريا في سرها: "لقد فعلتها. واجهته دون أن ترتجف يداي. ." نظرت ماريا الى يديها بابتسامه خفيفة وهي تدرك انها تتعالج ببطء من الجرح الذي سببه لها.فجأة، وبدون أي سابق إنذار، فُتح الباب بقوة شديدة لدرجة أن المقبض اصطدم بالحائط وأحدث صوتاً حاداً. دخل مالك الغرفة، ولم يغلق الباب خلفه، بل تركه مفتوحاً على مصراعيه. كانت ملامحه قاسية، وفكه مشدوداً لدرجة أن عضلات وجهه كانت تبرز بوضوح. لم ينظر إليها في البداية، بل بدأ يسير في الغرفة بخطوات بطيئة ومستفزة، يتفحص كل ركن فيها بعينين ضيقتين.توقفت ماريا عن الحركة، وظلت واقفة أمام المرآة، تراقب تحركاته من خلال الانعكاس. لم تلتفت إليه، ولم تحاول التحدث.توقف مالك عند الطاولة الصغيرة التي تضع عليها ماريا أغراضها الشخصية. مد يده و
" الفصل التاسع والخمسون بعد المئة"....لم يتوقف مالك عن الضغط على دواسة الوقود حتى وصل إلى بوابة القصر. توقفت السيارة بصوت صرير قوي جداً أحدث صدىً في الساحة الخارجية. خرج مالك من السيارة وضرب الباب خلفه بقوة جعلت جسده كله يتشنج. وقف في منتصف الساحة لثوانٍ، وهو يتنفس بصعوبة، وعيناه تمسحان مداخل القصر بحثاً عن أي أثر لماريا. كان يشد على قبضة يده لدرجة أن أظافره انغرست في كفه، لكنه لم يشعر بالألم، لأن الغضب كان يغطي على كل شيء.سار نحو المدخل بخطوات واسعة وثقيلة، وكان كل من يراه من الخدم يبتعد عن طريقه فوراً، ويخفض رأسه خوفاً من النظرة المظلمة التي كانت تملأ وجهه. دخل الردهة الرئيسية، ووقف في منتصفها، يضع يديه في جيوب بنطاله، لكن أصابعه كانت تتحرك بتوتر داخلي. كان ينظر إلى الساعة المعلقة على الحائط، ويحسب الدقائق، وهو يشعر أن الدقيقة تمر عليه بساعات.فكر مالك في سره وهو يراقب الباب: "أين هي؟ هل تظن أن هروبها إلى النادي سيعفيها مما ينتظرها؟ سأجعلها تدرك أن كل خطوة خطتها بعيداً عني كانت خطأً فادحاً. سأكسر هذا البرود الذي ظهر في الصورة، وسأعيدها إلى تلك المرأة التي كانت ترتجف بمجرد سماع صو
" الفصل الثامن والخمسون بعد المئة" .... توقفت سيارة ميليسا أمام البوابة الضخمة لقصر المرجان التابع لعائلة الشمري، ذلك الصرح الذي يعكس ثراء عائلة الشمري وجبروتهم وسيطرتهم على كل من يدخل تحت سقفهم. ترجلت ميليسا من السيارة وهي تضرب الباب بقوة، كانت أنفاسها متسارعة وصدرها يعلو ويهبط من شدة الغيظ. سارت في الممرات الرخامية الواسعة بخطوات سريعة، متجاهلة تحيات الخدم الذين انحنوا لها باحترام، كانت تدفع كل من يقف في طريقها بكتفها وهي تواصل سيرها. توجهت ميليسا مباشرة نحو جناح والدتها، زهراء. دفعت الباب دون استئذان، ليصطدم الباب بالحائط ويحدث صوتاً مدوياً. كانت زهراء في تلك اللحظة تجلس بظهر مفرود أمام مرآتها الكبيرة ذات الإطار الذهبي المذهب. كانت تضع لمسات أخيرة من أحمر الشفاه القاني، وتعدل عقد الألماس الذي يطوق عنقها بدقة متناهية. كانت تنظر إلى انعكاس صورتها بابتسامة رضا، وتتأكد من جمالها ومكانتها. وقفت ميليسا خلفها، وظهر انعكاس وجهها الغاضب في المرآة بجانب وجه والدتها الهادئ. نظرت زهراء عبر المرآة إلى ابنتها، ورفعت حاجباً واحداً بتعجب من هيئتها المبعثرة. قالت زهراء بنبرة تدليل ممزوجة بالا
" الفصل السابع و الخمسون بعد المئة" .... سحبت لورا نفساً عميقاً، ثم ارتمت على الأريكة المخملية بجانب ماريا، وهي تهز رأسها بذهول. نظرت إلى صديقتها وكأنها تراها لأول مرة، بينما كانت ماريا تعيد خصلة من شعرها خلف أذنها ببرود تام، وكأن العاصفة التي أحدثتها ميليسا لم تكن سوى نسمة هواء عابرة. قالت لورا وهي تضحك بصخب: - "ماريا، أقسم أنني أشعر برعشة في جسدي من فرط الحماس! هل تدركين حقاً ماذا فعلتِ للتو؟ لقد أهنتِ إحدى أفراد عائلة الشمري في وجهها، بل وأخبرتها أنكِ ستكونين ممتنة لو تسبب ذلك في طلاقكِ. هذه الجرأة لا تملكها حتى أكثر النساء تمرداً في هذه المدينة." ابتسمت ماريا ابتسامة باهتة، وأخذت رشفة صغيرة من مشروبها، وهي تشعر ببرودته تلامس حلقها. فكرت ماريا في سرها وهي تتأمل سقف الغرفة المزين بالإضاءات الخافتة: "لسنوات طويلة، كان اسم الشمري بالنسبة لي يعني الخوف، والترقب، والرغبة في نيل الرضا. كنت أظن أن قوتهم تكمن في ألقابهم وأموالهم، لكنني اكتشفت الليلة أن قوتهم مجرد قشرة خارجية هشة. بمجرد أن تتوقف عن الخوف منهم، يصبحون مجرد بشر عاديين، بل وأحياناً مثيرين للشفقة في محاولاتهم للسيطرة على







