LOGIN"الفصل الرابع و الخمسون بعد المئه".... فتحت ماريا باب المكتب بهدوء، ودخلت بخطوات رصينة وهي تحمل الملف في يدها. كان مالك جالساً خلف مكتبه، يحدق في ساعته بملامح يكسوها الضجر، وبمجرد أن رآها، رفع نظره إليها ورفع حاجباً واحداً في تساؤل صامت عن سبب تأخرها. وقفت ماريا أمامه، وبدلاً من أن تضع الملف بسرعة وتغادر كما تفعل عادة، وضعت الملف ببطء شديد، ثم تراجعت خطوة للخلف، وربعت ذراعيها أمام صدرها وهي تنظر إليه بابتسامة غامضة وباردة. قال مالك بصوته الرخيم الذي يحمل نبرة من الاستنكار: - "استغرق توقيع ورقة واحدة كل هذا الوقت؟ هل قررتِ أخذ استراحة غداء في ردهة الاستقبال، أم أن مدير المالية قرر فجأة مناقشة تاريخ الشركة معكِ؟" لم ترد ماريا فوراً، بل مالت برأسها قليلاً وهي تتأمله. فكرت في سرها: "انظر إليه، يظن أنه يسيطر على الموقف بمجرد كلمات ساخرة. لا يعلم أنني عدت من هناك وأنا أحمل سلاحاً جديداً ضد تلك المرأة التي يراها ملاكاً طاهراً. سأجعله يشعر بأن صورته عن أثينا ليست سوى وهم جميل رسمته هي بذكاء." قالت ماريا بنبرة هادئة ومستفزة: - "في الواقع، لقد صادفتُ السيدة أثينا في الأسفل. وكانت في غاي
" الفصل الثالث و الخمسون بعد المئة". ..... ظلت ماريا صامتة لعدة ثوانٍ، بينما كانت نظرات الموظفين تتركز على يدها التي لم تمتد بعد للصحن. كان التوتر في القاعة قد وصل إلى ذروته، والجميع ينتظرون تلك اللحظة التي تبتلع فيها ماريا قطعة الحلويات لتبدأ "الدراما" التي رسمتها أثينا في خيالها. تنهدت ماريا في سرها تنهيدة عميقة مليئة بالملل، وفكرت وهي تنظر إلى وجه أثينا المتصنع: "حقاً؟ هل هذه هي الخطة؟ هل تشاهد أثينا الكثير من المسلسلات الهندية لدرجة أنها تعتقد أن محاولة التخلص من المنافسة عبر قطعة حلوى في وسط القاعة هي حركة ذكية ومؤثرة؟ يا لسخافة هذا المشهد، تظن أنها في فيلم سينمائي حيث تسقط البطلة مغشياً عليها وسط صرخات الجميع." لم تظهر ماريا أي علامة من علامات الخوف أو الارتباك. بدلاً من ذلك، ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة جداً، ونظرت إلى قطعة الحلويات ثم رفعت عينيها لتقابل عيني أثينا بنظرة خالية من أي مشاعر، وكأنها تنظر إلى شيء تافه لا يستحق الاهتمام. قالت ماريا بنبرة هادئة ومستفزة، وهي تميل برأسها قليلاً إلى الجانب: - "أشكركِ جداً على كرمكِ يا سيدة أثينا. من اللطيف حقاً أنكِ تهتمين بتغذ
" الفصل الثاني و الخمسون بعد المئة" ..... ساد الهدوء أرجاء المكتب، ولم يكن يقطعه سوى صوت نقرات أصابع ماريا السريعة والمستمرة على لوحة مفاتيح الحاسوب. كانت تجلس بظهر مفرود، وعينان مركزتان بشدة على الشاشة، وشعرها مرفوع بعناية لكي لا يضايقها أثناء العمل. في المكتب المجاور، كان مالك يغرق في ملفاته، لكن تركيزه بدأ يتشتت تدريجياً. رفع مالك رأسه ببطء، وترك القلم يسقط من يده ليرتطم بسطح المكتب الخشبي بصوت خافت. أسند ظهره إلى الكرسي، وشبك أصابعه خلف رأسه، وبدأ يتأملها في صمت. كانت ملامح ماريا في حالة من الجدية المطلقة؛ حاجباها مقطبان قليلاً، وشفتاها مضمومتان بتركيز، وكأنها في معركة مع البيانات التي أمامها. فكر مالك في سره وهو يراقب حركة رموشها السريعة: "من أين تأتي بهذه القوة؟ تبدو وكأنها خلقت لهذا المنصب، أو ربما هي تحاول إثبات شيء ما لي. تلك الملامح الحازمة تجعلها تبدو مختلفة تماماً عن تلك الفتاة التي كانت تثير جنوني قبل ساعات. تباً، إنها جذابة وهي غاضبة، ومذهلة وهي جادة." بعد فترة، نهضت ماريا من مكانها. كانت تحمل في يدها مجموعة من الأوراق المرتبة بدقة، وسارت نحوه بخطوات واثقة ومسم
" الفصل الواحد و الخمسون بعد المئة".....تصلب جسد مالك تماماً في مكانه. اتسعت حدقتا عينيه بصدمة ذهول، وتجمدت أنفاسه في صدره وهو يشعر بدفء ذراعيها تلتفان حول عنقه. لم يتحرك إنشاً واحداً، وبقي جامداً لثوانٍ وكأن صاعقة ضربته، فمنذ أن رأته مع عشيقته وهي تتجنب حتى ملامسة طرف ثيابه، فكيف تفعل هذا الآن وبكل هذه الجرأة؟قالت ماريا بنبرة رقيقة، لكنها تحمل سخرية مبطنة وهي تنظر في عينيه مباشرة:- "من قال إنني أريد أن أكون بعيدة عنك يا مالك؟ أم أنك تحاول طردي من هنا لكي تجلب أثينا إلى المكتب دون أن يشعر أحد؟"ساد صمت مذهل في الغرفة. ذكر اسم "أثينا" جعل ملامح مالك تتبدل؛ لم ينكر وجودها، فهي حقيقة ثابتة في حياته وأم ابنه، لكن ذكرها في هذه اللحظة وبنبرة ماريا المستفزة أشعل في داخله مزيجاً غريباً من الغيظ والتملك.فكر مالك في سره وهو ينظر إلى وجهها القريب جداً: "كيف تجرؤ على ذكر اسمها هنا؟ هل تحاول مقارنة نفسها بها أم أنها تحاول ضربي في نقطة ضعفي؟ تباً، هذه المرأة لا تتوقف عن مفاجأتي بجرأتها، وبطريقة تفكيرها التي بدأت تستفز كل ذرة في كياني."أفلت مالك ضحكة قصيرة وجافة، اهتزت لها أكتافه قليلاً. أنزل
"الفصل الخمسون بعد المئة" ..... ظلّت ماريا مكانها لعدة دقائق بعد رحيل مالك، تحدق في الفراغ بينما كان صدى كلماته "زوجتي الصغيرة" يتردد في أذنيها. شعرت بقشعريرة خفيفة تسري في جسدها، لكنها لم تكن قشعريرة خوف، بل كانت مزيجاً من الغيظ والاشمئزاز. سندت رأسها على كفها، وأخذت تفرك جبهتها بإصبعها في حركة عصبية. فكرت بضيق: "زوجتي الصغيرة؟ هل يظن حقاً أن هذه المسميات الرقيقة ستجعلني أنسى أنه حبسني في ذلك القصر كأنني قطعة أثاث؟ يا ليتني أستطيع إخباره بأن هذه 'الزوجة الصغيرة' يمكنها مسح قاعدة بيانات شركته بالكامل في عشر دقائق لو أرادت. تباً له ولغروره الذي لا ينتهي." بدأت ماريا في العمل مجدداً، لكنها لاحظت أن الأجواء في القسم قد تغيرت. كانت هناك همسات مكتومة بين الموظفين، ونظرات خاطفة تُلقى نحوها ثم تُسحب بسرعة بمجرد أن ترفع رأسها. لم تكن غبية لتجهل أن مشهد مالك وهو يوبخ رامي من أجلها قد ترك انطباعاً قوياً. التفتت إليها زميلتها في المكتب المجاور، سارة، التي كانت تراقب الموقف بصمت منذ البداية. مالت سارة نحوها وهمست بصوت خفيض: - "ماريا.. هل أنتِ حقاً مجرد سكرتيرة جديدة؟ لم أرَ السيد مالك يتدخل
*الفصل التاسع والاربعون بعد المئه* ... تلاشت ضحكات مالك تدريجياً، وعاد وجهه إلى ذلك البرود الذي يغلف كل شيء فيه. لم يقل كلمة أخرى، بل اكتفى بالنظر إليها بهدوء وهو يتكئ على مكتبه، وكأنه يراقب شيئاً غريباً لا يستحق الكثير من الجهد لفهمه. جمعت ماريا أوراقها ببطء، وكانت تحاول جاهدة ألا ترتعش يدها. فكرت في سرها: "حقاً؟ يضحك وكأنني نكتة؟ ليتني استطعت أن أصفعه في تلك اللحظة. كيف يمكن لشخص أن يكون بهذا القدر من الغرور دون أن يشعر بالخجل من نفسه؟" قالت ماريا وهي تتجه نحو الباب بصوت خافت: - "يسعدني أن تمثيلي قد أثار اهتمامك يا سيد مالك. سأعود الآن لمتابعة المهام التي كلفتني بها." لم يرد مالك، بل ظل يراقبها بعينين حادتين حتى أُغلق الباب. بمجرد أن اختفت عن نظره، تنهد بعمق وأسند رأسه إلى كرسيه. تذكر تلك الحركة، وضع إصبعها على ذقنها. شعر بضيق غير مبرر في صدره. فكر وهو يضيق عينيه: "لا يمكن.. مستحيل أن تكون هي. ماريا التي أعرفها لا تملك نصف هذا الذكاء، لكن لماذا أشعر أنني كنت أعمى طوال تلك المدة؟" نزلت ماريا إلى قسم السكرتارية، وجلست خلف مكتبها الصغير. كان المكان يضج بالحركة، والملفات تتراكم







