Masukالفصل 8: صكّ التملك
داميان
على مدار ثلاثين عاماً، لم يستطع إنسان واحد أن يربك حساباتي، أو يباغتني في مساحتي الخاصة. كل حركة في حياتي كانت محسوبة كرقصة شطرنج قاتلة، وكل إيماءة مقدرة بدقة متناهية.
حتى جاءت هذه الفتاة التي قلبت موازيني.
كنتُ أتكئ على الأريكة الجلدية، أتظاهر بقلة الإهتمام واللامبالاة تجاه لينا التي كانت تعتصر كتفي بثقلها ولم أكن أهتم لها منذ اللحظة التي حاولت بها التطفل والرقص على طاولتي، بل كنتُ أتركها فقط لتكون طُعماً محفزاً للمشهد الذي أنتظره.
كانت عيناي لا تفارقان إليز لدقيقة واحدة. رأيتها وهي تنزل من المسرح كإعصار أسود، عيناها الرماديتان تشتعلان بنار غير مألوفة، وجسدها المنهك يختزن حنقاً يكفي لإحراق الملهى بأكمله.
وفجأة... كانت أمامي.
قبل أن ينطق لساني بحرف، انحنت ونفضت كل وقارها المتصنع. قبضت أطراف أصابعها على ياقة معطف أرماني الفاخر الذي أرتديه، وسحبتني نحوها بجنون وجرأة لم أعهدها في أنثى من قبل.
اتسعت عينياي في صدمة شلت حركتي لكسر من الثانية.
ارتطمت شفتها الساخنة بشفتيّ في قبلة جائرة، مشتعلة، طافحة بالكبرياء والغضب والغيرة المكتومة. طعمها كان ينضح برائحة التحدي، ومذاق الخوف الممتزج بالتمرد. أخرست صخب الملهى، وأوقفت نبض المكان.
حاولت هي الارتداد سريعاً، كمن أدركت للتو حجم الجرم الذي ارتكبته وأرادت الهروب بجلدها.
لكنني داميان بلاكوود... ولا أحد يلمس ناري ثم يهرب دون أن يحترق بها.
قبل أن تبتعد إنشاً واحدًا، تحركت يداي بغريزة حاسمة. حاصرتُ خصرها النحيل بقبضتين من حديد، وسحبتُ جسدها المرتجف لألصقه بصدري بالكامل، ملغياً أي مسافة بيننا.
لم أسمح لها بالتراجع.
أعدتُ إغلاق المساحة بين شفتينا، وقبلتُها بشغف طاغٍ، عميق، وجسور. قبلة لم تكن مجرد رد فعل، بل كانت إعلاناً صريحاً وتوقيعاً بالملكية أمام الملهى بأكمله، أمام الحراس، أمام لينا المصدومة ومدام سوزان التي شهقت قرب البار، وأمام العالم... أنها أصبحت ملكيتي الخاصة وحده، ولا حق لأحد غيري في لمسها أو النظر إليها.
كانت ترتجف بين يديّ، وأنفاسها المتسارعة تحرق بشرتي وشفتي.
كان ملمسها شهي، مغري، وبه طعم إدمان أقوى من المخدرات، طعم لم يلمسه أحد غيري، وهذا كان كافياً ليثير جنوني، ويجعلني أرغب بها بشكل أقوى مما يتخيله أحد.
هذه الفتاة ملكي، ولن أتنازل عنها مهما كان الثمن.
ابتعدتُ عن شفتيها ببطء شديد، رغم إنني كرهت فكرة إبعادها عني وملمسها الذي رغبت أن يطول لأطول وقت ممكن، لكنني لم أطلق سراح خصرها، ولم أبتعد عن وجهها اللطيف المرتجف أمامي.
بقيت أنفاسي تلتطم بأنفاسها، وعيناي الزرقاوان تغوصان في رماد عينيها المشتعلين.
أملتُ رأسي قليلاً، وهمستُ بصوت خفيض، خشن، وممتلئ بالسلطة، أسألها بإستنكار: "ماذا كان هذا... إليز؟"
نظرت إليّ بعيون يملأها الانكسار المتحدي، ونفست أنفاسها المتهدجة بثبات مصطنع عكس صدرها الذي يرتفع وينخفض بلهاث ونبضات عالية أكاد أشعر بها ضد صدري، وهمست بنبرة حادة لاهثة وصلت إلى مسامعي وحدي:
"لقد سألتني سابقاً عن الزواج منك... وهذه هي إجابتي."
---
تسللت كلماتها إلى مسمعي كإعلان حرب ناعم، مجرد جملة واحدة كانت كفيلة بتأجيج بركان خفي في داخلي.
ارتسمت على شفتيّ ابتسامة بطيئة، مظلمة ومحمّلة بانتصار لا يرحم. رفعتُ إبهامي ليمسح أثر شفتيها المرتجفتين ببطء، مشدداً قبضتي على خصرها أكثر حتى استكانت رغماً عنها ضد جسدي.
"إذن، اخترتِ..." همستُ بالقرب من أذنها حتى لامست أنفاسي بشرتها الشاحبة، "ولكن تذكري، إليز، العودة للوراء بعد هذه الليلة باتت مستحيلة."
نظرتُ بطرف عيني نحو لينا التي كانت تقف جامدة كالتمثال، وعيناها تشعان بالذهول والحقد. أشرتُ بيدي ببرود لا يقبل النقاش، ليتدخل رجال حراستي فوراً ويحيطوا بالطاولة، دافعين لينا وبقية الفضوليين للخلف لإخلاء المساحة حولنا.
"انتهى العرض هنا،" قلتُ بصوت هادئ هزّ أرجاء القاعة، متجاهلاً نظرات مدام سوزان التي كانت تحاول التقدّم للاستفسار.
بدون أن أترك لـ إليز فرصة لاستعادة أنفاسها أو التراجع عن كلماتها الجريئة، رفعتها بخفة من خصرها، حاملاً إياها بين ذراعيّ وسط ذهول جميع الحاضرين. حاولت المقاومة لثوانٍ بخفوت، لكن ذراعيّ كانتا كالقيد الفولاذي حولها.
سرتُ بها بخطوات واثقة ونظرات حادة تخترق الجموع المحتشدة، بينما كان المكان كله يهمس باسم "بلاكوود".
تخطينا الأبواب الزجاجية للملهى ونزلنا إلى الشارع البارد حيث كانت سيارتي "المايباخ" السوداء تنتظر أمام المدخل، والباب الخلفي مفتوح بالفعل بانتظارنا.
أدخلتها إلى المقعد الخلفي للسيارة وجلستُ بجانبها مباشرة، مغلقاً الباب ليعمّ الصمت الخانق داخل المقصور الفاخرة، بعيداً عن ضجيج العالم الخارجي.
التفتُ إليها، كانت تجلس مستندة إلى الجلد الفاخر، صلبة في ظاهرها، لكن يديها اللتين تجلس عليهما كانتا ترتجفان بوضوح.
"مارك،" خاطبتُ السائق ونظري مثبت على عينيها الرماديتين، "ألغِ كافة المواعيد للغد، وتواصل مع المحامي فوراً ليعدّ وثائق الزواج الرسمية."
ثم التفتُ إليها كلياً، وأملتُ بجسدي نحوها حتى حاصرتها بين المقعد وجسدي، قائلاً بنبرة منخفضة تحبس الأنفاس:
"الآن... دعينا نتحدث عن شروطي لهذا الزواج، زوجتي المستقبلية."
الفصل 62: صمت يدركنيداميان---جلستُ على حافة السرير الأبيض، ويداى ما زالتا تطبقان على يدها الصغيرة كأنها الشيء الوحيد الذي يمنعني من السقوط في هاوية لا قاع لها. الطبيب خرج منذ دقائق، والممرضات انصرفن بهدوء مدروس، والغرفة عادت إلى صمتها الثقيل الذي يشبه صمت القبور قبل العاصفة.هي نائمة.وجهها شاحب أكثر مما يجب، لكن تنفسها صار منتظمًا، وشفتاها مفتوحتان قليلًا كأنهما تنتظران كلمة لم تُقل بعد. رموشها الطويلة ترسم ظلًا خفيفًا على خديها، وشعرها الأسود منتثر على الوسادة كشبكة حرير مبللة.حامل.الكلمة لم تكن مجرد معلومة طبية. كانت رصاصة اخترقت جبهتي واستقرت في مؤخرة رأسي، تدور هناك ببطء قاتل.حامل.وضعتُ راحتي الأخرى فوق بطنها، فوق الغطاء الرقيق. لم يكن هناك شيء يُرى. لا انتفاخ، لا دليل مادي. فقط معرفة جديدة، صامتة، ثقيلة كجبل، تغيّر شكل العالم كله في لحظة واحدة.وفي تلك اللحظة بالذات، انفتح داخل رأسي بابٌ كنتُ أغلقه منذ ساعات.باب السيرك.صورة الخيمة الكبيرة عادت فجأة، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة بالضبط لتقتحمني.الخيمة التي أمضيتُ أشهرًا أعيد بناءها حجرًا فوق حجر، ليلة بعد ليلة، صفقة بعد
الفصل 61: خبر مفاجئداميان---"إليز!" صرختُ باسمها مرة أخرى، لكن الرد لم يأتِ.فقط ذلك الصمت الثقيل الذي يملأ الأذن كالرصاص.رميتُ الهاتف على الطاولة، وكنتُ أتحرك بالفعل قبل أن يدرك أحد ما يحدث."السيارة. الآن." صوتي كان غريبًا حتى في أذني. لم أصرخ. لم أهدد. لكن الرجال فهموا. تحركوا كأنّ الموت يلاحقهم.في الطريق إلى القصر، لم أكن أرى الشارع.كنتُ أرى وجهها.كنتُ أسمع ذلك الهمس الأخير يتكرر في رأسي كجرح مفتوح: "أنا لستُ بخير... أرجوك..." يداى كانتا ترتجفان على عجلة القيادة. لم أسمح لأحد أن يقود. لم أستطع أن أجلس في المقعد الخلفي وأترك السيطرة لغيري. كل ثانية كانت تمزقني.هل تسممت؟هل وصلت إيزابيلا إليها رغم كل الحراسة؟هل تأذت وأنا لم أكن بجانبها؟اللعنة عليّ.اللعنة على كل شيء جعلني أغادرها هذا الصباح.عندما توقفت السيارة أمام البوابة الرئيسية، لم أنتظر الحراس. قفزتُ منها واندفعت داخل القصر كعاصفة. السلالم الرخامية بدت لي أطول مما كانت عليه في حياتي. لم أسمع صوت خطواتي. لم أسمع صوت تنفسي. كان كل شيء يتركز في باب غرفة نومنا.فتحته بقوة.ورأيتها.ملقاة على جانبها قرب السرير، هاتفها
الفصل 60: دوار مفاجئإليز---بدأ الصباح كأنه نسيمٌ هادئ، لكنه سرعان ما تحول إلى ثقلٍ مريب يربض على صدري.فتحتُ عينيّ ببطء، واستقبلت عيناي ضوء النهار الفضي الذي ينزلق بخفاء من بين طيات الستائر المخملية الثقيلة لغرفة نومنا. كان القصر غارقاً في صمتٍ تام، سوى من الصدى البعيد لخطوات الحراس في الممرات الخارجية.تقلبتُ في الفراش، فاستقبلتني رائحة التبغ المعتّق والمسك الخشبي التي تركها داميان على الوسادة المجاورة لي. لم يكن بجانبي؛ أعلم أنه استيقظ في ساعة مبكرة جداً لمتابعة خطوات خطته الحاسمة مع محاميه ورجاله.مددتُ يدي ولمستُ مكان نومه الدافئ، وفي تلك اللحظة بالذات، انسابت إلى عقلي تفاصيل ليلتنا الماضية في غرفة تبديل الملابس...تسللت الحرارة إلى وجنتيّ وأنا أتذكر قسوته اللذيذة، والسيطرة التامة التي أطبق بها عليّ خلف ذلك الباب الثقيل. تذكرتُ كيف دفعني إلى الجدار البارد، وكيف انقبضت أنفاسي تحت ضغط يديه، وصوت الصفعات المتتالية التي أشعلت نسيج جلدي بالنار قبل أن تلتحم أجسادنا في التواءٍ دافئ وعميق. كان يعاملني وكأنه يملك كل خلية في جسدي، وأنا... أنا أعطيته تلك السلطة بطيب خاطر، وتوسلتُ إليه ليك
الفصل 59: سقوط الأقنعةداميان---السيجار الفاخر بين أصابعي كان يحترق ببطء، والدخان الأزرق الرمادي يتصاعد في الهواء حاملاً رائحة التبغ المعتّق.جلستُ خلف مكتبي العريض من الخشب الأسود المصقول، وحولي في قاعة الاجتماعات الخاصة بقصري تسعة من كبار المحامين في لندن، إلى جانب مارك ورجال عملياتي الأمنية. الأوراق والملفات والتقارير المالية المنسوخة تتكدس أمامهم كجبال من الورق، وكل تقرير يحمل خيطاً من خيوط الشبكة الخبيثة التي أردتُ خنق أصحابها بها."سيد بلاكوود،" تقدم المحامي الرئيسي ووضع ملفاً أحمر سميكاً أمامي. "لقد انتهينا من تتبع المعاملات المصرفية الخارجية الممتدة عبر العقد الأخير. الصورة أصبحت مكتملة كلياً الآن."أخذتُ نفساً عميقاً من السيجار، ونظرتُ إليه بعينين ثاقبتين: "تكلم.""إيزابيلا ولوكاس ليسا مجرد حليفين مؤقتين لإفساد عرض السيرك،" قال المحامي وهو يفتح الصفحة الأولى. "التحقيقات المالية تثبت أن عائلتيهما متورطتان منذ سنوات في غسيل الأموال عبر صفقات عقارية وهمية في فرنسا والمملكة المتحدة. والأهم من ذلك..." توقف المحامي للحظة ثم تابع بنبرة جادة: "...الوثائق السرية للمحكمتين الاقتصادي
الفصل 58: خلف باب الظلامإليز---سحبني خلف الباب الثقيل لغرفة تبديل الملابس قبل أن أتمكن من التقاط أنفاسي المتسارعة. أوتار الغرفة كانت تحتبس أنفاساً كتمتها السنين، ورائحة الخشب العتيق والمسك الخشبي المنبعث من جلده تملأ الفراغ الضيق.أغلق الباب بقدمه في حركة حاسمة أحدثت صدى خافتاً، ثم دفعني إلى الجدار البارد. التصق ظهري بصدره العريض، كأنه يحاول أن يطبع جسدي داخل جسده، يحيط بي بعالم لا يعترف بأحد غيرنا.يده اليسرى التفت حول خصري بقوة تتجاوز مجرد الامساك، كأنها قيدٌ ناعم وثقيل. أما يده اليمنى فنزل بها إلى الأسفل، تمسك بمؤخرتي وتضغط عليها بقسوة لذيذة، حاسمة، تجعل كل ألياف جسدي تتكهرب، واستجبتُ لها بأنين مكتوم أرسلته ضد خشب الجدار البارد.أنفاسه الدافئة كانت تلتهم النبض عند أسفل أذني، وهمس بصوت خشن ومبحوح من الرغبة الشديدة التي احتبست في صدره طوال ساعات التدريب:"أنتِ تطلبين... وأنا أنفّذ."لم أجب. لم أكن أملك القدرة على صياغة حروف تتسع لكل هذا الاندماج. اكتفيتُ برفع رأسي إلى الخلف، فانحنى عنقي له في استسلام تام، بينما شعرتُ بنبضه السريع والمضطرب ينتقل إليّ عبر طبقات ملابسه المشدودة.صفعة
الفصل 57: همس في العتمةإليز---ظللت واقفة خلف الباب الحديدي الصغير، كفي مضغوطة على الخشب البارد، وأذني معلقة بكل صوت يأتي من الخارج.لم أسمع الكلمات بوضوح. فقط نبرات. صوت داميان الحاد كشفرات الثلج، ثم صوت آخر... أهدأ، وأكثر سخرية. صوت أعرفه جيداً.لوكاس.قلبي انقبض بقوة حتى شعرت بألم حقيقي تحت الضلوع. لم أكن أتوقع أن يجرؤ على المجيء إلى هنا. ليس بعد كل ما حدث. ليس وهو يعلم أن داميان لن يتردد لحظة في قتله.عندما عاد داميان، فتح الباب بهدوء ووجدني هناك مباشرة. عيناي التقتا بعينيه، وبحثت فيهما عن أي أثر لما دار بينه وبين الرجل في الخارج. لم أجد شيئاً سوى ذلك الهدوء الخطير الذي يرتديه دائماً عندما يقرر أن يحمي شيئاً ما... أو يدمره.أمسك بكتفيّ بقوة لم تكن قاسية، لكنها لم تترك لي خياراً سوى أن أنظر إليه."سيكون كل شيء تحت السيطرة"، قال بصوت منخفض. "لن أجعل شيئاً يمسّك بسوء."لم أسأله. لم أحتج أن أسأل. عرفت من الطريقة التي ضغط بها جبينه على جبيني للحظة قصيرة جداً، ثم ابتعد، أن لوكاس قال شيئاً عنّي. شيئاً جعله يتجمد للحظة قبل أن يطرده.عدت إلى الغرفة الكبيرة حيث كانت إيما ومارغريت لا تزا







