LOGINهربت إليز مورو من باريس إلى لندن وهي تحمل على كتفيها إرثًا ثقيلًا من الديون، وقلبًا محطمًا بعد أن تخلى عنها الرجل الذي وعدها بحياةٍ سعيدة. لم يبقَ أمامها سوى موهبتها، فوجدت نفسها تؤدي عروضًا استعراضية في أحد أرقى الملاهي الليلية، عاقدة العزم على إنقاذ اسم عائلتها مهما كان الثمن. أما داميان بلاكوود، مالك أشهر سيرك في بريطانيا، فيعيش معركته الخاصة لإحياء إمبراطوريته التي انهارت بعد حادث مأساوي هزّ عالم السيرك. وبينما يبحث عن نجمة تعيد الحياة إلى عروضه، يقع اختياره على الفتاة التي لم يكن يتوقع أن تغيّر حياته بأكملها. عرض عمل واحد يفتح أمام إليز أبواب عالم جديد، مليء بالأضواء، والمنافسة، والمؤامرات، والمشاعر التي لم تكن مستعدة لخوضها.
View Moreالفصل الأول: أنا لست للبيع
إليز
"خمسة آلاف جنيه إسترليني إضافية إن جعلتها تخرج معي الليلة."
سمعتُ الصوت الخشن المشبع بالكحول والغرور بوضوح رغم صخب الموسيقى الإلكترونية الثقيلة التي تهز جدران ملهى "كسوف مخملي".
كان الجو داخل القاعة خانقاً، مليئاً بروائح العطور الفاخرة المختلطة بدخان السجائر الإلكترونية ورائحة المشروبات الغالية. وقفتُ خلف الستارة لثوانٍ، أتنفس بعمق، ثم خرجتُ إلى المسرح. الأضواء البنفسجية والحمراء تدور فوقي، تنعكس على العمود المعدني اللامع.
امتلأت الطاولات برجال الأعمال وأصحاب النفوذ الذين ينظرون إليّ كأنني قطعة في سوق مزاد. بدأت الرقصة.
ارتفعت آخر نغمة حادة ثم انخفضت فجأة. هبطتُ إلى أرضية المسرح بانسيابية، وانفجر القاعة بالتصفيق والصافرات.
ابتسمتُ ابتسامتي المهنية الباردة التي لا تصل إلى عينيّ، وانحنيتُ بخفة ثم غادرتُ المسرح بخطوات هادئة.
كنتُ أعرف تلك النظرات جيداً: الإعجاب، الطمع، الجشع الذكوري... والرغبة في امتلاك ما ليس للبيع.
---
في غرفة تبديل الملابس الضيقة، أغلقتُ باب الخزانة بقوة وزفرتُ بعمق. اثنا عشر عرضاً هذا الأسبوع، وسبع ساعات تدريب يومياً. جسدي يؤلمني، والأموال لا تكفي.
أخرجتُ هاتفي بيد مرتجفة. رسالة جديدة من البنك... الإشعار الأخير قبل اتخاذ الإجراءات القانونية ضد منزل العائلة. أغلقتُ الشاشة بسرعة.
"قليل من الوقت فقط..." همستُ لنفسي، "سأنقذ المنزل... وسأعود إلى مكاني الحقيقي."
فتح الباب فجأة. دخلت لينا، مبتسمة بسخرية.
"هناك رجل ينتظرك، يبدو ثرياً جداً."
"أخبريه مثلما تخبرين الآخرين. لا توجد إجابة جديدة."
"لقد أخبرته بالفعل."
"وماذا قلتِ له؟"
"قلت إنكِ لا تخرجين مع الزبائن."
تنهدتُ بملل: "إذن انتهى الأمر."
هزت لينا كتفيها: "هو لا يبدو مقتنعاً."
دخلت مدام سوزان، مالكة الملهى، بثوبها الأحمر الضيق.
"إليز، هذا الرفض الدائم بدأ يسبب لي خسائر. الزبائن يأتون من أجلكِ، عليكِ أن تكوني... ألطف. ابتسامة، كلمة لطيفة، جلوس على الطاولة لدقائق."
نظرتُ إليها مباشرة: "لقد اتفقنا من البداية، مدام سوزان. أنا أرقص فقط. إذا لم يعجبكِ الأمر، يمكنني الرحيل الآن."
خرجت مدام سوزان غاضبة، لكنها لن تطردني. أنا أجلب لها زبائن أكثر من أي راقصة أخرى.
---
بعد دقائق، استحممتُ بحمام بارد، ثم ارتديتُ جينزاً أسود وتوب أبيض ومعطفاً رمادياً طويلاً. أخذتُ راتبي الزهيد وخرجتُ من الممر الخلفي.
كان الليل بارداً قارساً. ما إن خطوتُ عدة خطوات حتى اعترض طريقي رجل ضخم يفوح منه الكحول وعطر باهظ.
"أخيراً... وجدتكِ."
"هل تحتاج شيئاً؟"
اقترب أكثر: "دفعتُ ثروة الليلة لأراكِ. أريد بقية الليلة معكِ."
"عملي انتهى عندما انتهى العرض."
"كل شيء له ثمن، عزيزتي."
"وأنا لستُ للبيع." حاولتُ تجاوزه.
أمسك بمعصمي بقوة مؤلمة: "لن أقبل الرفض."
"اتركني!"
"أنتِ تعملين هنا، لا تتظاهري بأنكِ قديسة."
---
"أعتقد أنها طلبت منك أن تترك يدها."
جاء الصوت هادئاً، بارداً كالصقيع.
التفتُ. كان رجلاً طويلاً جداً، ذا شعر أسود داكن، وسيم بشكل لا يُوصف، وعيون زرقاء حادة. يرتدي بدلة سوداء فاخرة ومعطفاً أسود. لاحظته سابقاً داخل القاعة يراقبني بهدوء دون تصفيق مبالغ فيه.
قال الرجل المخمور بسخرية: "وهل يخصك الأمر؟"
أجاب الغريب بهدوء مميت: "منذ اللحظة التي أمسكتَ فيها بها."
اقترب خطوة واحدة: "ارفع يدك."
"وإلا ماذا؟"
"وإلا ستقضي ليلتك في أقرب مركز شرطة... إن كنت محظوظاً."
أخرج سكاكين تصويب صغيرة حادة من صدريته وألقى واحدة بقوة، فاستقرت في الباب الخشبي خلف الرجل المخمور.
شهقتُ أنا والمخمور معاً. تردد الرجل، ثم وصل رجال الأمن يركضون. أفلت معصمي وتراجع متعثراً.
ظل الرجل الوسيم يراقبه حتى اختفى، ثم التفت إليّ: "هل أنتِ بخير؟"
فركتُ معصمي المتورم: "أنا... بخير."
"هل تحتاجين أن أوصلكِ إلى منزلك؟"
رفعتُ حاجبي بتعب: "لماذا؟"
"لأن الوقت متأخر والشارع غير آمن."
ابتسمتُ ابتسامة مريرة: "كل رجل منكم يبدأ بهذه الجملة."
"شكراً لتدخلك." توقفتُ لثانية دون أن أنظر إليه. "لكن لا تظن أن ذلك يمنحك أي حق في الاقتراب مني."
غادرتُ بهدوء ولم أنظر خلفي.
---
داميان
كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة والنصف ليلاً عندما خرجتُ من مبنى شركة بلاكوود للترفيه.
اليوم كان مرهقاً كعادته: اجتماعات، تقارير مالية مخيبة، ودعاوى قضائية تتراكم منذ حادثة السيرك قبل ستة أشهر. تلك الحادثة التي أطاحت بسمعة إمبراطوريتي التي بنيتها على مدى عشر سنوات.
كنتُ بحاجة إلى تنفس. إلى شيء يذكرني لماذا أحببتُ هذا العالم: الإثارة، الجمال، والأداء الحقيقي.
"إلى ملهى كسوف مخملي."
وصلنا إلى الملهى في حي مايفير. مدام سوزان استقبلتنا شخصياً، وقادونا إلى المقصورة الخاصة المطلة على المسرح.
لم أشرب من الويسكي. كان ذهني منشغلاً.
ثم بدأ العرض.
دخلتْ إليز مورو بخطوات واثقة. زي أسود ضيق أنيق، شعر أسود طويل. لم تندفع. استدارت بخفة مذهلة، شعرها يرفرف كجناحين. كل حركة محسوبة، مدروسة، تمتلك توازناً فنياً نادراً. كانت تتنفس مع الموسيقى.
"ليست مجرد راقصة... إنها مؤدية حقيقية."
همستُ لمارك: "رأيتَ كيف سيطرت على المسرح؟ ذلك ما ينقص السيرك."
بعد العرض، رأيتُها تمر من الصالة بملابسها العادية. ثم لاحظتُ الخنزير المخمور يلحق بها نحو المخرج الخلفي.
نهضتُ فوراً. "مارك، ادفع الحساب وألحق بي."
خرجتُ مسرعاً إلى الشارع البارد.
"اتركني!"
كان قد أمسك بمعصمها بقوة. عيناها الرماديتان مليئتان بالخوف. معصمها الأبيض قد تورم تحت أصابعه.
اقتربتُ وهددته بهدوء مميت، وألقيتُ سكين التصويب لأثبت جديتي. وصل رجال الأمن في اللحظة المناسبة.
بعد أن ابتعد الرجل، اقتربتُ منها: "هل أنتِ بخير؟ هل تحتاجين توصيلة؟"
ردتْ ببرود وشك: "كل رجل يبدأ بهذه الجملة... شكراً لتدخلك، لكن لا تظن أن ذلك يمنحك حقاً في الاقتراب مني."
غادرت في الظلام، وأنا أراقب ظلها حتى اختفى.
وصل مارك يلهث: "سيد بلاكوود؟ هل انتهى الأمر؟"
ابتسمتُ ابتسامة حقيقية لأول مرة منذ أشهر، ابتسامة هادئة وخطرة:
"بل بدأ للتو. لقد وجدتُ المرأة التي ستعيد سيرك بلاكوود إلى الحياة."
---
الفصل 15: لهيب الثقةإليزكان جسدي يحترق كله. لم يكن الإرهاق الجسدي فقط، بل نار أعمق، أكثر خطراً، تنتشر في عروقي كالسم الذي يبدأ حلواً ثم يحرق كل شيء.وقفتُ في وسط الساحة بعد أن غادر داميان، أنفاسي لا تزال متسارعة ومتقطعة، عرقي يسيل على جبهتي وعنقي ويبلل قميصي الرمادي حتى أصبح شفافاً تقريباً، ملتصقاً ببشرتي كطبقة ثانية تكشف كل منحنى.جلستُ على الأرض الرملية المغطاة بنشارة الخشب، أسندتُ ظهري إلى عمود معدني بارد، وأغمضتُ عينيّ محاولة تهدئة قلبي الذي كان يدق كطبول حرب قبل المعركة.كل سكين مرّت قرب جسدي، كل همسة ساخنة قرب أذني، كل لمسة خاطفة من أصابعه القوية... كانت تذيب جداراً جديداً داخلي. "اللعنة عليكَ، داميان..." همستُ لنفسي بصوت مكسور ومرتجف. "كيف تفعل هذا بي؟"كرهته.كرهتُ ثقته المطلقة، كرهتُ نظراته التي تخترق الروح، كرهتُ الطريقة التي يعاملني بها كأنني ملكه منذ اللحظة الأولى. لكنني في الوقت نفسه لم أستطع إنكار النشوة الغريبة، الممنوعة، التي شعرتُ بها وأنا أرقص أمام الموت بين يديه. كان هناك جزء مني، جزء مظلم وخائن، يستمتع بالخطر، بالقرب، بالسيطرة التي يفرضها عليّ.نهضتُ بعد عشر دق
الفصل 14: رقصة مع الموتداميانالهواء في ساحة التدريب كان بارداً ورطباً، يحمل رائحة الخشب القديم والمعدن والرمل الناعم المبعثر على الأرض. لكن كل ذلك اختفى أمام رائحتها.عرقها الخفيف الممزوج بعطرها الفرنسي الناعم، ذلك العطر الذي يذكرني دائماً بباريس وبالماضي الذي دمرها وتحاول الهروب منه، كان يتسلل إلى رئتيّ كدخان مخدر. وقفتُ خلفها مباشرة، جسدي يغطي ظهرها تقريباً دون أن يلمسه. ذراعاي القويتان تحيطان بالحلقة الفولاذية الباردة من الجانبين، محاصرين إياها في قفص مؤقت من عضلاتي ومعدن.شعرتُ بحرارة جسدها تنبعث نحوي، وكيف كان تنفسها غير منتظم، سريعاً، كأن قلبها يحاول الهرب من صدرها."إذاً... السيدة بلاكوود تريد رقصة مع الموت!" همستُ الكلمات ببطء متعمد، صوتي خشناً وعميقاً يلامس أذنها كأنفاس ساخنة. رأيتُ رعشة خفيفة تنزلق على بشرتها، من رقبتها النحيلة إلى أسفل ظهرها. لم أبتعد. أردتها أن تشعر بالوزن، بالقرب وبالسيطرة.تراجعتُ خطوة واحدة مدروسة، ثم دارتُ حولها ببطء كالذئب الجائع. كانت عيناها الرماديتان الداكنتين واسعتين، مليئتين بغضب متأجج، بخوف مكبوت، وبشيء أعمق وأخطر: إثارة لا تريد الاعتراف بها
الفصل 13: لعبة الموتإليزتجمدتُ في مكاني لثانية، وكانت تقريباً أطول ثانية في حياتي، شعرتُ ببرودة مفاجئة تسري في عمودي الفقري."ماذا؟""لقد وقعتِ على قيادة العرض الرئيسي لسيرك بلاكوود،" قال وهو يقترب مني بخطوات هادئة كالفهد، السكاكين تلمع بين أصابعه القوية الطويلة، "والعرض الرئيسي يعتمد على العاطفة المطلقة بيننا أمام الجمهور: الثقة والخطر المتبادل. ستقفين أمام لوح التصويب، وسأرمي السكاكين حول جسدكِ بينما تؤدين حركاتكِ الراقصة. هكذا سنستعيد هيبة السيرك.""أنت مجنون..." همستُ بتراجع طفيف، "هذا ليس تدريباً، هذا انتحار!"وقف أمامي مباشرة، فرق الطول يجعله يلقي بظله كلياً عليّ. انحنى قليلاً، وثبت عينيه الزرقاوين في عيني الرماديتين بقوة سحرية أرعبتني."أنا لم أخطئ في رمية واحدة طوال حياتي، إليز. السكين لن تلمس شعرة واحدة منكِ... إلا إذا تحركتِ بدافع الخوف."مدّ يده وأمسك بمعصمي برقة حازمة، وقادني نحو اللوح الخشبي. أسند ظهري إلى الخشب الصلب البارد، وشعرتُ بدقات قلبي تتسارع بجنون كأنه يريد الخروج من صدري.تراجع داميان عدة خطوات إلى الخلف، حتى استقر على المسافة المحددة للتصويب. رفع يده اليمنى،
الفصل 12: شروق بنكهة الخطرإليزلم يغمض لي جفن طوال الليل.كنتُ أتقلب على فراش الحرير، وكلما أغلقتُ عينيّ، شعرتُ بسخونة أنفاس داميان وهي تلفح بشرتي، وبصوته الواثق الحازم يتردد في عقلي: "أنا لا أقبل بالتهاون، ولا أتحمل الفشل".عندما دقات الساعة الخامسة صباحاً، نهضتُ دون تردد. كان الصداع يعتصر رأسي، لكن كبريائي كان وقودي الوحيد. لن أسمح له بأن يرى ذرة واحدة من الضعف أو التراجع في عينيّ.فتحتُ إحدى الحقائب الفاخرة التي جُهّزت لي، واخترتُ ملابس تدريب مريحة وحازمة في آنٍ واحد: بنطالاً رياضياً أسود ضيقاً، وقميصاً قطنياً طويلاً باللون الرمادي، ورفعتُ شعري الطويل على شكل كعكة محكمة خلف رأسي.خرجتُ من الجناح الشرقي قبل السادسة ببضع دقائق. كان القصر غارقاً في سكون غريب، هواء الفجر البارد ينساب عبر الممرات الطويلة ليرعش جسدي المنهك. تتبعتُ الإشارات والممرات الخلفية حتى وصلتُ إلى ساحة التدريب الشاسعة التي تقع خلف القصر.كانت الساحة مبنية كقبة سيرك مصغرة؛ أرضيتها مغطاة بطبقات من الرمل الناعم ونشارة الخشب، وتتدلى من سقفها المرتفع حبال متينة، وحلقات معدنية، وشباك أمان أثرية. وفي الزاوية البعيدة، وقف






Ratings
reviewsMore