FAZER LOGINلم تكن الأيام الثلاثة التي ابتعدت فيها عبير عن سليم هادئة كما حاولت أن تظهر.
كانت تقول لنفسها إنها فقط تحتاج إلى مساحة، وأن كثرة الحديث معه بدأت تجعلها تتصرف بطريقة لا تشبهها. لكنها في الحقيقة كانت تراقب هاتفها أكثر مما ينبغي، وتنتظر منه رسالة رغم أنها هي التي قررت الصمت. وحين لم يرسل، شعرت بالضيق. وحين أرسل أخيرًا، شعرت بالراحة. وهنا أدركت أن المشكلة أصبحت أكبر من مجرد إعجاب. في صباح اليوم الرابع، كانت عبير تعد القهوة في المطبخ حين دخل ناصر. نظر إليها وقال: "إنتِ مالك؟" التفتت إليه. "مالي؟" "بقالك كام يوم مش على بعضك." ابتسمت محاولة إنهاء الحديث. "يمكن عشان إنت لسه راجع من السفر والبيت اتقلب شوية." هز رأسه. "مش البيت." سكتت. اقترب منها قليلًا. "إنتِ." وضعت الفنجان على الطاولة. "يعني إيه أنا؟" "يعني من ساعة ما رجعت وأنا حاسس إنك مش معايا." قالها بهدوء، لكن العبارة أصابت مكانًا حساسًا داخلها. "أنا قدامك أهو." "الجسم آه." رفعت عينيها إليه. "ناصر..." "أنا مش بتخانق معاكي. أنا بس بحاول أفهم." جلست أمامه. "تفهم إيه؟" "إنتِ زعلانة مني؟" هزت رأسها. "لا." "مبسوطة معايا؟" ترددت. كان يمكنها أن تقول نعم وتنتهي المسألة، لكنها لم تستطع. لاحظ ناصر ترددها. "شايفة؟" "إيه؟" "سكتّي." تنهدت. "مش كل حاجة لازم يبقى وراها مشكلة." "بس كل حاجة اتغيرت." خفضت عينيها وقالت دون قصد: "يمكن أنا اللي اتغيرت." ساد الصمت. نظر إليها ناصر طويلًا. "اتغيرتي إزاي؟" لم تجب. رن هاتفها فوق الطاولة. نظرت إليه بسرعة. كانت رسالة من سليم: "صباح الخير... لسه هتفضلي ساكتة؟" أغلقت الشاشة بسرعة، لكن ناصر كان قد لاحظ الحركة. "مين؟" "حد مش مهم." "عبير." "قلتلك حد مش مهم " وقف ناصر. "أنا مش هفتح موبايلك، بس لما تبقي متوترة بالشكل ده من رسالة، طبيعي أسأل." "وأنا قلتلك مفيش حاجة." ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال: "تمام." وخرج من المطبخ. أما عبير فبقيت مكانها، وقلبها يخفق بعنف. لم تكن خائفة من ناصر وحده، بل كانت غاضبة من نفسها لأنها سمحت لسليم أن يصبح جزءًا من هذا التوتر. بعد الظهر، فتحت المحادثة. كان سليم قد أرسل رسالة أخرى: "إنتِ بتعاقبيني؟" كتبت: "مش بعاقبك." "أمال إيه؟" "بحاول أهدى." "من إيه؟" "منك." جاء الرد بعد ثوانٍ: "ومين قالك إني عايزك تهدي؟" ابتسمت رغمًا عنها. "شايف؟ عشان كده." "عشان إيه؟" "بتعرف تدخل من أي كلمة." "عشان أنا عايز أدخل حياتك، مش مجرد محادثات بس." اختفت ابتسامتها. كتبت: "سليم، متقولش كلام أكبر من اللي بينا." "وأنا شايف إن اللي بينا كبير فعلًا." "بالنسبة لك." "ولكِ إنتِ كمان." "إنت مش عارف أنا بحارب نفسي قد إيه." تأخر رده قليلًا، ثم كتب: "وأنا بحارب نفسي عشان ما أضغطش عليكي." رفعت عبير الهاتف أمام عينيها. كان هناك شيء مختلف في كلامه. هذه المرة لم يكن يغازلها فقط، بل كان يريد منها موقفًا. جاءت رسالة جديدة: "بس قوليلي حاجة واحدة بصراحة." "إيه؟" "وحشتك؟" لم تجب. أرسل: "مستني." كتبت: "آه." "قد إيه؟" "متسألش." "يعني كتير." "سليم..." "أنا كمان." ثم كتب: "أنا كنت بفتح المحادثة كل شوية وأقفلها عشان ما أبعتش." ضحكت. "وأنا كنت بعمل نفس الحاجة." "يبقى إحنا الاتنين مجانين." "يمكن." "لا، إحنا خايفين." توقفت أمام الكلمة. ثم كتبت: "أنا فعلًا خايفة." "من اللي بينا؟" "من نفسي وأنا معاك." تأخر رده، ثم كتب: "وأنا أكتر حاجة بتخوفني إنك ترجعي تبعدي فجأة." شعرت عبير بوخزة في صدرها. "مش هبعد." "وعد؟" ترددت. "مش عارفة." "يبقى لسه عندي فرصة." ضحكت. "إنت مستفز." "وأنتِ لما بتتعصبي بتبقي أحلى." "شايف نفسك بتعاكسني؟" "أنا بعترف." "بإيه؟" "إني بقيت ببصلك بطريقة مش بريئة." توقفت أصابعها فوق الشاشة. "يعني إيه مش بريئة؟" "يعني لما أشوفك، مش هقدر أتعامل معاكي كأنك مجرد واحدة اتعرفت عليها بالصدفة." شعرت بوجهها يسخن. "وأنا أعمل إيه في الكلام ده؟" "متعمليش حاجة." ثم أضاف: "بس متبقيش مستغربة لو حسيت إني عايز أقرب منك أكتر." وضعت الهاتف على الطاولة، وقامت من مكانها. دخلت غرفتها وأغلقت الباب. لم تكن تريد أن تتوقف المحادثة، بل كانت تريدها أن تستمر. لكنها هذه المرة كانت تحتاج إلى أن تسمع صوته. كتبت: "إنت فاضي؟" جاء الرد: "عشانك؟ آه." رن الهاتف. أجابته بصوت منخفض: "ألو." جاء صوته دافئًا وقريبًا: "كنت مستني منك المكالمة دي." "ليه؟" "عشان الرسائل مش مكفياكي." "ومين قالك؟" "صوتك." ضحكت ضحكة قصيرة. "إنت بقيت بتفهمني بسرعة." "لأني مركز معاكي." سكتت لحظة، ثم قالت: "أنا مش عايزة الموضوع يكبر." "وأنا عايزه يكبر." "سليم!" ضحك بصوت خافت. "إيه؟ دي أول مرة أقولك حاجة بصراحة." "إنت عارف إن حياتي مش سهلة." "عارف." "وعارف إن فيه حاجات مينفعش تحصل." صمت قليلًا، ثم قال: "طيب قوليلي... إنتِ عايزة إيه؟" لم تعرف الإجابة. كان السؤال أبسط من أن يكون مخيفًا، لكنه كان أخطر سؤال يمكن أن يطرحه عليها. قال بهدوء: "عبير؟" "مش عارفة." "بس عارفة إنك عايزة تسمعي صوتي." سكتت. وفي تلك اللحظة من الصمت، سرحت بخيالها. تخيّلته أمامها، صوته قريب من أذنها، ونَفَسه يلامس جلدها. انزلقت يدها ببطء تحت قميصها، تداعب منحنى صدرها، أصابعها تدور حول الحلمة حتى تصلّبت تحت لمستها. أغلقت عينيها، وراحت تتخيل أن هذه الأصابع أصابعه هو، وأن دفء يده هو ما يجعل جسدها يرتجف بهذه الطريقة. تنفست بصعوبة، وصوتها جاء أثقل حين قالت: "وده كفاية دلوقتي." ثم أضافت بصوت منخفض جدًا، كأنها تهمس لنفسها قبل أن تهمس له: "إنت وحشتني." جاء صوته أكثر دفئًا، وفيه شيء من الاختناق: "وأنتِ وحشتيني لدرجة إني بقيت مستني أي لحظة تكوني فيها لوحدك." وعلى الجانب الآخر، كان سليم مستلقيًا على ظهره في غرفته المظلمة، الهاتف ملاصقًا لأذنه. صوتها وحده كان كافيًا ليجعل دمه يغلي. أدخل يده داخل بنطاله، يقبض على نفسه بقوة وهو يتخيل شفتيها تنطق باسمه، يتخيل أصابعها تتجول فوق جسده كما كانت تتجول فوق جسدها هي الآن. ضمّ قبضته بقوة أكبر، يداعب نفسه ببطء، متخيلًا أنه يلامسها، أنه يضغط عليها، أنه يسمع أنفاسها ترتفع كما ترتفع أنفاسه هو. أغمضت عبير عينيها أكثر، وراحت يدها تنزل أبعد، تتسلل بين فخذيها، تداعب المكان الذي صار رطبًا وحارًا بسبب صوته فقط. أصابعها تدور ببطء، ثم تضغط أكثر، وتخيلت لسانه هناك بدلًا من أصابعها. شهقة صغيرة أفلتت من شفتيها قبل أن تتمكن من كتمها. "سليم..." صوته جاء مبحوحًا هذه المرة، واضحًا أنه يحاول السيطرة على تنفسه: "أنا هنا..." ساد صمت قصير بينهما، لكنه كان أثقل من الكلام. كانت أنفاسهما مسموعة، متسارعة، وكأن الجسدَين يتحدثان عبر الهاتف أكثر مما تتحدث الكلمات. قالت بصوت مرتجف: "متخليش الموضوع يوصل لمكان نندم عليه." أجابها بهدوء، رغم أن يده كانت لا تزال تتحرك ببطء وإصرار: "أنا مش عايز أضغط عليكي. بس مش هكدب عليكي وأقول إن مشاعري بسيطة." تنفست ببطء، أصابعها لا تزال تداعب جسدها برفق، كأنها تخشى أن تتوقف فيختفي الشعور كله. كانت تعرف أنه يقول ما تخشى هي الاعتراف به. وقبل أن ترد، سمعت صوت مفتاح الباب الخارجي. فتحت عينيها بسرعة، وسحبت يدها من تحت ملابسها كأن شيئًا يحرقها. "ناصر رجع." تغير صوت سليم في اللحظة نفسها، صار حادًا ومكتومًا: "اقفلي." أنهت المكالمة فورًا. جلست ثواني على السرير، تحاول أن تستعيد هدوءها، وجسدها لا يزال يرتجف من أثر لمساتها هي، ومن أثر صوته هو. ثم خرجت من الغرفة. وجدت ناصر يدخل البيت. نظر إليها، ثم إلى الهاتف في يدها. لم يقل شيئًا في البداية. لكن نظرته هذه المرة كانت مختلفة. قال فقط: "كنتِ بتكلمي مين؟" توقفت عبير. حاولت أن تبحث عن إجابة سريعة، عن كذبة تنقذ الموقف كما فعلت من قبل. لكن الكلمات لم تأتِ. كان ناصر ينتظر. أما هي، فكانت تفكر في سليم، وفي المكالمة التي انتهت منذ لحظات، وفي ذلك الشعور الذي حاولت طوال الأيام الماضية أن تنكره... وفي الطريقة التي لامس بها جسدها نفسه وهو يسمع صوته. وفي تلك اللحظة، فهمت أن الخطر لم يعد في أن تقع في حب سليم. الخطر الحقيقي أن يبدأ شخص آخر في ملاحظة ذلك.منذ أن اتفقا على اللقاء، لم تستطع عبير أن تتعامل معه باعتباره لقاءً عاديًا.كانت تعرف أن شيئًا تغير بينهما بعد آخر مرة التقيا فيها.الفصل السابق من علاقتهما كان يمكن أن يظل مجرد مساحة من الكلام والصور والاشتياق، لكن ما حدث بينهما في المرة الماضية جعل العودة إلى المسافة القديمة شبه مستحيلة.وصلت إلى المكان قبل الموعد بدقائق.كان مطعمًا هادئًا في شارع جانبي، بعيدًا عن الزحام، بإضاءة خافتة وطاولات متباعدة تمنح كل شخص قدرًا من الخصوصية.اختارت طاولة في زاوية بعيدة، وجلست وهي تحاول أن تبدو طبيعية.وضعت هاتفها أمامها، ثم أعادته إلى حقيبتها.بعد لحظات، ظهر سليم عند المدخل.رآها فورًا.توقفت عيناه عليها لثوانٍ قبل أن يتجه إليها.وعندما وصل، لم يبدأ بالكلام.وقف أمامها للحظة، يتأمل وجهها وكأنه يحاول أن يستوعب وجودها أمامه بعد كل ما دار بينهما خلف شاشة الهاتف.ابتسمت عبير."إيه؟"جلس إلى جوارها بدلًا من المقعد المقابل."ولا حاجة."كان قربه هذه المرة مختلفًا.كتفه لامس كتفها تقريبًا، وذراعه استقرت على ظهر المقعد خلفها.لم تبتعد.جاء النادل، طلبا شيئًا بسيطًا، ثم انصرف.وبمجرد أن ابتعد، ساد بينهم
لم تمر ساعات طويلة على عودتها إلى المنزل، لكن عبير شعرت أن اليوم أثقل من المعتاد.كانت تتحرك بين الغرف دون هدف واضح، تلتقط هاتفها ثم تضعه، تفتح إنستجرام وتغلقه، تنشغل بشيء صغير لدقائق ثم تعود بعينيها إلى الشاشة.كانت تنتظر سليم.ولم تكن تريد أن تعترف بذلك حتى لنفسها.بعد لقائهما الأخير، أصبح الصمت بينهما مزعجًا بطريقة لم تعرفها من قبل. كانت قد اعتادت خلال الأيام الماضية أن يكون هناك شيء ينتظرها في هاتفها؛ رسالة منه، سؤال، مزحة، أو مجرد كلمة قصيرة تشعرها بأنه يفكر فيها.أما اليوم، فكانت تنتظر أكثر.وعندما ظهر اسمه أخيرًا، فتحَت الرسالة فورًا."وحشتيني."بقيت تنظر إلى الكلمة.لم تكتب ردًا سريعًا هذه المرة.ثم كتبت:"إحنا اتقابلنا امبارح."جاء الرد:"وعشان كده؟""يعني إيه؟""يعني المفروض الواحد بعد ما يشوفك يستنى كام يوم عشان يوحشه اللي شافه؟"ابتسمت رغمًا عنها."إنت غريب.""أنا من امبارح وأنا عايز أكلمك.""طب ما كلمتنيش.""كنت مستني أشوف هتوحشيني قد إيه.""والنتيجة؟""أسوأ مما توقعت."شعرت عبير بأن شيئًا دافئًا يتحرك داخلها.كتبت:"وأنا كمان كنت مستنياك."توقفت قليلًا قبل أن تضغط إرسال.
ما إن وصلت عبير إلى المنزل حتى أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه للحظات.لم تتحرك.كانت لا تزال تشعر بأنها لم تعد إلى البيت فعلًا، وأن جزءًا منها بقي هناك، في المقهى، أمام سليم. الهواء بين جدران غرفتها بدا ثقيلًا، مليئًا بصدى صوته ونظراته التي لم تفارقها.أغمضت عينيها.عاد صوته إلى ذاكرتها."إنتِ أجمل من الصور بكتير."ابتسمت دون أن تشعر، وشعرت بحرارة خفيفة تنتشر في صدرها، كأن الكلمات لا تزال تلمسها.ثم تذكرت نظرته إليها، والطريقة التي كان يتابع بها كل كلمة تقولها، وكأن وجودها أمامه أهم من أي شيء آخر في العالم. كانت تلك النظرة طويلة، عميقة، تجعلها تشعر بأنها مرئية بكل ما فيها، لا مجرد وجه جميل.تحركت إلى غرفتها ببطء، ووضعت حقيبتها فوق السرير.جلست أمام المرآة.ظلت تنظر إلى انعكاسها طويلًا.لم تكن هذه المرة تنظر إلى نفسها كما اعتادت.كانت ترى نفسها بعين سليم.مدّت يدها ببطء، ومرّرت أصابعها على خدها، ثم نزلت إلى عنقها، تداعب الجلد الرقيق هناك كما لو أنها تستعيد لمسة يده.تخيّلت أصابعه مكان أصابعها، فشعرت بقشعريرة خفيفة تسري في جسدها. انزلقت يدها إلى كتفيها، ثم إلى صدرها، تمسّح برفق، ت
لم تنم عبير جيدًا في الليلة التي سبقت اللقاء.كانت تعرف أن سليم لم يعد مجرد صوت يأتيها من الهاتف، ولا اسمًا تنتظر ظهوره على شاشة إنستجرام. بعد كل ما قيل بينهما، وبعد الجرأة التي وصلت إليها رسائلهما، أصبح اللقاء الحقيقي شيئًا كانت تفكر فيه أكثر مما تريد الاعتراف به.وفي الموعد المتفق عليه، وصلت إلى المقهى وجلست في مكان هادئ.لم تمر سوى دقائق حتى ظهر سليم.وحين لمحها، ابتسم واتجه إليها مباشرة.قال:"وحشتيني."نظرت إليه بابتسامة صغيرة."إحنا اتكلمنا امبارح.""الكلام مش زي إنك تكوني قدامي."جلس إلى جوارها بدلًا من الجهة المقابلة، وكأن المسافة التي كانت تفصل بينهما في اللقاءات القديمة لم تعد مناسبة لما أصبح بينهما الآن.تأملها للحظات، ثم قال:"بجد... إنتِ أجمل من الصور بكتير."ضحكت بخجل."لسه فاكر الصورة؟""أنا فاكر كل حاجة.""واضح."اقترب قليلًا، وخفض صوته:"بس الصور ظلمتك."رفعت حاجبها."إزاي؟""عشان مش بتبين نظرتك الحقيقية."شعرت عبير بحرارة خفيفة في وجهها، وحاولت أن تخفي ارتباكها وهي تنظر إلى قائمة المشروبات."اطلب حاجه نشربها الأول بدل ما تفضل تتغزل فيا."ضحك."مش عارف أبطل."طلبا مش
توقفت عبير أمام ناصر، والهاتف لا يزال في يدها.قال وهو ينظر إليها:"كنتِ بتكلمي مين؟"شعرت بتوتر مفاجئ، لكنها أخفت ارتباكها بسرعة وقالت:"صاحبتي.""صاحبتك مين؟"ابتسمت محاولة تخفيف الموقف."هو لازم تعرف كل صاحباتي؟"ضحك ناصر وقال:"لا، بس بسأل عادي.""كانت بتسألني على حاجة تخص سهيلة، وبعدين أنا قفلت عشان إنت دخلت."هز رأسه دون اهتمام واضح."خلاص."ثم اتجه إلى الأريكة، وكأن الأمر انتهى بالفعل.جلست عبير بعيدًا عنه قليلًا، وشعرت براحة لم تكن تتوقعها. لم يكن هناك تحقيق، ولا شك، ولا أسئلة أخرى. مجرد سؤال عابر استطاعت أن تمر منه بكذبة صغيرة.لكنها في داخلها كانت تعرف أن المشكلة لم تكن في السؤال.المشكلة أنها أصبحت تكذب بسهولة من أجل سليم.مر يومان بعد ذلك، وحاولت عبير أن تتصرف بصورة طبيعية. كان ناصر يقضي وقته بين البيت وبعض مشاغله، بينما كانت هي تستغل اللحظات التي يبتعد فيها لتفتح هاتفها.لكن هذه المرة لم يكن الأمر مجرد رسائل.كانت تنتظر فرصة أكبر.وفي صباح اليوم الثالث، دخل ناصر الغرفة وهو يحمل حقيبة سفر صغيرة.نظرت إليه باستغراب."إيه ده؟""اتصلوا بيا من الشغل.""هتسافر؟""آه. فيه شغل لا
لم تكن الأيام الثلاثة التي ابتعدت فيها عبير عن سليم هادئة كما حاولت أن تظهر. كانت تقول لنفسها إنها فقط تحتاج إلى مساحة، وأن كثرة الحديث معه بدأت تجعلها تتصرف بطريقة لا تشبهها. لكنها في الحقيقة كانت تراقب هاتفها أكثر مما ينبغي، وتنتظر منه رسالة رغم أنها هي التي قررت الصمت. وحين لم يرسل، شعرت بالضيق. وحين أرسل أخيرًا، شعرت بالراحة. وهنا أدركت أن المشكلة أصبحت أكبر من مجرد إعجاب. في صباح اليوم الرابع، كانت عبير تعد القهوة في المطبخ حين دخل ناصر. نظر إليها وقال: "إنتِ مالك؟" التفتت إليه. "مالي؟" "بقالك كام يوم مش على بعضك." ابتسمت محاولة إنهاء الحديث. "يمكن عشان إنت لسه راجع من السفر والبيت اتقلب شوية." هز رأسه. "مش البيت." سكتت. اقترب منها قليلًا. "إنتِ." وضعت الفنجان على الطاولة. "يعني إيه أنا؟" "يعني من ساعة ما رجعت وأنا حاسس إنك مش معايا." قالها بهدوء، لكن العبارة أصابت مكانًا حساسًا داخلها. "أنا قدامك أهو." "الجسم آه." رفعت عينيها إليه. "ناصر..." "أنا مش بتخانق معاكي. أنا بس بحاول أفهم." جلست أمامه. "تفهم إيه؟" "إنتِ زعلانة مني؟" هزت رأسها. "لا." "مبسو







