LOGINأصعب أنواع الانهيار ليست تلك التي تحدث بصراخ، بل التي تأتي بعد سنوات من التماسك، حين يتعب الإنسان فجأة من كونه قويًا طوال الوقت.......توقفت ليان عن التنفس تقريبًا بعد كلمته الأخيرة، أو ربما كان صدرها فقط قد نسي كيف يأخذ الهواء بشكل طبيعي، لأن التعب الذي ظلت تدفعه بعيدًا طوال شهور، وربما سنوات، بدأ يتحرك داخلها بعنف، ومعه ذلك الخوف القديم الذي لازمها منذ وفاة والدها، الخوف من أن تستيقظ يومًا فتجد كل شيء ينهار دفعة واحدة.البيت.الديون.والدتها.العمل.كل شيء.أما آسر…فكان ما يزال ينظر إليها.بنفس الهدوء المزعج.الهدوء الذي لا يمنحها فرصة للهروب.خفضت رأسها سريعًا.ثم خرج صوتها ضعيفًا رغم محاولتها السيطرة:"أنا… لازم أمشي."وتحركت فعلًا.خطوة واحدة فقط.لكن صوته أوقفها.هادئًا.وحاسمًا:"استني."تجمدت مكانها.وأغمضت عينيها للحظة.لا.ليس الآن.ليس وهي بهذا الشكل.لكنها سمعت خطواته تقترب قليلًا.ثم قال بصوت أخفض:"بصيلي."يا إلهي.كم تكره هذه الكلمة منه.لأنها دائمًا تجعلها تشعر أن الاختباء مستحيل.رفعت رأسها ببطء.وكانت تلك غلطة.لأنها رأت شيئًا لم تعتد رؤيته داخل عينيه.قلق.حقيقي.
توجد لحظات لا يستطيع الإنسان العودة بعدها إلى ما كان عليه سابقًا، ليس لأن شيئًا كبيرًا حدث، بل لأن شخصًا ما وقف إلى جانبه في الوقت الذي اعتاد فيه أن يقف وحده......بقي الصمت معلقًا فوق الشرفة لثوانٍ طويلة بعد كلمات آسر، ذلك النوع من الصمت الذي يحمل أكثر مما يقال، لأن سيرين، للمرة الأولى تقريبًا منذ عرفتها ليان، بدت عاجزة عن الرد سريعًا، اختفت ابتسامتها الواثقة قليلًا، وظهر شيء يشبه الانزعاج الحقيقي داخل عينيها.أما ليان…فوقفت مكانها متجمدة.ليس بسبب سيرين.ولا بسبب التوتر.بل بسبب جملة واحدة فقط."مبحبش حد يقلل من قيمة الناس اللي اشتغلت عشان توصل."ناس.قالها بصيغة عامة.لكن عينيه وقتها…لم تكونا على أحد غيرها.وهذا كان المشكلة.أنها بدأت تنتبه للأشياء الصغيرة.وهذا خطر.أما سيرين…فأخذت نفسًا بطيئًا، ثم عادت ترتدي هدوءها المعتاد كما لو كانت تضع قناعًا تعرفه جيدًا.ابتسمت بخفة وقالت:"واضح إنك فهمت الكلام بشكل أكبر من حجمه."رد آسر فورًا.بهدوء مرعب:"وأنتِ واضح إنك متعودة الناس تسكت."الصمت.ضربة أخرى.شعرت ليان أن الوضع بدأ يتجاوز حدود الإحراج.وقبل أن يتصاعد أكثر، تحركت خطوة للأم
هناك لحظة خفية تبدأ فيها المشاعر بالخروج من الظل، ليس باعتراف، ولا بكلمة واضحة، بل برد فعل صغير لا يحدث إلا حين يصبح وجود شخص ما مهمًا أكثر مما ينبغي.....ساد الصمت حول الطاولة لثوانٍ بعد كلمات آسر، ذلك النوع من الصمت الذي يبدو طبيعيًا للغرباء لكنه يحمل توترًا واضحًا لمن يجلسون داخله، توقفت ابتسامة سيرين للحظة قصيرة جدًا، قصيرة لدرجة أن غير المنتبه لن يلاحظها، لكنها كانت هناك، ارتباك صغير سرعان ما أخفته خلف هدوئها المعتاد.ثم ابتسمت بخفة وقالت بصوت ناعم:"كنت بهزر بس."أما آسر…فاكتفى بالنظر إليها ثانية واحدة قبل أن يعود إلى حديث العمل كأن شيئًا لم يحدث.لكن المشكلة…أن شيئًا حدث فعلًا.على الأقل داخل ليان.لأنها بقيت تنظر نحو كوب الماء أمامها محاولة تجاهل الإحساس الغريب الذي ظهر داخل صدرها، إحساس غير مريح لأنها للمرة الأولى رأت شخصًا مثله، باردًا، محسوبًا، لا يتدخل عادة، يقطع حديثًا بهذه الطريقة.ومن أجل ماذا؟من أجل تعليق.تعليق سخيف.إذًا لماذا شعرت أن قلبها ارتبك؟ولماذا ظهر صوت صغير داخل عقلها يهمس:"كان بيدافع عنك."أزعجتها الفكرة فورًا.فشربت الماء بسرعة كأنها تطردها.مر الوقت
بعض القلوب لا تخاف الوقوع في الحب بقدر ما تخاف اللحظة التي يصبح فيها شخص ما قادرًا على إيذائها، لأن القرب الحقيقي لا يمنح الدفء فقط… بل يمنح القدرة على الكسر أيضًامنذ أن وصلها بريد عشاء العمل، بقي شعور خفي من التوتر يرافق ليان طوال اليوم التالي، ليس خوفًا من الحديث مع المستثمرين أو الأجواء الرسمية بقدر ما كان خوفًا من ألا تنتمي، ذلك الإحساس القديم الذي لازمها سنوات، شعورها بأنها دائمًا تحتاج لبذل جهد مضاعف كي تثبت أنها تستحق الوقوف في الأماكن نفسها التي يقف فيها الآخرون بسهولة.ورغم أنها حاولت تجاهل الأمر، فإن عقلها استمر في تخيل تفاصيل سخيفة، ماذا سترتدي؟ هل ستقول شيئًا خاطئًا؟ هل ستبدو مختلفة؟ وهل سيلاحظ الناس أنها ليست من هذا العالم أصلًا؟كرهت نفسها قليلًا بسبب التفكير.لأنها قطعت طريقًا طويلًا كي تتوقف عن الشعور بالنقص.لكن يبدو أن بعض المخاوف القديمة لا تموت، بل تختبئ فقط حتى تجد فرصة للظهور.حل المساء أسرع مما أرادت، وبعد انتهاء العمل عادت إلى المنزل على عجلة، وحين دخلت غرفتها وقفت أمام خزانتها القديمة المفتوحة منذ عشر دقائق كاملة، تحدق بالملابس كأنها لغز.تنهدت بضيق.ثم أخرجت
هناك لحظات لا تتغير فيها الحياة بسبب حدث كبير، بل بسبب شعور صغير جدًا، شعور أن أحدًا رأى ضعفك كاملًا… ولم ينظر إليك باحتقاربقيت ليان جالسة مكانها بعد كلمته الأخيرة، بينما شعرت أن شيئًا ثقيلًا داخلها يتحرك ببطء، كأن سنوات كاملة من الاعتياد على الوحدة بدأت ترتبك أمام فكرة جديدة لم تمنح نفسها فرصة التفكير بها من قبل، فكرة أن وجود من يحمل عنك جزءًا من الحمل لا يعني بالضرورة أنك ضعيف.لكن المشكلة…أنها لا تعرف كيف تفعل ذلك.لا تعرف كيف تسمح لأحد بالاقتراب أصلًا.رفعت رأسها نحوه أخيرًا، وعيناها تحملان ذلك التردد الواضح الذي يظهر عليها حين تحارب نفسها، ثم قالت بصوت أخف:"حتى لو سمحت لحد يساعدني… مفيش حاجة ببلاش."خرجت الكلمات تلقائية.حادة قليلًا.كأنها تدافع عن شيء.أما آسر…فلم يتغير وجهه.ظل ينظر إليها بهدوئه المعتاد.ثم قال بعد لحظة:"وده اللي متعودة تصدقيه برضو؟"تجمدت.لعنت داخلها تلك العادة المزعجة لديه، أن يأخذ جملة عادية منها ويصل بها إلى شيء أعمق.خفضت بصرها بسرعة نحو يديها وقالت محاولة إنهاء الحديث:"الواقع علمني."أجاب فورًا:"الواقع ظلمك."ورفعت رأسها نحوه بعنف هذه المرة.الصمت
الإنسان لا يعتاد وجود شخص دفعة واحدة، بل يحدث الأمر في تفاصيل صغيرة جدًا، سؤال متكرر، اهتمام غير معلن، نظرة تفهم ما لا يُقال، حتى يصبح وجوده جزءًا من الفوضى التي ترتب أيامكلم تعرف ليان كيف انتهى ذلك الحديث، أو بالأصح كيف خرجت من مكتبها أخيرًا باتجاه المصعد بينما عقلها ما زال عالقًا خلفها، عند الجملة الأخيرة، عند الطريقة التي نظر بها إليها، وعند ذلك الإحساس المربك الذي تسلل داخلها رغمًا عنها."تبطلي تواجهي كل حاجة كأنك لوحدك."كم مرة سمعت كلمات تشبه الدعم من قبل؟قليل.نادراً.وحتى حين سمعتها…كانت مشروطة دائمًا.لكن معه؟المشكلة أنها لا تجد الشرط.وهذا وحده كافٍ ليجعلها أكثر حذرًا.وصلت إلى المنزل تلك الليلة متأخرة كعادتها، وجدَت والدتها نائمة فوق الأريكة الصغيرة قرب التلفاز المفتوح على برنامج قديم، يبدو أنها كانت تنتظرها ثم غلبها النوم، فتوقفت ليان للحظة تنظر إليها.شعرت بذلك الألم القديم يعود.التعب الظاهر حول عيني المرأة التي كبرت أسرع مما يجب بعد وفاة زوجها، والخصلات البيضاء التي زادت خلال السنوات الأخيرة، والانحناءة الصغيرة في كتفيها التي لم تكن موجودة قديمًا.اقتربت بهدوء.أغلق







