تسجيل الدخوللم تكن ليان تبحث عن الحب… كل ما أرادته هو وظيفة تنقذها من الديون التي تركها والدها الراحل، وحياة هادئة تعيد إليها الأمان الذي فقدته منذ سنوات. لكن دخولها إلى شركة “الكيلاني” لم يكن مجرد بداية عمل جديد… بل بداية لعالم مليء بالأسرار، والنفوذ، والقلوب الباردة. آسر… المدير التنفيذي الذي لا يبتسم، الرجل الذي يخشاه الجميع، والذي أخفى خلف نظراته الجامدة ماضيًا قاسيًا لم ينجُ منه بالكامل. كان يظن أن قلبه مات منذ زمن. حتى جاءت هي… بعفويتها، وعنادها، ودفئها الذي بدأ يذيب جليده بصمت. لكن بعض العلاقات لا تُولد بسهولة… خصوصًا حين تتحول المشاعر إلى نقطة ضعف، وحين يوجد من يفعل أي شيء ليفرق بينهما. بين الصراع، والغيرة، والأسرار، والمشاعر التي تنمو ببطء مؤلم… هل يستطيع الحب أن ينجو داخل عالم لا يعترف إلا بالمصالح؟ "بين جليده ودفئي" رواية رومانسية مليئة بالغموض، والتوتر، والمشاعر التي تأتي حين لا نتوقعها.
عرض المزيدكانت تركض وكأن الوقت يلاحقها بسكين.
أنفاس ليان المتقطعة امتزجت بصوت السيارات والمطر الخفيف وهي تشد حقيبتها القديمة إلى كتفها وتحاول حماية الملف الورقي بين ذراعيها من البلل.
اتأخرت.
أغمضت عينيها لثانية وهي تلعن الحافلة التي تعطلت في منتصف الطريق، ثم تابعت ركضها بأقصى ما تستطيع.
اليوم ليس عاديًا.
هذه المقابلة قد تكون فرصتها الأخيرة قبل أن يطرق أصحاب الديون باب منزلها مجددًا.
ارتفع أمامها المبنى الزجاجي الضخم أخيرًا، شامخًا بطريقة جعلتها تشعر بصغرها للحظة.
"شركة الكيلاني للعقارات والاستثمار."
حتى الحروف الفضية المعلقة على الواجهة بدت باهظة الثمن.
توقفت أمام الباب للحظات قصيرة، تحاول التقاط أنفاسها وترتيب خصلات شعرها التي بعثرها المطر.
ثم همست لنفسها:
"ادخلي يا ليان… مش هتخسري اكتر من اللي خسرتيه يعني."
دفعت الباب أخيرًا.
الدفء داخل الشركة صدمها بعد برودة الخارج، وكذلك الرخام اللامع، والثريات، والموظفون الذين يتحركون بسرعة وكأن لكل واحد منهم عالمًا لا يتوقف.
شعرت بأنها لا تنتمي لهذا المكان.
ملابسها البسيطة بدت عادية أكثر من اللازم هنا.
حتى حذاؤها المبتل جعلها ترغب بالاختفاء ،اقتربت من مكتب الاستقبال بتردد. "السلام عليكم ، عندي مقابلة عمل الساعة تسعة."
رفعت الموظفة عينيها نحوها سريعًا قبل أن تنظر إلى الشاشة أمامها. "اتأخرتِي عشر دقائق."
انخفض قلب ليان.
ابتسمت بتوتر وهي تقول: "عارفة… الطريق كان—"
"الطابق السادس. آخر الممر."
أومأت بسرعة. "شكرًا."
اتجهت نحو المصعد وهي تحاول تجاهل نظرات البعض حولها.
وفي اللحظة التي فُتح فيها باب المصعد، خرج رجل طويل القامة بخطوات هادئة وثابتة.
ولأن عقلها كان منشغلًا بالكامل… اصطدمت به مباشرة.
تناثرت الأوراق من الملف وسقط بعضها على الأرض اللامعة.
"يا ربي !"
انحنت بسرعة تجمعها بينما تمتمت بتوتر: "أنا آسفة… آسفة جدًا."
ساد الصمت لثانية.
ثم وصلها صوته.
بارد… منخفض… وحاد بطريقة غريبة.
" هو انتي دايما بتدخلي اي مكان وانتي بالفوضي دي ؟"
تجمدت يدها قليلًا.
رفعت رأسها نحوه أخيرًا…
وشعرت لوهلة أنها نسيت الكلام.
رجل في أوائل الثلاثينات ربما، يرتدي بدلة سوداء أنيقة بشكل مثالي، ملامحه حادة بصورة مخيفة، وعيناه الداكنتان كانتا ثابتتين عليها ببرود أربكها أكثر.
لم يكن جميلًا بالطريقة اللطيفة…
بل بالطريقة التي تجعلك تشعر بالتوتر وأنت تنظر إليه.
ابتلعت ريقها بسرعة. "قلت إني آسفة."
ظل ينظر إليها للحظة دون رد، قبل أن ينحني فجأة ويلتقط إحدى الأوراق التي ابتعدت قليلًا.
تناولتها منه بسرعة. "شكرًا."
وقبل أن تضيف شيئًا، تجاوزها ببساطة واتجه إلى الخارج.
راقبته ليان باستغراب. "متكبر."
تمتمت بها بخفوت وهي تعيد ترتيب أوراقها.
لكن ما لم تنتبه له… هو نظرات الموظفين المرتبكة حولها.
وكأنها اصطدمت بشخص لا يجب الاصطدام به.
بعد دقائق…
كانت تجلس أمام قاعة الاجتماعات الصغيرة، تضغط أصابعها ببعضها بتوتر.
كل ما كانت تفكر به هو: أرجوك يا رب… أنا محتاجة الوظيفة دي جدا .
فُتح الباب أخيرًا وخرج رجل خمسيني يحمل بعض الملفات. "الآنسة ليان؟"
وقفت بسرعة. "نعم."
ابتسم ابتسامة رسمية. "اتفضلي."
دخلت خلفه بخطوات مترددة، ثم توقفت فجأة عندما رأت الشخص الجالس على رأس الطاولة.
هو.
الرجل نفسه.
شعرت وكأن الدم هرب من وجهها بالكامل.
أما هو… فلم تبدُ عليه أي ردة فعل.
كان يجلس بهدوء قاتل، يراجع بعض الأوراق أمامه وكأن اصطدامهما قبل دقائق لم يحدث أصلًا.
اقترب الرجل الخمسيني قائلًا باحترام: "سيد آسر، دي الآنسة ليان النجار."
آسر.
إذن هذا هو آسر الكيلاني نفسه.
المدير التنفيذي.
شعرت ليان برغبة حقيقية في الهرب.
رفع آسر عينيه نحوها أخيرًا.
تلك النظرة الباردة نفسها.
ثم قال دون أي تعبير: "اقعدي ."
جلست بصعوبة وهي تحاول تجاهل التوتر الذي يلتف حولها.
فتح ملفها أمامه بهدوء. "اتخرجتي بتقدير ممتاز."
أومأت بخفة. "ايوه."
" ولية ما اشتغلتيش لغاية دلوقتي ؟"
ترددت لثانية. " للأسف مالقتش فرصة مناسبة ليا."
كانت تكره الحديث عن ظروفها أمام الغرباء.
راقبها آسر بصمت قصير قبل أن يسأل: " وانتي بتغتبري الشركة دي فرصة مناسبة ليكي ؟"
لم يعجبها أسلوبه المستفز.
رفعت نظرها نحوه مباشرة لأول مرة. "أعتبرها فرصة محتاجة ليها ."
ارتفع أحد حاجبيه قليلًا.
وكأن جوابها فاجأه.
تدخل الرجل الخمسيني سريعًا: "الآنسة ليان عندها مهارات ممتازة فعلا ، واجتازت اصلا الاختبار التحريري بأعلى درجات شوفتها.
أعاد آسر نظره إلى الملف مرة أخرى.
ثم أغلقه أخيرًا.
ساد الصمت للحظات جعلت قلبها يخفق بعنف.
قبل أن يقول بهدوء: "هيتم قبولكِ تحت فترة اختبار لمدة ثلاثة شهور بدئا من الغد استعدي."
اتسعت عيناها بعدم تصديق. "بجد ؟"
نظر إليها مباشرة. " وهو انا شكلي بهزر معاكي دلوقتي ؟"
تورد وجهها فورًا. "لأ… أنا بس… شكرًا."
لم يرد.
اكتفى بإعادة نظره إلى الأوراق أمامه وكأن المقابلة انتهت بالفعل.
وقفت ليان بسرعة وهي تحاول كتم ابتسامتها الصغيرة.
لقد حصلت على الوظيفة.
أخيرًا.
لكن قبل أن تصل إلى الباب، أوقفها صوته البارد مجددًا:
"وفي المرة الجاية… حاولي ماتخبطيش في مديرك التنفيذي."
تجمدت للحظة.
ثم التفتت إليه بصدمة خفيفة، لتجد لأول مرة… شيئًا قريبًا من السخرية في عينيه.
شيئًا صغيرًا جدًا.
لكنه كان هناك.
لم تُعر الأمر اهتمامًا كبيرًا، وأسرعت نحو الباب وهي تشكره مرة أخرى.
كل ما كان يشغلها الآن… أنها حصلت أخيرًا على وظيفة بعد شهور طويلة من التعب والرفض.
لأول مرة منذ مدة، شعرت وكأن الحياة ابتسمت لها قليلًا.
شدّت أصابعها حول حقيبتها بعزم وهي تحدث نفسها : مش هضيّع الفرصة دي من ايدي مهما حصل.
ستثبت للجميع… وله هو تحديدًا، أن وجودها هنا لم يكن صدفة، وأنها تستحق هذه الوظيفة بجدارة.
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها وهي تتجه نحو الباب، لكنها كادت تصطدم به فعلًا من شدة شرودها وسعادتها.
وصلتها ضحكة خافتة من مساعد المدير، بينما أطلق آسر زفرة طويلة وهز رأسه وكأنه فقد الأمل منها منذ اليوم الأول.
احمرّ وجهها فورًا من الإحراج.
"شاطرة يا ليان… بداية ممتازة فعلًا."
تمتمت بها داخلها قبل أن تخرج مسرعة، وهي تدعو بصمت ألا تكون قد تركت انطباعًا كارثيًا لدى مديرها الجديد.
هناك قاعدة غير مكتوبة داخل أي شركة كبيرة، خاصة تلك التي يعمل فيها مئات الأشخاص ويتقاطع فيها الطموح مع الفضول: الأخبار لا تحتاج لأن تكون حقيقية حتى تنتشر، يكفي أن تبدو مثيرة للاهتمام.وليان لم تكن تعرف ذلك جيدًا بعد.أو ربما عرفته…لكنها لم تتخيل يومًا أن تجد نفسها داخل إحدى تلك القصص.وقفت تحدق في عمر بصدمة خفيفة، بينما الأخير يحتسي قهوته وكأنه لم يرمِ قنبلة قبل ثانيتين.أما آسر…فكان قد خرج من مكتبه بالفعل.ملامحه هادئة كعادتها، وربطة عنقه السوداء مرتبة بدقة، وتلك النظرة التي تجعل أي موظف يعدّل جلسته تلقائيًا بمجرد أن تمر فوقه.انتقلت عيناه من عمر إلى ليان.ثم قال بهدوء لا يكشف شيئًا:"عمر."اعتدل الآخر فورًا بطريقة مسرحية مبالغ فيها."نعم يا فندم؟""الاجتماع اللي المفروض تبعته من امبارح… اتبعت؟"تلاشت ابتسامته نصف درجة."لسه."أومأ آسر مرة واحدة.ثم قال بنفس البرود:"يبقى واضح إن عندك وقت فراغ زيادة."كتمت ليان رغبة سخيفة في الضحك.أما عمر…فوضع يده فوق صدره كأنه تلقى طعنة."أنا حاسس إن فيه استهداف شخصي."رفع آسر حاجبًا دون أن يرد.فأكمل عمر بسرعة وهو يتحرك مبتعدًا:"رايح أشتغل أهو
طوال الطريق، بقيت ليان تحدق عبر نافذة السيارة أكثر مما تنظر أمامها. لم تكن المدينة نائمة بالكامل، لكنها بدت أهدأ بعد المطر، وكأن الضوضاء المعتادة انطفأت قليلًا. الأضواء المنعكسة فوق الطرق المبللة جعلت كل شيء يبدو أبعد، أكثر ليونة، حتى المباني التي تراها يوميًا.أما داخل السيارة…فكان الهدوء مختلفًا.ليس ذلك الصمت الثقيل الذي يسبق الجدال أو يفرضه التوتر، بل نوع آخر. صمت لا يحتاج أحد فيه أن يملأ الفراغ بالكلام طوال الوقت.وهذا وحده كان غريبًا.لأن آخر شخص توقعت ليان أن تشعر معه براحة الصمت…هو آسر الكيلاني.الرجل الذي كانت ترتب كلماتها عشر مرات قبل الحديث أمامه.والآن تجلس بجواره في سيارته قرب منتصف الليل، بعد يوم عمل طويل، وتتجادل معه قبل دقائق حول كونها "فوضوية".لو أخبرها أحد بهذا قبل أسبوعين…لضحكت.أو اتهمته بالهذيان.حاولت منع نفسها من التفكير بالأمر أكثر.لكن عقلها كان خائنًا أحيانًا.قالت فجأة، دون أن تبعد نظرها عن النافذة:"إنت عمرك أخدت إجازة؟"ساد الصمت لثانية.ثم جاء صوته هادئًا:"ده سؤال عشوائي."ابتسمت بخفة."جاوب بس."توقف قليلًا وكأنه يفكر.أو يتذكر.ثم قال:"مش فاكر."ا
بقي الصمت معلقًا في الهواء بعد المكالمة، ثقيلًا بما يكفي ليجعل صوت المطر بالخارج يبدو أبعد، وكأن العالم كله انكمش داخل ذلك المكتب الواسع الذي يجلس فيه شخصان لا يفترض أن يجمعهما شيء خارج حدود العمل.ليان لم تقل شيئًا.ولم تكن تعرف إن كان يجب عليها قول شيء أصلًا.كانت هذه إحدى المشكلات التي تواجهها مع آسر؛ كلما ظنت أنها بدأت تفهمه قليلًا، يظهر جانب آخر يعيدها إلى نقطة البداية. رجل بارد، صارم، يصعب إرضاؤه، ثم فجأة يلتقط كوبًا قبل أن يسقط من يدها، أو يترك عبوة عصير قرب مكتبها دون تعليق، أو يطلب منها ألا تعود وحدها لوقت متأخر، ثم يعود بعدها بلحظات إلى بناء الجدار نفسه حوله.كأن الاقتراب منه مسموح لخطوة واحدة فقط.ثم ممنوع.كان ما يزال ينظر إلى شاشة هاتفه للحظة بعد انتهاء المكالمة، قبل أن يضعه على المكتب بحركة هادئة تخفي انزعاجًا واضحًا.لاحظت ليان شيئًا آخر.حين يغضب فعلًا…يصبح أكثر هدوءًا.وهذا النوع من الهدوء لم يكن مطمئنًا.خفضت بصرها سريعًا نحو يديها، ثم عبثت بطرف كم معطفها المبلل قليلًا. كانت تفكر إن كان يجب أن تغادر الآن، حتى لو كان المطر لم يهدأ بعد. ربما بقاؤها سيجعله أكثر ضيقًا.
بقي أثر كلمات سيرين معها حتى بعد انتهاء الدوام."ناس كتير بتتلخبط بين الاهتمام والشفقة."جملة قصيرة، لكن وقعها كان مزعجًا بطريقة لم ترغب ليان في الاعتراف بها. ربما لأن جزءًا صغيرًا داخلها سأل السؤال نفسه للحظة، ثم غضب من نفسه فورًا.هل كان آسر يعاملها بشكل مختلف؟وإن كان… لماذا؟وهل هو اهتمام أصلًا؟أم مجرد مسؤول يرى موظفة جديدة تحاول جاهدًا ألا تغرق؟أغلقت دفتر ملاحظاتها بقوة أخف مما تشعر به، ثم زفرت وهي ترتب أغراضها فوق المكتب. معظم الموظفين غادروا بالفعل، والطابق بدأ يستعيد هدوءه المعتاد بعد أيام العمل الطويلة.كانت على وشك المغادرة حين ظهر عمر قرب مكتبها يحمل كوب قهوته المعتاد.تساءلت أحيانًا إن كان هذا الرجل ينام والقهوة بيده.نظر إليها لثانيتين، ثم قال:"النهاردة عديتي مستوى جديد."رفعت حاجبها."إيه المستوى؟"جلس على طرف المكتب دون استئذان، كعادته."إنكِ تتكلمي في اجتماع مهم، وتصلحي موقف قدام مستثمرين، وبعدها السيد آسر يمدحك."ضيقت عينيها."هو مدحني؟"نظر إليها عمر كأنها قالت شيئًا سخيفًا."لو حد غيرك كان موجود، كان هيعتبر الجملة دي شهادة تقدير."خرجت منها ضحكة قصيرة رغم توترها.











