Home / الرومانسية / بين جليده..ودفئي / الفصل السابع ما لا يقوله الليل

Share

الفصل السابع ما لا يقوله الليل

last update publish date: 2026-05-17 18:23:27

بقيت ليان واقفة مكانها لثوانٍ بعد جملته، وكأن الكلمات البسيطة التي خرجت منه علقت في الهواء بينهما بدل أن تنتهي.

"مش كل الناس بتعرف تنام بسهولة."

لم يكن الرد غريبًا بحد ذاته، لكن طريقته في قوله كانت مختلفة. لم يحمل ذلك البرود المعتاد الذي يشبه الأوامر، ولم يكن ساخرًا كما يفعل أحيانًا حين ترتبك أمامه. بدا فقط… صادقًا. صادقًا بشكل أربكها أكثر من قسوته.

حاولت أن تجد ردًا مناسبًا، لكنها لم تعرف ماذا تقول لرجل يبدو وكأنه يحمل فوق كتفيه تعب سنوات كاملة.

لذلك خرج منها السؤال دون تخطيط:

"إنت… سهران بسبب الشغل؟"

وفور انتهاء الكلمات، شعرت برغبة في ضرب رأسها بأقرب جدار.

ماذا تفعل؟

منذ متى تسأل مديرها التنفيذي أسئلة شخصية؟

لكن الغريب أن آسر لم يعبس مباشرة كما توقعت.

بقي ينظر إليها للحظة، ثم أعاد بصره نحو النافذة الممتدة خلفه، حيث كانت المدينة تستيقظ ببطء تحت ضوء الصباح الباهت.

"الشغل سبب سهل."

جاء الرد هادئًا.

قصيرًا.

لكنه جعل شيئًا داخلها ينتبه.

سبب سهل؟

إذن توجد أسباب أخرى.

أكبر.

أثقل.

وللمرة الأولى، شعرت بفضول حقيقي تجاهه، لا ذلك الفضول السطحي حول شخصيته الباردة أو سلطته داخل الشركة، بل فضول تجاه الإنسان المختبئ خلف كل ذلك.

لكن قبل أن تفكر أكثر، استدار آسر بالكامل نحوها وعادت تلك المسافة المعتادة إلى ملامحه.

اختفى التعب بسرعة وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.

وقال بنبرة عملية:

"طالما جيتي بدري، تعالي."

رمشت ليان.

"ها؟"

رفع حاجبًا واحدًا.

"هل أعيد كلامي؟"

ترددت لحظة، ثم تحركت نحوه بخطوات حذرة.

دخلت المكتب لأول مرة في ساعة لا يملؤها ضغط العمل. بدا المكان مختلفًا بشكل غريب. أكثر هدوءًا. أقل قسوة.

كان المكتب مرتبًا بصورة تكاد تكون مقلقة. الملفات مصطفة بدقة، الأوراق مرتبة، وحتى القلم الموضوع قرب الحاسوب بدا وكأنه وُضع بزاوية محسوبة.

نظرت حولها دون قصد.

ثم توقفت عيناها.

هناك صورة صغيرة موضوعة قرب رف جانبي.

ليست الصورة نفسها التي لمحَتها سابقًا على مكتبه.

صورة أخرى.

بعيدة قليلًا.

لم تستطع رؤية تفاصيلها.

لكنها لم ترد تكرار خطأ المرة الماضية.

قال آسر فجأة، وكأنه لاحظ شرودها:

"الملف الخاص بمشروع النخبة."

انتبهت فورًا.

أشار إلى مجموعة أوراق أمامه.

"راجعتِ البيانات اللي طلبتها أمس. فيه أخطاء."

شعرت معدتها تنقبض.

أخطاء؟

اقتربت بسرعة.

"فين؟"

سحب ورقة نحوها، ثم أشار إلى بعض الملاحظات.

بدأ يشرح.

بهدوء.

دون سخرية.

ودون نفاد صبر.

الأمر كان غريبًا لدرجة أن ليان نسيت توترها تدريجيًا واندمجت مع الشرح.

حتى إنها نسيت للحظة من الشخص الجالس أمامها.

كانت تراجع الأرقام معه حين قالت فجأة:

"آه… فهمت. أنا ركزت على النسبة القديمة."

رفع نظره إليها.

ثم قال:

"أخيرًا."

عبست تلقائيًا.

"أخيرًا إيه؟"

ظهرت تلك النظرة الغريبة بعينيه. النظرة التي تسبق سخريته الخفيفة.

"افتكرت إنك هتفضلي تبصي للأرقام كأنها لغة فضائية."

اتسعت عيناها.

ثم خرجت منها ضحكة قصيرة رغمًا عنها.

ضحكة صغيرة حقيقية.

وفور حدوثها، صمتت.

لأنها لاحظت شيئًا.

آسر أيضًا توقف لثانية.

حدق بها للحظة أقصر من أن تُحسب، لكنه لم يصرف نظره مباشرة كما يفعل عادة.

شيء ما مر بينهما سريعًا.

غير مفهوم.

اختفى حين طرق الباب فجأة.

"ادخل."

دخلت هناء تحمل ملفات عديدة.

توقفت لحظة حين رأت ليان داخل المكتب.

ثم رفعت حاجبيها بخفة قبل أن تخفي تعبيرها بسرعة.

قالت باحترام:

"السيد رائد وصل."

تغير شيء في وجه آسر فورًا.

ليس كثيرًا.

لكن ليان بدأت تلاحظه الآن.

تصلب بسيط في الفك.

هدوء يصبح أكثر برودة.

أجاب دون تردد:

"خليه يدخل."

شعرت ليان أنها يجب أن تغادر.

وقفت بسرعة.

"أنا… همشي."

لكن قبل أن تصل للباب، انفتح.

ودخل الرجل الذي رأته قبل أيام.

والد آسر.

رائد الكيلاني.

حتى حضوره كان مختلفًا.

ثقيل.

كأنه اعتاد أن يدخل أي مكان فيمتلكه.

وقعت عيناه أولًا على ابنه.

ثم…

على ليان.

توقفت نظراته فوقها ثانية إضافية.

مدروسة.

جعلتها تشعر بعدم راحة فوري.

قال بصوت هادئ يخفي صرامة واضحة:

"موظفة جديدة؟"

أجابت بسرعة:

"أيوه… أقصد نعم."

رفع حاجبًا.

ثم نظر إلى آسر.

"بتشتغل معاك؟"

جاء رد آسر باردًا:

"فيه حاجة مهمة؟"

الصمت الذي تلا السؤال كان حادًا.

كأن بينهما حديثًا أقدم لا تعرفه.

قال الرجل أخيرًا:

"واضح إنك بدأت تثق في الناس بسرعة."

توقفت أنفاس ليان قليلًا.

لم تفهم الجملة بالكامل.

لكنها فهمت شيئًا واحدًا.

لم تكن مجاملة.

أبدًا.

أما آسر…

فنظر إلى والده مباشرة وقال:

"خلصت كلامك؟"

خرج الرد أبرد مما سمعته منه من قبل.

شعرت ليان فجأة أنها تقف في مكان لا يخصها.

لذلك قالت بسرعة:

"أنا هستأذن."

ولم تنتظر ردًا.

خرجت.

لكنها، ولسبب لا تعرفه، بقيت تشعر بثقل نظرة والد آسر حتى بعد إغلاق الباب.

مرّ الصباح بعدها أسرع مما توقعت.

امتلأت الساعات بالعمل، والاجتماعات، والملفات التي بدت وكأنها تتكاثر وحدها.

لكن عقلها عاد مرارًا إلى المشهد داخل المكتب.

طريقة حديث والده معه.

الحدة المخفية.

وكلمات مثل:

"بدأت تثق في الناس بسرعة."

لماذا بدت وكأنها تحمل اتهامًا؟

كانت تراجع تقريرًا حين جلس عمر أمام مكتبها دون استئذان.

يحمل كوب قهوة كعادته.

نظر إليها ثانيتين ثم قال:

"أنتِ سرحانة."

رفعت رأسها بسرعة.

"لا."

ابتسم.

"الكذبة دي ضعيفة."

تنهدت.

ثم سألت دون تفكير:

"عمر… علاقة السيد آسر بوالده عاملة إزاي؟"

توقف فعلًا هذه المرة.

اختفت الابتسامة قليلًا.

نظر حوله قبل أن يخفض صوته:

"ليه بتسألي؟"

هزت كتفيها بسرعة.

"فضول."

صمت لحظة.

ثم قال:

"فيه أسئلة هنا أحسن ما تتسألش."

شعرت بالمفاجأة.

لأن عمر، رغم خفته المعتادة، بدا جادًا.

أكمل بعدها بنبرة أخف:

"بس لو هقول حاجة… يبقى إن علاقتهم مش بسيطة."

ثم وقف.

وكأنه لم يقل شيئًا.

وتركها وحدها مع فضول أكبر.

قرب الظهيرة، حدث ما لم تكن تتوقعه.

كانت تحمل مجموعة ملفات متجهة نحو قاعة الاجتماعات حين ظهر صوت أنثوي مألوف:

"ليان."

التفتت.

سيرين.

ابتسامتها مثالية كعادتها.

مزعجة كعادتها أيضًا.

توقفت ليان.

"أه… صباح الخير."

ابتسمت سيرين أكثر.

"كنت عايزة أتعرف عليكِ أكتر."

الجملة خرجت لطيفة جدًا.

لكن شيئًا داخل ليان لم يطمئن.

قالت بحذر:

"أكيد."

اقتربت سيرين قليلًا.

ثم سألت:

"إنتِ من القاهرة؟"

هزت رأسها.

"لا."

"واضح."

توقفت ليان.

شيء في الرد جعلها تنتبه.

لكن سيرين تابعت بابتسامتها الهادئة:

"قصدي إن لهجتك مختلفة شوية."

أومأت ليان ببطء.

ثم قالت ببساطة:

"أنا من منطقة أبعد."

نظرت إليها سيرين لحظة.

ثم قالت:

"غريب."

عبست ليان دون وعي.

"إيه اللي غريب؟"

ردت الأخرى بهدوء:

"إن ناس من خلفيات بسيطة يعرفوا يتأقلموا بسرعة في أماكن زي دي."

الجملة كانت ناعمة.

مهذبة حتى.

لكن معناها…

شعرت به مثل شوكة صغيرة.

نظرت ليان إليها مباشرة لأول مرة دون تردد.

ثم قالت بهدوء:

"الناس بتتعلم."

ابتسمت سيرين.

لكن الابتسامة لم تصل لعينيها.

"طبعًا."

ثم أضافت:

"بس مش كل مكان بيرحب بأي حد."

وقبل أن تتمكن ليان من الرد…

جاء صوت خلفهما:

"فيه مشكلة؟"

التفتتا معًا.

آسر.

لا تعرف منذ متى كان واقفًا هناك.

لكن نظراته انتقلت بينهما بسرعة.

قالت سيرين فورًا بابتسامة ناعمة:

"ولا حاجة. كنت بتعرف على ليان."

بقي صامتًا ثانية.

ثم قال ببرود:

"الاجتماع هيبدأ."

كانت جملة عادية.

لكن ليان لاحظت شيئًا.

أنه لم ينظر لسيرين حين قالها.

بل إليها.

وكأنه يتأكد من شيء.

أو يسأل دون كلام:

هل أنتِ بخير؟

الفكرة نفسها بدت سخيفة.

لذلك دفعتها بعيدًا فورًا.

لكن طوال بقية اليوم…

لم تستطع نسيانها.

ولم تنتبه أن شيئًا صغيرًا جدًا بدأ يتغير بينها وبين آسر.

شيئًا لا يشبه الحب.

ولا الإعجاب.

فهذا مبكر جدًا.

لكنه يشبه بداية ملاحظة.

ومع الأشخاص الذين اعتادوا الوحدة طويلًا…

أحيانًا تكون الملاحظة أخطر من المشاعر نفسها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بين جليده..ودفئي   الفصل الثاني عشر : الأشياء التي تبدأ كإشاعة… قد تتحول إلى مشكلة

    هناك قاعدة غير مكتوبة داخل أي شركة كبيرة، خاصة تلك التي يعمل فيها مئات الأشخاص ويتقاطع فيها الطموح مع الفضول: الأخبار لا تحتاج لأن تكون حقيقية حتى تنتشر، يكفي أن تبدو مثيرة للاهتمام.وليان لم تكن تعرف ذلك جيدًا بعد.أو ربما عرفته…لكنها لم تتخيل يومًا أن تجد نفسها داخل إحدى تلك القصص.وقفت تحدق في عمر بصدمة خفيفة، بينما الأخير يحتسي قهوته وكأنه لم يرمِ قنبلة قبل ثانيتين.أما آسر…فكان قد خرج من مكتبه بالفعل.ملامحه هادئة كعادتها، وربطة عنقه السوداء مرتبة بدقة، وتلك النظرة التي تجعل أي موظف يعدّل جلسته تلقائيًا بمجرد أن تمر فوقه.انتقلت عيناه من عمر إلى ليان.ثم قال بهدوء لا يكشف شيئًا:"عمر."اعتدل الآخر فورًا بطريقة مسرحية مبالغ فيها."نعم يا فندم؟""الاجتماع اللي المفروض تبعته من امبارح… اتبعت؟"تلاشت ابتسامته نصف درجة."لسه."أومأ آسر مرة واحدة.ثم قال بنفس البرود:"يبقى واضح إن عندك وقت فراغ زيادة."كتمت ليان رغبة سخيفة في الضحك.أما عمر…فوضع يده فوق صدره كأنه تلقى طعنة."أنا حاسس إن فيه استهداف شخصي."رفع آسر حاجبًا دون أن يرد.فأكمل عمر بسرعة وهو يتحرك مبتعدًا:"رايح أشتغل أهو

  • بين جليده..ودفئي   الفصل الحادي عشر أشياء صغيرة… تبدأ قبل أن نلاحظها

    طوال الطريق، بقيت ليان تحدق عبر نافذة السيارة أكثر مما تنظر أمامها. لم تكن المدينة نائمة بالكامل، لكنها بدت أهدأ بعد المطر، وكأن الضوضاء المعتادة انطفأت قليلًا. الأضواء المنعكسة فوق الطرق المبللة جعلت كل شيء يبدو أبعد، أكثر ليونة، حتى المباني التي تراها يوميًا.أما داخل السيارة…فكان الهدوء مختلفًا.ليس ذلك الصمت الثقيل الذي يسبق الجدال أو يفرضه التوتر، بل نوع آخر. صمت لا يحتاج أحد فيه أن يملأ الفراغ بالكلام طوال الوقت.وهذا وحده كان غريبًا.لأن آخر شخص توقعت ليان أن تشعر معه براحة الصمت…هو آسر الكيلاني.الرجل الذي كانت ترتب كلماتها عشر مرات قبل الحديث أمامه.والآن تجلس بجواره في سيارته قرب منتصف الليل، بعد يوم عمل طويل، وتتجادل معه قبل دقائق حول كونها "فوضوية".لو أخبرها أحد بهذا قبل أسبوعين…لضحكت.أو اتهمته بالهذيان.حاولت منع نفسها من التفكير بالأمر أكثر.لكن عقلها كان خائنًا أحيانًا.قالت فجأة، دون أن تبعد نظرها عن النافذة:"إنت عمرك أخدت إجازة؟"ساد الصمت لثانية.ثم جاء صوته هادئًا:"ده سؤال عشوائي."ابتسمت بخفة."جاوب بس."توقف قليلًا وكأنه يفكر.أو يتذكر.ثم قال:"مش فاكر."ا

  • بين جليده..ودفئي   الفصل العاشر: بين المسافة والاقتراب

    بقي الصمت معلقًا في الهواء بعد المكالمة، ثقيلًا بما يكفي ليجعل صوت المطر بالخارج يبدو أبعد، وكأن العالم كله انكمش داخل ذلك المكتب الواسع الذي يجلس فيه شخصان لا يفترض أن يجمعهما شيء خارج حدود العمل.ليان لم تقل شيئًا.ولم تكن تعرف إن كان يجب عليها قول شيء أصلًا.كانت هذه إحدى المشكلات التي تواجهها مع آسر؛ كلما ظنت أنها بدأت تفهمه قليلًا، يظهر جانب آخر يعيدها إلى نقطة البداية. رجل بارد، صارم، يصعب إرضاؤه، ثم فجأة يلتقط كوبًا قبل أن يسقط من يدها، أو يترك عبوة عصير قرب مكتبها دون تعليق، أو يطلب منها ألا تعود وحدها لوقت متأخر، ثم يعود بعدها بلحظات إلى بناء الجدار نفسه حوله.كأن الاقتراب منه مسموح لخطوة واحدة فقط.ثم ممنوع.كان ما يزال ينظر إلى شاشة هاتفه للحظة بعد انتهاء المكالمة، قبل أن يضعه على المكتب بحركة هادئة تخفي انزعاجًا واضحًا.لاحظت ليان شيئًا آخر.حين يغضب فعلًا…يصبح أكثر هدوءًا.وهذا النوع من الهدوء لم يكن مطمئنًا.خفضت بصرها سريعًا نحو يديها، ثم عبثت بطرف كم معطفها المبلل قليلًا. كانت تفكر إن كان يجب أن تغادر الآن، حتى لو كان المطر لم يهدأ بعد. ربما بقاؤها سيجعله أكثر ضيقًا.

  • بين جليده..ودفئي   الفصل التاسع: حين تصبح الكلمات أثقل من معناها

    بقي أثر كلمات سيرين معها حتى بعد انتهاء الدوام."ناس كتير بتتلخبط بين الاهتمام والشفقة."جملة قصيرة، لكن وقعها كان مزعجًا بطريقة لم ترغب ليان في الاعتراف بها. ربما لأن جزءًا صغيرًا داخلها سأل السؤال نفسه للحظة، ثم غضب من نفسه فورًا.هل كان آسر يعاملها بشكل مختلف؟وإن كان… لماذا؟وهل هو اهتمام أصلًا؟أم مجرد مسؤول يرى موظفة جديدة تحاول جاهدًا ألا تغرق؟أغلقت دفتر ملاحظاتها بقوة أخف مما تشعر به، ثم زفرت وهي ترتب أغراضها فوق المكتب. معظم الموظفين غادروا بالفعل، والطابق بدأ يستعيد هدوءه المعتاد بعد أيام العمل الطويلة.كانت على وشك المغادرة حين ظهر عمر قرب مكتبها يحمل كوب قهوته المعتاد.تساءلت أحيانًا إن كان هذا الرجل ينام والقهوة بيده.نظر إليها لثانيتين، ثم قال:"النهاردة عديتي مستوى جديد."رفعت حاجبها."إيه المستوى؟"جلس على طرف المكتب دون استئذان، كعادته."إنكِ تتكلمي في اجتماع مهم، وتصلحي موقف قدام مستثمرين، وبعدها السيد آسر يمدحك."ضيقت عينيها."هو مدحني؟"نظر إليها عمر كأنها قالت شيئًا سخيفًا."لو حد غيرك كان موجود، كان هيعتبر الجملة دي شهادة تقدير."خرجت منها ضحكة قصيرة رغم توترها.

  • بين جليده..ودفئي   الفصل الثامن : المسافات التي تضيق دون قصد

    مرّ أسبوع تقريبًا منذ دخول ليان إلى شركة الكيلاني، ومع ذلك كانت تشعر أحيانًا وكأنها أمضت أشهرًا كاملة داخل ذلك المكان. ربما لأن الأيام هناك لا تمر بخفة، بل تبتلع أصحابها تدريجيًا. كل صباح يبدأ بهدوء قصير، ثم يتحول إلى دوامة من الاجتماعات والأرقام والمواعيد والوجوه المتجهمة.أما هي…فبدأت تحفظ الإيقاع.أصبحت تعرف متى يكون عمر في مزاج يسمح بالمزاح، ومتى تفضل هناء الصمت، ومتى يصبح الطابق بأكمله أكثر توترًا لأن آسر أغلق باب مكتبه بقوة أكبر من المعتاد.والأمر الذي أزعجها أكثر…أنها بدأت تفهمه قليلًا.أو هكذا ظنت.بدأت تلاحظ التفاصيل الصغيرة دون إرادة منها. مثل أنه يشرب القهوة السوداء دون سكر دائمًا. وأنه حين يغضب فعلًا، يصبح صوته أكثر هدوءًا بدل أن يرتفع. وأنه أحيانًا، في الأيام المزدحمة، ينسى الطعام تمامًا.كانت تلاحظ.وهذا وحده جعلها تنزعج من نفسها.لأن ملاحظة شخص باستمرار تعني أن العقل بدأ يمنحه مساحة أكبر مما ينبغي.وفي تلك الفترة، كانت تحاول بجد ألا تسمح بذلك.في صباح ذلك اليوم، وصلت الشركة وهي تحمل ملفًا كبيرًا بين ذراعيها، وكوب شاي اشتراه لها بائع قريب من الحي الذي تسكنه.اختارت الش

  • بين جليده..ودفئي    الفصل السابع ما لا يقوله الليل

    بقيت ليان واقفة مكانها لثوانٍ بعد جملته، وكأن الكلمات البسيطة التي خرجت منه علقت في الهواء بينهما بدل أن تنتهي."مش كل الناس بتعرف تنام بسهولة."لم يكن الرد غريبًا بحد ذاته، لكن طريقته في قوله كانت مختلفة. لم يحمل ذلك البرود المعتاد الذي يشبه الأوامر، ولم يكن ساخرًا كما يفعل أحيانًا حين ترتبك أمامه. بدا فقط… صادقًا. صادقًا بشكل أربكها أكثر من قسوته.حاولت أن تجد ردًا مناسبًا، لكنها لم تعرف ماذا تقول لرجل يبدو وكأنه يحمل فوق كتفيه تعب سنوات كاملة.لذلك خرج منها السؤال دون تخطيط:"إنت… سهران بسبب الشغل؟"وفور انتهاء الكلمات، شعرت برغبة في ضرب رأسها بأقرب جدار.ماذا تفعل؟منذ متى تسأل مديرها التنفيذي أسئلة شخصية؟لكن الغريب أن آسر لم يعبس مباشرة كما توقعت.بقي ينظر إليها للحظة، ثم أعاد بصره نحو النافذة الممتدة خلفه، حيث كانت المدينة تستيقظ ببطء تحت ضوء الصباح الباهت."الشغل سبب سهل."جاء الرد هادئًا.قصيرًا.لكنه جعل شيئًا داخلها ينتبه.سبب سهل؟إذن توجد أسباب أخرى.أكبر.أثقل.وللمرة الأولى، شعرت بفضول حقيقي تجاهه، لا ذلك الفضول السطحي حول شخصيته الباردة أو سلطته داخل الشركة، بل فضول تج

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status