Mag-log inلم تكن ليان تعرف لماذا بقيت كلمات سيرين عالقة في رأسها طوال بقية اليوم.
" شكل الأستاذ آسر بيديكي اهتمام خاص شوية ولا أنا بيتهيألي ."
كلما حاولت تجاهل الجملة… عادت.
وكلما أقنعت نفسها أنها مجرد ملاحظة عابرة، تذكرت الطريقة التي قالتها بها.
هادئة.
ناعمة.
لكن خلفها شيء آخر.
شيء يشبه التحذير.
أو التهديد.
والأكثر إزعاجًا…
أن آسر لم ينفِ.
هزت رأسها بعنف وهي تحدق بالشاشة أمامها.
مستحيل.
أي اهتمام؟
الرجل بالكاد يتحمل وجودها.
بل ربما ندم أساسًا على توظيفها.
كانت تراجع ملفات المشروع الذي أسنده إليها حين شعرت بشخص يقف قرب مكتبها.
رفعت رأسها بسرعة.
عمر.
يحمل كوب قهوة ويبدو مستمتعًا بشيء ما.
ضيقت عينيها بشك.
"خير "
ابتسم.
"مافيش حاجة ."
عبست.
" دي ابتسامة شخص عارف مصيبة."
ضحك بخفوت. "أنتِ ملاحِظة."
أغلقت الملف أمامها. "اتكلم."
مال قليلًا وهمس:
"في إشاعة بدأت تنتشر هنا ."
تجمدت يدها.
"اشاعة ايه؟"
بدت عليه المتعة أكثر. "أن الموظفة الجديدة دخلت مكتب الأستاذ آسر ثلاث مرات في خلال يومين… وخرجت من غير ما تطرد."
حدقت به لثوانٍ.
ثم قالت ببطء:
"...هو أنتم ناس طبيعيين هنا؟"
انفجر ضاحكًا.
أما هي…
فوضعت يدها فوق جبينها بيأس.
رائع.
ممتاز.
اليومان الأولان فقط، وأصبحت موضوعًا للأحاديث.
همست بضيق:
"أقسم أني ما عملتش اي حاجة ."
رفع عمر كتفيه. "عارف ."
ثم أضاف بعد لحظة:
"لكن الناس هنا بتراقب كل حاجة فخلي بالك ."
اختفت ابتسامتها قليلًا.
لأنها شعرت فجأة بثقل الجملة.
كل حاجة .
قرب نهاية الدوام…
كانت ليان لا تزال تعمل على المشروع الجديد.
معظم الموظفين بدأوا بالمغادرة.
حتى هناء جمعت أغراضها أخيرًا.
اقتربت منها قائلة:
" انتي لسه هنا ما مشتيش ليه لسه ؟"
رفعت ليان رأسها عن الأوراق.
"مش عايزه امشي غير لما أخلص الجزء الأول ."
نظرت هناء إلى الملفات الكثيرة أمامها ثم زفرت.
"ده انتي مجتهدة جدا اكتر من اللازم كمان ."
ابتسمت ليان بخفة.
ابتسامة صغيرة… متعبة.
" ماعنديش رفاهية الفشل للأسف."
توقفت هناء لحظة.
شيء ما في نبرة ليان جعلها تنظر إليها أطول.
ثم قالت بهدوء:
" ماتتأخريش وارجعي للبيت بدري ."
ولأول مرة…
بدا صوتها أقرب لصديقة منه لسكرتيرة.
غادرت بعدها.
وبقيت ليان وحدها تقريبًا.
أو هكذا ظنت.
بعد نصف ساعة…
كانت عيناها تؤلمانها من التركيز.
مدت يدها نحو كوب الماء دون أن ترفع نظرها عن الأوراق.
لكن يدها اصطدمت به خطأ.
وانسكب جزء منه فوق الملف.
اتسعت عيناها فورًا.
"لا لا لا—"
أمسكت الأوراق بسرعة.
بدأ قلبها يخفق بعنف.
هذه نسخة مهمة.
مهمة جدًا.
حاولت تجفيفها بتوتر بينما تتمتم:
"يا رب مش النهاردة … مش النهاردة…"
" انا بقيت مقتنع ان الفوضي ملحقاكي فعلا شخصيا ."
تجمدت.
هذا الصوت.
رفعت رأسها بسرعة.
آسر.
كان يقف غير بعيد عنها، يحمل معطفه بيد، وينظر للمشهد أمامه ببرود معتاد.
شعرت بالإحراج يضربها فورًا.
"أنا…"
أغمضت عينيها لثانية.
ثم قالت بيأس:
"أنا مش عارفه ليه بتحصلي الحاجات دي دايما شكلي نحس ولا إيه ."
ظل ينظر إليها للحظات.
ثم اقترب.
بهدوء.
وأخذ الأوراق من يدها.
تجمدت ليان.
راقبته يفحص الضرر بسرعة.
ملامحه مركزة.
عملية.
وكأن الأمر طبيعي.
قال أخيرًا:
"ما تلفتش."
زفرت براحة واضحة.
ولم تنتبه أنها ابتسمت فعلًا.
ابتسامة صغيرة صادقة.
أما هو…
فتوقف لجزء من الثانية وهو ينظر إليها.
شيء ما تغير داخل تعبيره سريعًا.
شيء لم تستطع فهمه.
لكنه اختفى فورًا.
عاد البرود المعتاد.
أعاد الأوراق لها وقال:
"في المرة الجاية خلي السوايل بعيدة عن الملفات ."
أخذتها بسرعة. "ماشي ."
صمت قصير مر بينهما.
غريب.
غير مريح.
ثم سأل فجأة:
" إنتي ليه لسه هنا ؟"
رمشت.
لم تتوقع السؤال.
أجابت ببساطة:
"عايزة أخلص الشغل اللي معايا ."
رفع حاجبًا.
"الشغل مش بيخلص ."
ترددت.
ثم قالت بصوت أخفض:
"لكن لو غلطت … هخسر الفرصة ."
توقفت الكلمات بعدها.
لأنها أدركت أنها قالت أكثر مما يجب.
لكن المفاجأة…
أن آسر لم يرد مباشرة.
بقي صامتًا للحظة.
طويلة نسبيًا.
ثم قال بهدوء غريب:
"أنتي بتتثرفي وكأن العالم هينتهي لو فشلتي مرة ."
شعرت بشيء ينقبض داخل صدرها.
خفضت نظرها للأوراق.
وخرج الرد منها دون تخطيط:
"في ناس معندهاش ولا يملكو خيار الفشل ."
ساد الصمت.
لم تنظر إليه.
لكنها شعرت بنظره.
ثابتًا عليها.
أكثر من المعتاد.
ثم—
رن هاتفه.
انقطع كل شيء.
أخرج الهاتف من جيبه.
وحين رأى الاسم…
تغيرت ملامحه فورًا.
اختفى الهدوء.
عاد ذلك التصلب القديم لفكه.
أجاب ببرود:
"نعم."
صمت.
ثم قال:
"قلت إني مش هحضر ."
صمت أطول.
عيناه أصبحتا أبرد.
" ده قرارك ."
وأغلق الخط.
بقوة.
رفعت ليان رأسها دون وعي.
لم تتكلم.
لكن شيئًا داخلها لاحظ:
هو متعب.
حقًا متعب.
وليس فقط صارمًا.
لاحظ نظرها نحوه.
فقال مباشرة:
"خلصتي الشغل ولا لسه ؟"
تراجعت فورًا.
عاد الحاجز بينهما.
أومأت بسرعة.
"تقريبًا."
أخذ معطفه.
ثم قال وهو يتجه نحو الباب:
"اقفلي الأنوار قبل ما تمشي ."
وتوقف ثانية واحدة فقط.
وأضاف دون أن يلتفت:
"وما تقعديش لوحدك لوقت متأخر مره تانية ."
تجمدت.
حدقت بظهره.
هل…
هل كان هذا قلقًا؟
مستحيل.
على الأغلب مجرد تعليمات.
لكن لسبب غير مفهوم…
شعرت بدفء صغير داخلها.
شيء سخيف.
فابتعدت عن الفكرة فورًا.
في صباح اليوم التالي…
كانت الأمور هادئة نسبيًا.
حتى وصلت سيرين.
ومثل كل مرة…
بدت وكأنها تنتمي لهذا العالم أكثر من الجميع.
مرت قرب المكاتب بثقة.
ثم توقفت فجأة عند مكتب ليان.
رفعت ليان رأسها.
ابتسمت سيرين.
ابتسامة مثالية.
"صباح الخير."
أجابتها بأدب:
"صباح النور."
ظلت الأخرى واقفة.
ثم قالت:
"ايه رأيك في الشغل هنا ؟"
ترددت ليان قليلًا.
"كويس "
ابتسمت سيرين أكثر.
لكن عينيها لم تبتسما.
أبدًا.
"أتمنى ان الضغوط مش كتيرة عليكي."
أومأت ليان بخفة. "هعتاد تدريجيًا."
مالت سيرين قليلًا.
وقالت بصوت منخفض يكفي ليسمعه شخصان فقط:
"التأقلم مهم."
توقفت لحظة.
ثم أكملت:
"خصوصًا لما حد يدخل عالم مش شبهه ."
تجمدت ليان ثانية.
فهمت المعنى فورًا.
هذه ليست مجاملة.
أبدًا.
رفعت رأسها ببطء.
ونظرت مباشرة لعيني سيرين لأول مرة.
ثم قالت بهدوء:
"يمكن."
ابتسمت سيرين.
وكأنها انتظرت ردًا مختلفًا.
لكن ليان أكملت بلطف ثابت:
"لكن الناس بتتعلم."
اختفت الابتسامة لجزء صغير جدًا من الثانية.
صغير لدرجة أن أي شخص آخر ربما لم يلاحظه.
ثم عادت.
"طبعًا."
واستقامت.
وفي اللحظة نفسها…
خرج آسر من مكتبه.
وقعت عيناه أولًا على سيرين.
ثم…
على ليان.
نظر بينهما لثانية.
وكأنه يقرأ شيئًا لم يُقل.
قال ببرود:
"في اجتماع بعد عشر دقايق."
ابتسمت سيرين فورًا. "هأنضم ليكم."
لكن آسر أجاب دون تغيير:
"الاجتماع داخلي."
تجمدت ابتسامتها قليلًا.
شيء صغير فقط.
لكنه كان واضحًا.
أما ليان…
فخفضت نظرها بسرعة.
كأنها لم تر شيئًا.
لكنها شعرت به.
التوتر.
ذلك النوع الهادئ…
الذي يسبق العاصفة.
ولأول مرة منذ دخولها هذه الشركة…
بدأ إحساس غريب يتسلل إليها.
أن وجودها هنا لن يقتصر على وظيفة فقط.
بل…
قد يضعها وسط أمور أكبر مما تخيلت.
البيت الذي امتلأ بالضحكات...مرّت ثلاثة أشهر منذ عودتهما من شهر العسل.وثلاثة أشهر كانت كافية لتكتشف ليان حقيقة لم يخبرها بها أحد قبل الزواج...أن آسر، الرجل الذي كان يدير إمبراطورية كاملة بكل هدوء، يتحول إلى شخص آخر تمامًا عندما يتعلق الأمر بالأعمال المنزلية.في صباح أحد أيام الجمعة، استيقظت ليان على رائحة غريبة ملأت المنزل.فتحت عينيها ببطء، ثم جلست في السرير وهي تشم الهواء."إيه الريحة دي؟"لم تجد آسر إلى جوارها.ارتدت روبًا خفيفًا، واتجهت نحو المطبخ.وما إن فتحت الباب...حتى توقفت مكانها.كان المطبخ أشبه بساحة معركة.الدقيق يغطي الرخامة.والبيض على الأرض.والحليب مسكوب بجوار الموقد.أما آسر...فكان يقف في المنتصف مرتديًا مئزرًا أبيض كتب عليه:"أفضل زوج في العالم."رفع رأسه إليها مبتسمًا."صباح الخير."ظلت تنظر إليه وإلى الفوضى من حوله.ثم سألت بهدوء مخيف:"إنت... بتعمل إيه؟"أجاب بثقة وكأنه أنجز مهمة عظيمة:"بفطر مراتي."اقتربت من الموقد.نظرت إلى المقلاة.ثم عادت تنظر إليه."وده إيه؟"نظر إلى المقلاة هو الآخر."أومليت."رفعت حاجبها."متأكد؟"نظر إليها، ثم إلى اللون الأسود الذي غ
الرجل الذي ظن أن قلبه ماتكان الليل هادئًا على غير عادته.تسللت نسائم البحر إلى شرفة الفندق، تحمل معها رائحة الملح والياسمين المزروع أسفل الشرفات، بينما كانت الأمواج تتكسر برفق على الصخور في إيقاع أشبه بلحنٍ هادئ لا يعرفه إلا من عاش طويلًا وسط الضجيج.خرج آسر إلى الشرفة بعدما تأكد أن ليان قد غرقت في نومٍ عميق.كانت ملامحها ساكنة...هادئة...كأن الحياة أخيرًا اعتذرت لها عن كل ما سرقته منها.وقف طويلًا يتأملها من خلف الزجاج، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة لم يشعر بها حتى هو.منذ سنوات...كان يظن أنه نسي كيف يبتسم.---أخرج من جيب سترته دفترًا جلديًا صغيرًا.كان هدية من ليان قبل أسبوع.قالت له يومها ضاحكة:"طالما مبتعرفش تقول اللي جواك... اكتبه."ابتسم وقتها ولم يعلق.أما الآن...فتح الصفحة الأولى.ظل القلم بين أصابعه عدة ثوانٍ، قبل أن يكتب أول جملة."إلى زوجتي... التي أعادت إليّ قلبي."توقف.نظر إلى الكلمات.ثم تنهد."واضح إني فعلًا بقيت رومانسي."ضحك وحده.ثم عاد يكتب.---"كنت دائمًا أقول إن أول مرة رأيتك فيها كانت داخل الشركة...لكن الحقيقة...إن أول مرة انتبهت فيها إليك لم تكن هناك."---عا
الفصول الخاصةالفصل الخاص الثانيشهر العسل... حيث ذاب الجليدلم تكن ليان تتخيل يومًا أن أكثر ما سيربكها بعد الزواج... هو حقيبة سفر.وقفت في منتصف غرفة النوم، تحيط بها الملابس من كل اتجاه، تمسك بفستان صيفي في يد، وحذاءً رياضيًا في الأخرى، بينما كانت تنظر إلى الحقيبة المفتوحة وكأنها لغز يستحيل حله.قالت وهي تزفر للمرة العاشرة:"أنا مش عارفة آخد إيه وأسيب إيه."كان آسر يستند إلى إطار الباب، مكتفًا بمراقبتها منذ عشر دقائق كاملة، دون أن يتدخل.ابتسم وهو يعقد ذراعيه أمام صدره."بقالك نص ساعة بتلفي حوالين الشنطة."التفتت إليه باستنكار."طبعًا! دي أول مرة أسافر شهر عسل."اقترب منها بهدوء.ثم أخذ الفستان من يدها ووضعه داخل الحقيبة."خلاص."نظرت إليه."خلاص إيه؟""خلاص اتحلت."ضيقت عينيها."إنت شايف إن كل الحلول سهلة كده؟"ابتسم ابتسامته المستفزة التي كانت تعرفها جيدًا."آه."ضربته بالمخدة القريبة منها.فضحك لأول مرة بصوت مرتفع.أمسك المخدة وأعاد رميها نحوها، فأصابتها في كتفها.شهقت وهي تضحك."آسر!""نعم؟""إنت بدأت.""وأنا هكسب."أمسكت مخدة ثانية، لتبدأ بينهما معركة قصيرة انتهت بعد دقائق، حين
أول ليلة... بلا خوفلأول مرة منذ سنوات طويلة، لم يكن الليل يحمل رائحة الخطر.لم تكن هناك سيارات سوداء تراقب المكان، ولا هواتف ترن برسائل تهديد، ولا رجال يختبئون خلف الظلال، ولا رصاص ينتظر لحظة غفلة ليخترق سكون الحياة.كانت المدينة هادئة...هادئة إلى درجة أن ليان شعرت بالغرابة.جلست إلى جوار آسر في السيارة التي كانت تشق الطريق ببطء، بينما كانت أضواء الشوارع تنعكس على زجاج النافذة في خطوط ذهبية متتابعة، ولم تكن تفعل شيئًا سوى النظر إلى الخارج، وكأنها تحاول أن تتأكد أن كل ما حدث منذ ساعات لم يكن حلمًا.أخيرًا...أصبحت زوجته.أما آسر، فكان يقود بصمت، لكن ملامحه لم تعد تحمل تلك الصرامة التي اعتادها الجميع، بل شيئًا من الراحة لم تعرف طريقها إلى وجهه منذ زمن بعيد.قطع الصمت صوته الهادئ."ساكتة ليه؟"ابتسمت وهي ما تزال تنظر من النافذة."بستغرب."رفع حاجبه."من إيه؟"التفتت إليه، ثم قالت بابتسامة صغيرة:"إحنا خارجين من فرحنا... ومفيش حد بيطاردنا."ضحك بخفة، ثم هز رأسه."أهو أخيرًا."سكت لحظة، ثم أضاف وهو ينظر للطريق:"أعترف إن الموضوع غريب حتى بالنسبة لي."ضحكت ليان، فضحك معها.كانا يضحكان على
وأخيرًا... الحياةبقيت ليان تنظر إلى الأفق، بينما كانت الشمس تغيب ببطء خلف المباني القديمة، لتغمر السماء بألوان ذهبية وبرتقالية دافئة، وكأنها تحتفل معهما بانتهاء رحلة طويلة من الألم. لم تكن تعلم أن آسر، الجالس إلى جوارها، يخوض في داخله معركة لا تقل صعوبة عن كل المعارك التي خاضها من قبل.كان يستطيع مواجهة الرصاص دون أن ترتجف يده.لكن الآن...كانت أصابعه ترتجف وهو يلمس العلبة الصغيرة داخل جيبه.لاحظت ليان شروده.ابتسمت وهي تميل نحوه قليلًا."مالك؟"تنحنح بخفة."ولا حاجة."ضيقت عينيها."أنت عمرك ما عرفت تكذب."ضحك بخجل لم تره عليه من قبل.ثم وقف فجأة.مد يده إليها."تعالي."أمسكت يده، ونهضت وهي تبتسم باستغراب.سارا ببطء حتى وصلا إلى الشجرة الكبيرة التي كانت تقف في طرف الحديقة، حيث بدأت حكايتهما قبل أشهر طويلة، يوم كانت كل كلمة بينهما تنتهي بشجار.توقف آسر.وأخذ نفسًا عميقًا.ثم استدار إليها.لم يكن يحمل سلاحًا هذه المرة...ولا خطة هروب...ولا يخوض معركة.كان يحمل قلبه فقط.أخرج العلبة الصغيرة من جيبه.واتسعت عينا ليان.نظر إليها بعينين امتلأتا حبًا.ثم انخفض على ركبة واحدة.شهقت وهي وضعت
آخر رسالة... وأول حياةلأول مرة منذ سنوات طويلة...لم تكن ليان تركض.لم تكن تختبئ.لم تكن تنظر خلفها كل بضع خطوات خوفًا من رصاصة أو خيانة أو وجه يخرج من الماضي.كانت السماء فوقها صافية على نحو لم تنتبه إليه من قبل، والنسيم الخفيف الذي داعب خصلات شعرها بدا وكأنه يحمل معها آخر بقايا الألم بعيدًا، حتى شعرت وهي تسير بجوار آسر أن العالم، الذي اعتادت أن تراه مكانًا قاسيًا لا يرحم، بدأ يمنحها أخيرًا فرصة لتلتقط أنفاسها.سارا معًا في الممر الحجري المؤدي إلى المنزل الذي كانت مريم قد أوصت بأن تُفتح وصيتها الأخيرة فيه، لا في المحكمة ولا في النيابة، بل في بيتها القديم... البيت الذي شهد أجمل سنوات عمرها، قبل أن تسرقها المؤامرات من ابنتها.فتح سامر الباب ببطء.صرّ الخشب القديم تحت يده، بينما اندفعت رائحة المكان التي امتزجت برائحة الكتب والياسمين الجاف.توقفت ليان عند العتبة.شعرت بشيء يخنقها.همست دون أن تشعر:"ريحة ماما..."ساد الصمت.حتى عمر، الذي اعتاد كسر أي لحظة حزينة بمزحة، لم يجد هذه المرة كلمة واحدة يقولها.اقتربت نجلاء من ليان وربتت على كتفها برفق."ادخلي يا حبيبتي..."ابتسمت ليان ابتسامة
لم تستطع ليان تجاهل شعورها بالانزعاج طوال طريق العودة إلى المنزل.كانت صورة المرأة التي دخلت الشركة آخر الدوام لا تزال عالقة داخل رأسها.سيرين الألفي.حتى اسمها بدا ثقيلًا بطريقة ما.والأغرب…تلك النظرة.النظرة التي ألقتها عليها للحظات قصيرة فقط، لكنها حملت شيئًا جعل معدة ليان تنقبض دون سبب واضح.ك
لم تستطع ليان النوم جيدًا تلك الليلة.والسبب لم يكن ضغط العمل الجديد، ولا خوفها من ارتكاب الأخطاء…بل تلك الابتسامة.أو بالأحرى، الشيء الذي بدا قريبًا من الابتسام على وجه آسر الكيلاني.كلما أغمضت عينيها، تذكرت ملامحه الجامدة ثم تلك اللحظة القصيرة التي تغيّر فيها شيء ما.ثانية واحدة فقط.لكنها كانت
رنّ المنبه للمرة الرابعة قبل أن تتمكن ليان أخيرًا من فتح عينيها بتثاقل.مدّت يدها تتحسس الهاتف فوق الطاولة الصغيرة بجانب سريرها، ثم أطفأته بسرعة قبل أن يوقظ والدتها النائمة في الغرفة المجاورة.ساد الصمت للحظات.حدقت بالسقف القديم المتشقق بينما بدأت تفاصيل الأمس تتدفق إلى عقلها تدريجيًا…المقابلة.ا
كانت تركض وكأن الوقت يلاحقها بسكين.أنفاس ليان المتقطعة امتزجت بصوت السيارات والمطر الخفيف وهي تشد حقيبتها القديمة إلى كتفها وتحاول حماية الملف الورقي بين ذراعيها من البلل.اتأخرت.أغمضت عينيها لثانية وهي تلعن الحافلة التي تعطلت في منتصف الطريق، ثم تابعت ركضها بأقصى ما تستطيع.اليوم ليس عاديًا.هذه







