Mag-log inالفصل 6
---
ليا
خرج جيمس وتركني بمفردي في الغرفة، لأسقط على طرف الفراش بتنهيدة ثقيلة يملؤها الإرهاق.
كان صدري ينقبض برهبة وخوف جارف من فكرة الاقتراب من أي رجل آخر بعد الكابوس المظلم الذي عشته في لندن. بمجرد أن يخيم السكون، تنفتح أبواب الذاكرة رغماً عني ، لتستحضر تفاصيل تلك الليلة المرعبة بكل قسوتها...
---
"كايت..."
"أوه حبيبي، أتيت؟"
"أجل، انظري ماذا جلبت لكِ؟"
أعطاني داني حقيبة أنيقة، فتحتها لأجد فستاناً أسود قصير بكتف واحد ، مطرزاً بالخرز اللامع حتى الخصر، بينما نصفه الآخر مصنوع من القماش الجلد الناعم.
"واو... إنه رائع حقاً، داني!"
"أريني كيف سيبدو عليكِ إذاً؟"
دخلتُ الغرفة لأبدل ثيابي وارتديته، وحين خرجت وجدتُه يعد السفرة. أقبل نحوي بابتسامة يملؤها الإعجاب وأمسك بيدي:
"تبدين رائعة يا حياتي."
"حقاً؟"
انحنى وقبّل عنقي بقوة وجنون: "بالطبع..."
شعرتُ بأسنائه تعض على جسدي بحدة، ليجتاحني الانزعاج فوراً ، لقد كانت هذه طريقتَه المعتادة؛ يبدأ بالملاطفة والتودد، لينتهي بي المطاف مكبلة ومقيدة على الفراش حتى الصباح تحت رحمة قسوته.
ابتعدتُ عنه بهدوء يحاول كتم الخوف: "لقد حضرتُ لك عشاءً لذيذاً." ضيق عينيه بشك، لكنه تفادى ابتعادي ببرود: "بالطبع..."
وضعتُ الطعام وبدأنا في تناوله. كان يطعمني بيده بابتسامة متصنعة ، وأنا أحاول بدوري أن أكون لطيفة ومطيعة معه علّه يحافظ على هذا الهدوء.
لكن المشروب كان يندفق في كأسه واحداً تلو الآخر.
حين حاولتُ مد يدي لأمنعه من الإكثار، قبض على معصمي بقوة معتصرة: "إياكِ وأن تمنعيني عن شيء أحبه!"
هززتُ رأسي بالموافقة بذعر شديد، ونهضتُ لأجمع الصحون وأضعها في الحوض. لم ألبث أن شعرتُ بوجوده خلفي، يقبّل كتفي، ثم يبدأ بلمس كل جزء من جسدي بحدة وعدوانية.
حاولتُ إبعاده عني بكل ما أوتيت من قوة، فلم أستفق إلا على صفعة قوية طيّرتني لأسقط أرضاً!
صاح بي بغضب أعمى: "لماذا تحاولين دائماً منعي عن كل شيء أحبه؟!"
بدأ يضربني بجنون، يوجه ركلاته القاسية إلى جسدي ورأسي حتى كدتُ ألفظ أنفاسي الأخيرة. وفي غمرة غضبه، دفع بقية الصحون والسكاكين عن الطاولة لتسقط برنين حاد بجانبي على الأرض.
وعندما انقضّ عليّ محاولاً الاعتداء عليّ بالقوة، امتدت كفي المرتجفة نحو السكين الملقاة بجانبي... وبدفعٍ من غريزة الموت، طعنته في قدمه ثم في بطنه!
ثم دفعته عني برعب، ونهضتُ وجسدي يرتجف كالمحمومة. أخذت حقيبة طوارئ كنت قد جمعتُ بها سابقاً بضعاً من أغراضي وملابسي وما ادخرته من أموال عملي السابق، وركضتُ خارج المنزل إلى الأزقة المظلمة، وأنا أقسم ألا أعود إلى ذلك السجن الملعون مهما حدث.
---
أبعدتُ تلك الأفكار الموحشة عن رأسي بشدة حين سمعتُ صوت صهيل حصان في الخارج. اقتربتُ من النافذة ونظرتُ للأسفل، لأجد جيمس يقف في الباحة يحاول تهدئة الحصان ويطعمه برفق.
خرجتُ من الغرفة ووقفتُ عند المسار الخارجي أراقبه عن كثب. كان يبدو رائعاً بكل المقاييس؛ وسيم بتلك الملامح الحادة، ويملك جسداً متناسقاً ومشدوداً تزينه العضلات والوشوم الدقيقة التي تضفي عليه غموضاً جذاباً.
عدتُ لغرفتي سريعاً وبدأتُ أرتب أغراضي في مكانها، ثم توجهتُ إلى المطعم لأبدأ وردية عملي مع هانا.
كان المكان لطيفاً ويبعث على الراحة، لكن الرهبة لم تفارقني؛ كنتُ أرتعد خوفاً من أن يسألني أحد الزوار عن ماضيّ، أو أن يلمحني ذلك المجنون مجدداً، وحينها لن أجد مأوى أهرب إليه بعد أن ابتسم لي الحظ بصعوبة وشاءت المصادفة أن ألتقي بهانا.
عُدتُ إلى المنزل في وقت متأخر من الليل، وكان جيمس يجلس مع أصدقائه في الحديقة الأمامية للمنزل. القيتُ عليهم السلام بصوت خافت ودخلتُ غرفتي سريعاً لأبتعد عن الأنظار.
---
بعد فترة، حين ذهب الجميع، استلقيتُ على الفراش محاولةً النوم، لكن صوتاً خفيفاً وحركة مريبة أسفل السرير جعلتني أفتح عينيّ بذعر... كان هناك ثعبان يستقر تحت الفراش!
صرختُ بأعلى صوتي ووقفتُ فوق السرير أرتجف بخوف هيستيري.
وفجأة، اندفع الباب المغلَق بقوة بعد أن دفعه جيمس بقدمه، ليقتحم الغرفة وهو عاري الصدر قبل أن يرتدي قميصه: "ماذا حدث؟!"
أشرتُ لأسفل وأنا أبكي حشرجةً: "ثعبان... أسفل الفراش!"
اقترب جيمس بخطوات هادئة ومد يده إليّ: "تعالي..."
"لا! لن أتحرك، أنا خائفة جداً!"
قال بنبرة دافئة ومطمئنة: "لا تخافي، أنا هنا ولن أدعه يؤذيكِ."
اقتربتُ منه ببطء، فرفض الانتظار وحملني بذرعتيه القويتين ليخرجني سريعاً من الغرفة، ثم أنزلني عند مدخل المنزل الرئيسي: "انتظري هنا."
ركض نحو الإسطبل وجلب فأساً حاداً، ثم عاد للغرفة ليجد الثعبان قد صعد على الفراش، فقتله بضربة حاسمة. اتسخ الفراش بالكامل، والباب الذي كسره بقدمه أصبح معطلاً.
خرج إليّ وأنا أقف أرتجف في مكاني أراقب من بعيد: "لقد قتلتُه، لكنكِ لن تستطيعي النوم في الغرفة الليلة لأن الباب مكسور والمكان اتسخ."
فركتُ يديّ بتوتر: "الوقت متأخر جداً ولا أريد إزعاج هانا..."
نظر إليّ واقترح: "لا بأس، يمكنكِ البقاء معي الليلة في منزلي."
تطلعتُ إليه بخوف وتردد ملحوظين، وقد قرأ جيمس ذلك الذعر في عينيّ فوراً. كانت أفكاري تتصارع مع عقدتي الخوف من الرجال وملاطفتهم.
ابتسم جيمس برقة ودعابة ليخفف عني التوتر:
"بربكِ... سأكون أليفاً جداً! يمكنكِ البقاء في غرفتي العلوية وإغلاق الباب بالمفتاح إن كنتِ خائفة، وأنا سأنام بالأسفل."
ابتسمتُ بغير قصد على مزاحه الداعم، وحركتُ رأسي بالموافقة لأدخل معه إلى المنزل، وأنا أدعو أن تمضي هذه الليلة بسلام.
الفصل 64---جيمسمرّت الأيام بعد غيابها وكأنها دهور من العذاب البطيء. لم أكن أدرك أن حجم الفراغ الذي ستتركه خلفها قادر على أن يسحقني بهذا الشكل المبرح. تدهورت حالتي الصحية والنفسية يوماً بعد يوماً؛ فقد كنتُ أذوب ببطء وأفقد رغبتي في الحياة، شاحباً، غارقاً في أرق أبدي، لا يربطني بالحياة سوى خيط واهٍ من الذكريات وصورتها وهي تصعد تلك الحافلة الحزينة.دمر غيابها كل مفهوم بنيته لحياتي. كانت هي المعنى الوحيد لكل شيء، وحين اختفت، تحول كل ما حول رماداً. كنتُ ألوم نفسي كل ثانية، أكل روحي بسكاكين الندم لأنني كنتُ ذلك الجلاد الغبي الذي دفعها للهروب وهي تحمل في أحشائها توأمها وتوأمي. كيف طاوعني قلبي أن أهددها بالاجهاض؟ كيف لم أرَ كم كانت خائفة ومجروحة؟بقيتُ أبحث عنها في كل مكان، وكلما مرّ يوم دون أن أجد لها أثراً، كان شعور العجز يمزق صدري أكثر. لم أستطع البقاء في هامبستيد؛ فقد كان المنزل يضيق بأنفاس طيفها الذابل، وكانت زواياه تصرخ باسمها. لذا، اتخذتُ قراراً جذرياً؛ تركتُ القرية تماماً، وانطلقتُ أجوب البلاد من أقصاها إلى أقصاها.لم أكن أجول عبثاً؛ بل بدأتُ أوسع نطاق أعمال عائلتي وأسسست إمبراطو
الفصل 63---ليامرّت الأيام في بلدة "ستان مور" بطيئة ومحملة بسلام غريب يشبه هدوء ما بعد العاصفة. تحول ملجأ الأطفال واليتامى تدريجياً إلى درع حقيقي يحميني من قسوة العالم الخارجي، ومن شبح الماضي الذي كان يطارد خطاي في كل مكان. وجدتُ في ذلك المكان البسيط، المليء بضحكات الصغار وبراءتهم، متنفساً أعاد لروحي شيئاً من التوازن.لم أكن أكتفي بالمكوث في غرفتي الصغيرة، بل بدأتُ أعمل جنباً إلى جنب مع السيدة شير في إدارة الملجأ والاعتناء بالأطفال. كنتُ أقضي ساعات طوال ألاعب الصغار، أساعدهم في دروسهم، وأحكي لهم الحكايات قبل النوم. في كل مرة كانت كفّ طفل صغير تمسك بأصبعي، أو يبتسم لي أحدهم ببراءة، كان شعور دافئ وعميق يسري في صدري، كأن هؤلاء الأطفال قد اختاروا أن يرمموا جزءاً من انكسارات روحي دون أن يشعروا.لاحظت السيدة شير، بحنانها الأموي الفطري، كل تفصيلة تخصني. كانت تحيطني برعاية بالغة تشبه رعاية الأمهات الحقيقيات؛ فهي لم تقصر يوماً في إعداد وجبات صحية دافئة لي، وتصر دائماً على أن أتناول طعامي بانتظام، مرددة دائماً بنبرة حنونة: "أنتِ لا تملكين جسداً واحداً لتهمليه، ابنتي.. أنتِ تحملين حياة أخرى
الفصل 62---جيمسلم تكن الساعات تمرّ، بل كانت تحترق كالجمر الحارق تحت أقدامي. لم أذق طعم النوم، ولم يعرف الجوع أو الراحة طريقاً إلى جسدي منذ تلك اللحظة اللعينة التي وجدتُ فيها رسالتها على الفراش الخالي. تحولت حياتي بأكملها إلى مطاردة محمومة ومجنونة بحثاً عن أثر يقودني إلى ليا.بدعم شخصي ومباشر من السيد فينيك، رئيس مركز الشرطة في لندن، تحركنا بكل ما أوتينا من نفوذ وقوة. استنفرنا رجال الشرطة، ونشرنا صورها وأوصافها على كافة الدوريات والمحطات الإقليمية الممتدة بين المقاطعات.كنتُ أركض بسيارتي كالبرق، أفتش في كل زاوية، وأسأل في كل مقهى، فندق، ومحطة قطار أو حافلات قد تكون عبرت من خلالها. كنتُ أنظر إلى وجوه النساء في الشوارع بلهفة قاتلة، لعلّني ألمح قوامها الرقيق أو خصلات شعرها، لكن كل الأبواب كانت توصد في وجهي بخيبة مريرة تزيد من جنوني.وصلنا أخيرًا، برفقة لويس ورجال الشرطة، إلى خيط الأمل الوحيد؛ تتبع خط سير الحافلة الصباحية التي استقلتها ليا في ذلك الفجر المظلم. مسافة طويلة على طول الطريق السريع الذي سلكته الحافلة، نراجع كاميرات المراقبة الخاصة بالبلدات والقرى الواقعة على امتداد الخط.لكن
الفصل 61---لياتوقفت حافلة الركاب البالية عند مدخل بلدة "ستان مور" النائية، بعد وقت طويل من رحلة الحافلة التي شقت طريقها عبر الضباب والرياح الباردة. نزلتُ من حافلة العذاب بخطوات متثاقلة، وأنا أضم معطفي الثقيل حول جسدي بارتجاف، وأحكم قبضتي بحقيبة سفري الصغيرة وكأنها طوق النجاة الوحيد المتبقي لي في هذا العالم الواسع.كانت البلدة صغيرة وغريبة عني تماماً، طابعها القديم وشوارعها الخالية إلا من بعض المارة القلائل تزيد من شعوري بالوحشة والضياع. سرتُ على غير هدى بين الأزقة الحجرية المظلمة، وأنا أشعر بغثيان خفيف ودوار حاد يجتاح رأسي من اثر الإرهاق وقلة النوم والجوع الشديد الذي بدأ ينهش معدتي. أدركتُ أنني بحاجة ماسة لتناول طعام يمدني بالقدر الضئيل من القوة لمواصلة طريقي والبحث عن مأوى بعيد جداً عن هامبستيد، بعيد عن عينيّ جيمس وبحثه المحتوم عني.وجدتُ مقهىً صغيراً يقع في زاوية الشارع، فدفعت بابه ودخلت لأجلس في أبعد ركن مظلم. طلبتُ قدحاً من الشاي الساخن وقليلاً من الخبز، وصرتُ أحرك الملعقة ببطء بينما كانت الدموع تنهمر على وجنتي بغزارة وصمت لا يتوقف. كل تفصيلة صغيرة حولي كانت تذكرني بجيمس؛ ب
الفصل 60---جيمسكانت الصرخة التي أطلقتها في سماء هامبستيد الصباحية كأنها مزقت أضلعي قبل أن تشق ضباب القرية البارد. كان الهلع ينساب في عروقي كالمصل المسموم، يجمد التفكير في رأسي ويتركني فريسة لجنون عارم لم أختبره حتى في أحلك ليالي مواجهتي مع داني.تراجعتُ إلى الخلف خطوتين وأنا أتنفس بجهد، وعيناي المحمرتان تنظران إلى الفناء الخارجي الخالي إلا من أثر خطواتها الخفيفة التي ابتلعها الجفاف.لم أتردد؛ اندفعتُ كالمجنون بين الطرقات الترابية المحيطة بالمنزل، أصرخ باسمها بعلو صوتي، أفتش خلف المزارع الخشبية، بين الأشجار العتيقة، وحول الإسطبلات.كنتُ أركض بحفاء يائس، أتعثر بالحصى وأحجار الطريق دون أن أشعر بوجع قدميّ، فكل خلية في جسدي كانت تصرخ باسم "ليا"."ليا! ليا... أرجوكِ!"حين لم أجد لها أثراً، اندفعتُ بنشيج مكتوم نحو منزل هانا القريب. ضربتُ الباب بقبضتي المرتجفة ضربات متتالية صاخبة هزت الخشب. فتحت هانا الباب بملامح تفاجأ بها النعاس، غير أن ملامحها تغيرت فوراً لرعب حقيقي حين رأت هيئتي؛ وجهي الشاحب كالجثة، وعينيّ الممتلئتين بالدموع، وشعري المبعثر.أمسكتُ بكتفيها بضغط مجنون وسألتها بصوت متحشرج
الفصل 59---جيمسظللتُ جالساً على رمال الشاطئ الباردة طوال الليل، أصارع أشباح أفكاري واضطراب روحي حتى غاصت الساعات في عتمة الفجر الأولى. لم تكن دموعي قد جفت، لكن شيئاً ما داخل صدري كان يعيد ترتيب وعيي بطريقة مؤلمة وموجعة. طوال ساعات السهاد تلك، وأمام اتساع البحر المظلم، أدركتُ شيئاً كنتُ أعمى عنه وسط نوبات الهلع؛ لقد كنتُ قاسياً.. قاسياً إلى حد المرارة مع المرأة التي عاهدتُ نفسي على حمايتها من كل أذى.صحيح أنني كنتُ أرتجف رعباً من فكرة خسارتها، وصحيح أن التقرير الطبي كان ينذر بموت محتم إن استمر الحمل، لكن هل كان يجب أن أتعامل مع الأمر بسلطوية عمياء تفرض عليها الموت المعنوي بسلبها حقها في الاعتراض؟ لقد تصرفتُ كجلاد لا كزوج محب؛ اتخذتُ القرار بمفردي، وأغلقتُ باب النقاش بوجهها، ونسيتُ أن ليا ليست مجرد كائن أملكه، بل هي إنسانة عاشت سنوات من القهر والعبودية تحت وطأة داني، وكانت أشد ما تحتاجه هو الأمان والاحتواء، لا السجن والقهر الجديد!ومع تباشير النور الأولى التي بدأت تتسلل بخيوطها الباهتة فوق أفق هامبستيد، تملكتني رغبة مجنونة وملحة بالعودة سريعاً. فكرتُ في أنني يجب أن أتراجع عن هذا ال







