Mag-log inالفصل 7
---
ليا
دخلنا المنزل سوياً، وسارع جيمس بإضاءة الأنوار في المكان ليمنحني شعوراً بالأمان والاطمئنان. لمح ارتجافة جسدي الخفيفة أمام عينيه، فلم أكن أرتدي سوى شورت قصير وتيشيرت بدون أكمام، فجلب لي غطاءً دافئاً ليلفه حول كتفي بلطف.
"الجو يكون بارداً هنا في المساء... هل تشربين شيئاً ساخناً؟"
تلعثمتُ بحرج وأنا ألف الغطاء حول جسدي: "لا أريد أن أزعجك..."
ابتسم برقة وهو يهز رأسه: "ما بكِ يا فتاة؟ إنه مجرد كوب قهوة، أم أعدها لكِ شوكولاتة ساخنة؟"
"شوكولاتة ساخنة من فضلك..."
ابتسم ودخل المطبخ، فلحقتُ به ووقفتُ عند حافة الطاولة أراقبه وهو يعد المشروب باحترافية.
لم أستطع منع عينيّ من تفحص الجزء العلوي العاري من جسده؛ فقد خرج مسرعاً دون قميص، فتسمرت نظراتي بشرود على الوشوم الدقيقة التي تحتل مساحات متفرقة من كتفيه وجمال ذراعيه المشدودين.
سألته بخجل محاولةً كسر هذا الصمت:."ألا تشعر بالبرد؟"
نظر إلى جسده العاري ثم التفت إليّ بابتسامة دافئة:
"لا، جسدي معتاد على هذه الأجواء."
ناولني الكوب المشتعل بالدفء، وجلسنا سوياً عند طاولة المطبخ لنرتشف المشروب في سكون الليل.
"أنت تصنع مشروبات رائعة حقاً، سيد جيمس."
قطم حاجبيه بمزاح: "سيد جيمس؟ هل أنا جدكِ أو ما شابه؟"
انفجرتُ بالضحك عفوياً، ليشرد هو لثوانٍ في ضحكتي، وارتسمت ابتسامة هادئة وجذابة على شفتيه.
تأملتُ التفاصيل القريبة منه وقلت:
"يبدو أنك تحب الوشوم كثيراً."
"أجل، أنا كذلك... كل وشم منها يحمل قصة خاصة بي."
رددتُ بإعجاب: "رائع أن يكون لديك شيء خاص يمثل جزءاً من اهتماماتك."
أمال رأسه قليلاً وسألني باهتمام:
"ماذا عنكِ؟"
"ماذا عني؟"
"أليس لديكِ شيء خاص تهتمين به؟"
هززتُ رأسي بنفي ونظرتُ للأسفل بنبرة خافضة:
"أنا لا شيء... ليس لدي شيء خاص أو أشياء من هذا القبيل."
ساد الصمت المطبخ، وكان يُحَدِّق في عينيّ الملونتين اللتين تلمعان تحت ضوء المطبخ الخافت، حتى وجدته يسألني بنبرة عميقة وثاقبة: "من أنتِ يا فتاة؟"
تسارعت ضربات قلبي باضطراب حاد انتابني من سؤاله المفاجئ، وشعرتُ بالخوف يتسلل إلى عروقي مجدداً. وضعتُ الكوب على الطاولة بسرعة ونهضتُ متأتأة: "شـ شكراً لك... هل يمكنني الصعود للغرفة؟ أشعر بالنعاس الشديد."
نهض جيمس بسرعة، وعلامات الاستغراب تتملك ملامحه:
"ليا!"
"مـ ماذا؟"
اقترب مني بضع خطوات ونظر في عمق عينيّ متسائلاً:
"لماذا تشعرين بالخوف والذعر كلما أتينا على ذكر التحدث عن نفسكِ؟"
تراجعتُ للخلف برهبة وضغطتُ على الغطاء حول كتفي:
"أرجوك ابتعد... هذا الوضع غير مريح إطلاقاً!"
تأمل تصرفاتي المذعورة بتعجب وأسى، ثم تنهد بعمق واستسلم للانسحاب. استدار وصعد السلالم أمامي، فتبعتُه بخطوات ثقيلة وحذرة.
فتح باب غرفته العلوية، وأخذ غطاءً إضافياً ووسادة من الفراش:. "سأكون بالأسفل... إذا أردتِ أي شيء فناديني."
تركني وخرج، وملامح الغضب والإحباط واضحة على وجهه. أغلق الباب خلفه، وسقطتُ على طرف الفراش أتنفس بصعوبة وشعور بالذنب يعصر قلبي لأنني تصرفتُ معه بتلك القسوة والجفاء بعد كل ما قدمه لي...
لكن عقلي وروحي المجهدتان معذورتان؛ فتلك المذعورة في داخلي عاشت أسوأ ما يمكن لفتاة أن تواجهه مع رجل، وأصبحت الريبة هي درعي الوحيد للنجاة.
بمجرد أن أُغلق الباب وانفردتُ بنفسي، انهارت آخر قشيرة من ثباتي المزيف. اندفعت ذكرياتي المظلمة كالسيل لتطمس أي شعور بالأمان...
تذكرتُ ليلة ملعونة في لندن حين اقترب مني داني بتلك النبرة الدافئة ذاتها، وبذات الملامح الهادئة والجسد المكشوف. كان يبتسم في البداية ويمسك بيدي بنعومة، متظاهراً بالحنان والألفة، قبل أن تتحول تلك الابتسامة في ثوانٍ معدودة إلى وحشية مفترسة، حين احتجزني في زاوية الغرفة مستغلاً ضخامة جسده مقارنة بجسدي الضئيل، متجاهلاً توسلاتي وبكائي، ليحيل دفء المكان إلى جحيم من الألم والخنق والرعب القاتل.
حيث مارس الجنس معي بوحشية وجنون، والعديد من الليالي التي انتهك بها جسدي بعنف قاتل، ليجعلني على حافة الموت أو الجنون...
كان اقتراب جيمس مني بتلك الطريقة، وعيناه العسليتان اللتان تحاصران حركتي، وجسده العاري العريض القريب جداً من خطاي، يعيد استحضار حواس تلك الليلة الكابوسية بالحرف؛ شعرتُ وكأن الهواء يُسحب من رئتي، وكأن يد داني تطبق على عنقي من جديد.
صرتُ أرتجف بهستيريا، أربط بين كل يدٍ رجالية تمتد ونية بالبطش، وكل نبرة دافئة وفخ منصوب.
دفنتُ وجهي بين كفيّ المرتجفتين وأنا أجهش بالبكاء في صمت، أشهق بحرقة وضياع... لم أكن أقصد إهانة جيمس أو جرح كبريائه وهو الذي فتح لي بيته وناولني الدفء، لكن عقلي المنهك وجسدي المحطم لا يستوعبان الفارق بعد.
لقد أصبحتُ سجينة صدمة مظلمة وجرح غائر، تجعلني أرى في كل حنيةٍ خطراً، وفي كل رجل طيف داني الذي يلاحقني ليقضي على ما تبقى مني.
لا أعرف متى أو كيف سأتخطى هذا الشعور، لكن الشيء الوحيد الذي أعرفه، أنني يجب أن أسيطر على نفسي قبل أن تفضحني تصرفاتي وتشكك من حولي بي.
الفصل 64---جيمسمرّت الأيام بعد غيابها وكأنها دهور من العذاب البطيء. لم أكن أدرك أن حجم الفراغ الذي ستتركه خلفها قادر على أن يسحقني بهذا الشكل المبرح. تدهورت حالتي الصحية والنفسية يوماً بعد يوماً؛ فقد كنتُ أذوب ببطء وأفقد رغبتي في الحياة، شاحباً، غارقاً في أرق أبدي، لا يربطني بالحياة سوى خيط واهٍ من الذكريات وصورتها وهي تصعد تلك الحافلة الحزينة.دمر غيابها كل مفهوم بنيته لحياتي. كانت هي المعنى الوحيد لكل شيء، وحين اختفت، تحول كل ما حول رماداً. كنتُ ألوم نفسي كل ثانية، أكل روحي بسكاكين الندم لأنني كنتُ ذلك الجلاد الغبي الذي دفعها للهروب وهي تحمل في أحشائها توأمها وتوأمي. كيف طاوعني قلبي أن أهددها بالاجهاض؟ كيف لم أرَ كم كانت خائفة ومجروحة؟بقيتُ أبحث عنها في كل مكان، وكلما مرّ يوم دون أن أجد لها أثراً، كان شعور العجز يمزق صدري أكثر. لم أستطع البقاء في هامبستيد؛ فقد كان المنزل يضيق بأنفاس طيفها الذابل، وكانت زواياه تصرخ باسمها. لذا، اتخذتُ قراراً جذرياً؛ تركتُ القرية تماماً، وانطلقتُ أجوب البلاد من أقصاها إلى أقصاها.لم أكن أجول عبثاً؛ بل بدأتُ أوسع نطاق أعمال عائلتي وأسسست إمبراطو
الفصل 63---ليامرّت الأيام في بلدة "ستان مور" بطيئة ومحملة بسلام غريب يشبه هدوء ما بعد العاصفة. تحول ملجأ الأطفال واليتامى تدريجياً إلى درع حقيقي يحميني من قسوة العالم الخارجي، ومن شبح الماضي الذي كان يطارد خطاي في كل مكان. وجدتُ في ذلك المكان البسيط، المليء بضحكات الصغار وبراءتهم، متنفساً أعاد لروحي شيئاً من التوازن.لم أكن أكتفي بالمكوث في غرفتي الصغيرة، بل بدأتُ أعمل جنباً إلى جنب مع السيدة شير في إدارة الملجأ والاعتناء بالأطفال. كنتُ أقضي ساعات طوال ألاعب الصغار، أساعدهم في دروسهم، وأحكي لهم الحكايات قبل النوم. في كل مرة كانت كفّ طفل صغير تمسك بأصبعي، أو يبتسم لي أحدهم ببراءة، كان شعور دافئ وعميق يسري في صدري، كأن هؤلاء الأطفال قد اختاروا أن يرمموا جزءاً من انكسارات روحي دون أن يشعروا.لاحظت السيدة شير، بحنانها الأموي الفطري، كل تفصيلة تخصني. كانت تحيطني برعاية بالغة تشبه رعاية الأمهات الحقيقيات؛ فهي لم تقصر يوماً في إعداد وجبات صحية دافئة لي، وتصر دائماً على أن أتناول طعامي بانتظام، مرددة دائماً بنبرة حنونة: "أنتِ لا تملكين جسداً واحداً لتهمليه، ابنتي.. أنتِ تحملين حياة أخرى
الفصل 62---جيمسلم تكن الساعات تمرّ، بل كانت تحترق كالجمر الحارق تحت أقدامي. لم أذق طعم النوم، ولم يعرف الجوع أو الراحة طريقاً إلى جسدي منذ تلك اللحظة اللعينة التي وجدتُ فيها رسالتها على الفراش الخالي. تحولت حياتي بأكملها إلى مطاردة محمومة ومجنونة بحثاً عن أثر يقودني إلى ليا.بدعم شخصي ومباشر من السيد فينيك، رئيس مركز الشرطة في لندن، تحركنا بكل ما أوتينا من نفوذ وقوة. استنفرنا رجال الشرطة، ونشرنا صورها وأوصافها على كافة الدوريات والمحطات الإقليمية الممتدة بين المقاطعات.كنتُ أركض بسيارتي كالبرق، أفتش في كل زاوية، وأسأل في كل مقهى، فندق، ومحطة قطار أو حافلات قد تكون عبرت من خلالها. كنتُ أنظر إلى وجوه النساء في الشوارع بلهفة قاتلة، لعلّني ألمح قوامها الرقيق أو خصلات شعرها، لكن كل الأبواب كانت توصد في وجهي بخيبة مريرة تزيد من جنوني.وصلنا أخيرًا، برفقة لويس ورجال الشرطة، إلى خيط الأمل الوحيد؛ تتبع خط سير الحافلة الصباحية التي استقلتها ليا في ذلك الفجر المظلم. مسافة طويلة على طول الطريق السريع الذي سلكته الحافلة، نراجع كاميرات المراقبة الخاصة بالبلدات والقرى الواقعة على امتداد الخط.لكن
الفصل 61---لياتوقفت حافلة الركاب البالية عند مدخل بلدة "ستان مور" النائية، بعد وقت طويل من رحلة الحافلة التي شقت طريقها عبر الضباب والرياح الباردة. نزلتُ من حافلة العذاب بخطوات متثاقلة، وأنا أضم معطفي الثقيل حول جسدي بارتجاف، وأحكم قبضتي بحقيبة سفري الصغيرة وكأنها طوق النجاة الوحيد المتبقي لي في هذا العالم الواسع.كانت البلدة صغيرة وغريبة عني تماماً، طابعها القديم وشوارعها الخالية إلا من بعض المارة القلائل تزيد من شعوري بالوحشة والضياع. سرتُ على غير هدى بين الأزقة الحجرية المظلمة، وأنا أشعر بغثيان خفيف ودوار حاد يجتاح رأسي من اثر الإرهاق وقلة النوم والجوع الشديد الذي بدأ ينهش معدتي. أدركتُ أنني بحاجة ماسة لتناول طعام يمدني بالقدر الضئيل من القوة لمواصلة طريقي والبحث عن مأوى بعيد جداً عن هامبستيد، بعيد عن عينيّ جيمس وبحثه المحتوم عني.وجدتُ مقهىً صغيراً يقع في زاوية الشارع، فدفعت بابه ودخلت لأجلس في أبعد ركن مظلم. طلبتُ قدحاً من الشاي الساخن وقليلاً من الخبز، وصرتُ أحرك الملعقة ببطء بينما كانت الدموع تنهمر على وجنتي بغزارة وصمت لا يتوقف. كل تفصيلة صغيرة حولي كانت تذكرني بجيمس؛ ب
الفصل 60---جيمسكانت الصرخة التي أطلقتها في سماء هامبستيد الصباحية كأنها مزقت أضلعي قبل أن تشق ضباب القرية البارد. كان الهلع ينساب في عروقي كالمصل المسموم، يجمد التفكير في رأسي ويتركني فريسة لجنون عارم لم أختبره حتى في أحلك ليالي مواجهتي مع داني.تراجعتُ إلى الخلف خطوتين وأنا أتنفس بجهد، وعيناي المحمرتان تنظران إلى الفناء الخارجي الخالي إلا من أثر خطواتها الخفيفة التي ابتلعها الجفاف.لم أتردد؛ اندفعتُ كالمجنون بين الطرقات الترابية المحيطة بالمنزل، أصرخ باسمها بعلو صوتي، أفتش خلف المزارع الخشبية، بين الأشجار العتيقة، وحول الإسطبلات.كنتُ أركض بحفاء يائس، أتعثر بالحصى وأحجار الطريق دون أن أشعر بوجع قدميّ، فكل خلية في جسدي كانت تصرخ باسم "ليا"."ليا! ليا... أرجوكِ!"حين لم أجد لها أثراً، اندفعتُ بنشيج مكتوم نحو منزل هانا القريب. ضربتُ الباب بقبضتي المرتجفة ضربات متتالية صاخبة هزت الخشب. فتحت هانا الباب بملامح تفاجأ بها النعاس، غير أن ملامحها تغيرت فوراً لرعب حقيقي حين رأت هيئتي؛ وجهي الشاحب كالجثة، وعينيّ الممتلئتين بالدموع، وشعري المبعثر.أمسكتُ بكتفيها بضغط مجنون وسألتها بصوت متحشرج
الفصل 59---جيمسظللتُ جالساً على رمال الشاطئ الباردة طوال الليل، أصارع أشباح أفكاري واضطراب روحي حتى غاصت الساعات في عتمة الفجر الأولى. لم تكن دموعي قد جفت، لكن شيئاً ما داخل صدري كان يعيد ترتيب وعيي بطريقة مؤلمة وموجعة. طوال ساعات السهاد تلك، وأمام اتساع البحر المظلم، أدركتُ شيئاً كنتُ أعمى عنه وسط نوبات الهلع؛ لقد كنتُ قاسياً.. قاسياً إلى حد المرارة مع المرأة التي عاهدتُ نفسي على حمايتها من كل أذى.صحيح أنني كنتُ أرتجف رعباً من فكرة خسارتها، وصحيح أن التقرير الطبي كان ينذر بموت محتم إن استمر الحمل، لكن هل كان يجب أن أتعامل مع الأمر بسلطوية عمياء تفرض عليها الموت المعنوي بسلبها حقها في الاعتراض؟ لقد تصرفتُ كجلاد لا كزوج محب؛ اتخذتُ القرار بمفردي، وأغلقتُ باب النقاش بوجهها، ونسيتُ أن ليا ليست مجرد كائن أملكه، بل هي إنسانة عاشت سنوات من القهر والعبودية تحت وطأة داني، وكانت أشد ما تحتاجه هو الأمان والاحتواء، لا السجن والقهر الجديد!ومع تباشير النور الأولى التي بدأت تتسلل بخيوطها الباهتة فوق أفق هامبستيد، تملكتني رغبة مجنونة وملحة بالعودة سريعاً. فكرتُ في أنني يجب أن أتراجع عن هذا ال







