로그인الفصل 9
---
جيمس
كانت الساعة تشير إلى الواحدة والنصف صباحاً بتوقيت لندن. المطر ينهطل بغزارة شديدة، وأصوات قطراته الثقيلة وهي ترتطم بالأسفلت تسد الآذان، مصحوبة ببرودة قارسة تخترق العظام.
كنتُ أركض بأقصى سرعتي في الشارع المظلم الشبه مهجور، متفادياً برك المياه المتجمعة، أحاول الوصول إلى سيارتي المركونة على جانب الطريق قبل أن أتبلل بالكامل.
فتحتُ باب السيارة بسرعة، وقفزتُ إلى المقعد الأمامي وأنا أنفض أثر المطر عن ذراعيّ.
سحبتُ نفساً مجهداً ووضعتُ المفتاح في موضع التشغيل، أدرته بلهفة... لكن المحرك أطلق صوتاً متلعثماً ومكتوماً، ثم انطفأ كلياً.
حاولتُ مجدداً، أدرتُ المفتاح بضغط أكبر، فتجاوبت السيارة بنشيج ضعيف قبل أن تخمد أضواء لوحة القيادة تماماً!
ضربتُ عجلة القيادة بقبضتي متأففاً بقلة حيلة:
"يا إلهي... ليس الآن!"
أعدتُ المحاولة عدة مرات متتالية، لكن المحرك تعنت ورفض الاستجابة نهائياً، وكأن الحظ يعاندني في هذه الليلة الليلاء. تسارع نبض قلبي بقلق خفيف؛ فالوقت متأخر جداً، والشارع خالٍ تماماً، وتغطية الهاتف كانت ضعيفة في هذه الضاحية للاتصال برافعة.
وفي وسط ذلك السكون المريب وصوت المطر المتواصل، لمحتُ عبر المرآة الجانبية أضواء ملوّنة تقترب ببطء... كانت سيارة شرطة تجوب المنطقة في وردية حراسة ليلية. تباطأت السيارة تدريجياً حتى توقفت تماماً بجانب سيارتي المتعطلة.
قبضتُ على عجلة القيادة لثوانٍ بتوجس غريزي، ثم خفضتُ زجاج النافذة قليلاً، ليطل عليّ شرطي يرتدي معطفه الرسمي ويميل برأسه نحو الشباك متفحصاً: "هل تحتاج مساعدة؟"
تنفسّت الصعداء وأجبتُه بصوت مسموع عبر سيمفونية المطر: "أجل... السيارة توقفت فجأة ولا تريد التشغيل."
تأملني الشرطي لبرهة من خلف المطر الساقط على زجاج سيارته، ثم قال بنبرة هادئة ومسؤولة: "حسناً... تعال لأقلك، الجو لا يسمح بالانتظار هنا."
نزلتُ من سيارتي فوراً، وسحبتُ قلنسوة معطفي المطر الداكن لأغطي بها رأسي ووجهي جزئياً حماية من الانهمار السريع للماء، ثم هرولتُ ونقلتُ خطاي نحو سيارة الشرطة.
فتحتُ الباب الخلفي وجلستُ على المقعد، وأنا أعدل ياقة معطفي وألتف بالدفء المفاجئ داخل السيارة.
التفت إليّ الشرطي من مقعده الأمامي عبر المرآة وسألني:
"أين منزلك؟"
أجبتُه بصوت متزن وأنا أزيح القلنسوة قليلاً عن عينيّ:
"أنا أقيم في فندق حالياً..." ثم أعطيته اسم الفندق والعنوان بالتفصيل.
شغّل الشرطي المحرك وانطلق بنا عبر شوارع لندن المبتلة والمظلمة. انتابني شعور غريب بالتوتر وأنا أجلس في الخلف، تحيط بي معدات الشرطة وأجهزة اللاسلكي التي تتكتك بصوت خافت بين الفينة والأخرى.
نظر إليّ الشرطي عبر المرآة أثنار قيادته وقال بملاحظة تدل على فراسة عمله: "يبدو أنك لست من هنا..."
أومأتُ برأسي وأوضحتُ له بابتسامة خفيفة: "لا، أنا من هامبستيد... أعمل في لندن لعدة أيام ثم أعود للقرية."
قال بفضول وهو يتابع الطريق المظلم: "آه... الجو ليس بتلك البرودة في هامبستيد، أليس كذلك؟"
رددتُ بتذكر لأجواء قريتي الساحلية:
"أحياناً يكون أشد سوءاً من هذا."
ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يقطع الشرطي الهدوء بقصة جانبية:
"لدي أصدقاء نقلوا عملهم حديثاً إلى هامبستيد."
ابتسمتُ بثقة وقلت: "حقاً؟ أنا أعلم كل من بالقرية تقريباً، إنها صغيرة."
التفت نحو الخلف التفاتة خاطفة وسألني بنبرة روتينية:
"ما اسمك؟"
تريثتُ لثانية ثم أجبتُه بنبرة واثقة:
"جيمس... جيمس آشفورد."
امتد عنقه للخلف قليلاً بابتسامة بطيئة وهو يحييني بنبرة رسمية يعرّف بنفسه: "داني فليتشر."
ضغطتُ على أطراف أصابعي محاولاً الحفاظ على هدوء ملامحي تماماً حتى لا يلاحظ حساسية الموقف، وقلتُ بنبرة مجاملة ومستقرة: "تشرفتُ بك، سيد فليتشر."
مرت الدقائق القليلة المتبقية من الطريق ثقيلة ومحملة بالترقب الحذر. كنتُ أراقبه من الخلف وهو يقود، أتأمل بنية جسده ونبرة صوته.
توقفت سيارة الشرطة أخيراً أمام المدخل الرئيسي للفندق. وقبل أن أفتح الباب لأنزل، التفتُ إليه بنبرة هادئة ودعوة متصنعة لأستكشف المزيد: "يمكنك القدوم لقضاء إجازتك في القرية... ستحب المكان هناك كثيراً."
ابتسم الشرطي "داني" وهو يهز رأسه بنظرة غموض:
"ربما في وقت لاحق..."
ابتسمتُ له بجمود، وودعته ثم تركتُ السيارة واتجهتُ فوراً ونقلتُ خطاي السريعة نحو مدخل الفندق، بينما كان ذهني يشتعل بالأسئلة والشكوك حول هذا الشرطي المدعو داني، فطريقة حديثه ونبرته ليست مريحة أبداً.
الفصل 41---ليانزلتُ بعد أن رحل جيمس، وحضرتُ له الفطور كما وعدته، محاولةً تهشيم ثقل الخوف الذي يربض على صدري. خرجتُ بعدها إلى الساحة الخضراء لأرى "شادو"، فوجدته لا يزال يربض على الأرض الطينية في الإسطبل بعناد. اقتربتُ منه وجلستُ على الأرض أمامه بتردد وخوف خفيف.تأملتُ ملامحه الضخمة وهمستُ بنبرة حزينة: "أنا أشعر بالخوف لجلوسي هكذا... لكنني أشعر أنني بحاجة ماسة للتحدث مع أحد قريب لجيمس، شادو. أشعر برعب قاتل من فكرة فقدانه، أشعر أن كل ثانية تمر عليّ وأنا أخفي عنه حقيقتي هي مثل حبل مشدود حول عنقي يخنقني ببطء."وفجأة، انتفض الحصان واقفاً واعتلي رأسه ليطلق صهيلاً مدوياً ومتتالياً هز أرجاء المكان! تملكني الرعب منه فنهضتُ مسرعة وتراجعتُ للخلف حتى أصبحتُ ألتصق بجدار الغرفة الخلفية. دفعت جبهة الحصان الباب الخشبي للإسطبل ففتحه بجموح، وركضتُ أنا بفرائص مرتعدة.توقف شادو عند بوابة الحظيرة الخشبية الخارجية، والتفت إليّ وكأنه ينتظر مني فتح الباب له ليطلق ساقيه. اقتربتُ بخوف وتردد شديدين وفتحتُ المزلاج النحاسي؛ فتقدم شادو فوراً وفرك أنفه العريض بكتفي بدفء. أمددتُ يدي ببطء شديد حتى لامستُ فراءه الن
الفصل 40---جيمسخرجتُ من المنزل متجهاً نحو الباحة المفتوحة، وكان هواء الصباح الرطب يلف المكان برائحة التربة المبللة بماء مطر الليلة الماضية. هناك، وعلى مقربة من جذع الشجرة العتيقة، وجدتُ "شادو" يجلس على الأرض الطينية في هدوء مخادع، وكأنه لم يكن قبل ساعات قليلة بركاناً ثائراً ينهب الأرض تحت المطر.اقتربتُ منه بخطوات بطيئة وجثوتُ على ركبتيّ أمامه مباشرة، ثم مددتُ يدي لأمسد على أنفه العريض ونعومة الفراء حول جبهته بنبرة عتاب حنونة يمتزج فيها القلق بالارتياح: "أنت فتى سيء... أتعلم هذا؟ لقد كدتُ أفقدها بسببك بالأمس، ولم أكن لأسامح نفسي أبداً لو حدث لها أي مكروه."حرك الحصان أنفه بعناد وثقل ليبعد يدي عنه، ومط شفتيه متأففاً وكأنه يرفض تقبل اللوم أو الاعتراف بخطئه الجسيم. ابتسمتُ بقلة حيلة وهززتُ رأسي بيأس من طباعه المتمردة التي تشبهني في كثير من الأحيان: "أخبرتكَ أنك أصبحتَ مجنوناً، شادو، تعال لأخرجك إلى الحظيرة."مددتُ يدي إلى رسنه وحاولتُ سحبه للنهوض، لكنه أظهر رفضاً قاطعاً؛ ثبّت ثقله على الأرض ولم يتحرك إنشاً واحداً من مكانه، يرمقني بأذنين منصبتين تحدياً. تنفستُ بثقل وشعرت باليأس من إقن
الفصل 39---لياكان الصباح في "هامبستيد" يضج بالحياة والحركة المفرطة التي لم تعتدها القرية النائية من قبل؛ فالجميع يعمل على قدم وساق بلا استراحة، والصخب الصباحي يملأ الأزقة والمزارع. كان لويس لا يستطيع ملاحقة الطلبات اليومية للناس من شدة الزحام، ومطعم هانا ممتلئ عن آخره بالزبائن والعائلات التي توافدت إلى القرية من المناطق المجاورة، يطلبون طعامها التقليدي الشهير الذي يفوح بعرق القرية وأصالتها.العمال في المزارع يواصلون الليل بالنهار لإنجاز أكبر قدر ممكن من الأعمال والمهام، أصحاب المحلات التجارية يجهزون الألعاب والهدايا للأطفال، والنساء يزينّ خط الشاطئ بالورود الملونة والأشرطة الزاهية، بينما يتكاتف شباب القرية لنقل صناديق الألعاب النارية وتجهيز ساحة العرض.أما عن عالمنا الصغير... فكنا غارقين في نوم عميق ووادع، نغوص في دِفء الفراش كعصفوري حب معزولين عن كل ما حولنا.استيقظ جيمس قبلي، وفرك وجهه بتعب وإرهاق أثقل كاهله من مشاق اليوم الماضي. استدار برفق ومسد على شعري، ثم انخفض وطبع قبلة حنونة ودافئة على رأسي قبل أن يزيح اللحاف بهدوء وينهض متجهاً إلى الحمام. غسل وجهه بماء بارد ليطرد آثار ال
الفصل 38---لياأومأتُ برأسي موافقةً والدفء ينساب في جسدي المرتجف، ونزعنا ملابسنا المبتلة برفق، تاركين كل ثقل الأيام ينزلق عنا مع المطر المنسكب بالخارج. ملأ جيمس حوض الاستحمام بالماء الساخن الذي تصاعد منه البخار الكثيف ليملأ أرجاء المكان بالدفء والأمان. جلستُ في الحوض أمامه، مستندة برأسي للخلف على صدره العريض العاري، أستشعر نبضات قلبه المتزنة التي أزاحت عن صدري كابوس ذلك اليوم بأكمله.رفعتُ يدي لأمسك بيده الملتفة حول خصري، وهمستُ له بصوت خفيض يمتزج بصوت خرير المياه:"جيمس... هل يمكنك الغناء لي؟"انخفض برأسه قليلاً وقبل شحمة أذني ببطء ولين، لترتعد أوصالي بلذة دافئة، ثم همس عند أذني:"بالطبع، جميلات الجميلة..."بدأ يغني بلحنٍ شجيّ ودافئ، كان صوته الحنون ينساب كالبلسم فوق ندوبي، يطرد خوف القتل والمطاردة وداني فليتشر بعيداً عن مخيلتي. أغمضتُ عينيّ وأنا أستمتع بنبرته الرخيمة التي لم تكن مجرد أغنية، بل كانت وعداً صامتاً بالحماية والاحتواء.ما إن انتهى من أغنيته حتى استدارتُ بجسدي المبتل داخل الماء لأواجهه بالكامل، وجلستُ مقاطعةً له. أمسكتُ بوجنتيه ولحيته المبتلة بأطراف أصابعي، وانخفضتُ لأق
الفصل 37 ----ليا انفجرتُ في بكاء هيستيري وشهقات متقطعة، والدموع تختلط بقطرات المطر على وجهي: "لا أعلم... أنا... أنا أردتُ فقط أن..."لم يدعني أكمل؛ جذبني فجأة إلى صدره بقوة وعناق دافئ، وضمّني إليه بكل ما أوتي من قوة، ثم أخذ يربت على شعري المبتل ويطبع قبلات متتالية خائفة على أعلى رأسي: "حسناً... لا تخافي، أنا هنا... أنا معكِ."في هذه اللحظات، توقفت سيارة الشرطة ونزل منها السيد فينيك يركض نحو المخاطرة: "هل كل شيء بخير، جيمس؟"بآلية مفزوعة، دفنتُ وجهي بالكامل في عمق صدر جيمس وخبأتُ ملامحي تماماً حتى لا يلمح الشرطي وجهي أو يتفحصني!رد جيمس بثبات وهو يغطي جسدي بسترته ويده تحيط برأسي: "نحن بخير، سيد فينيك... لا تقلق، الإرهاق فقط غلب الحصان."كان المطر لا يزال يهطل بغزارة، فأشار جيمس إليّ للركوب في سيارة فينيك ليعود بي إلى المنزل، بينما يتولى هو قيادة شادو.لكنني تمسكتُ بقميصه وهمستُ برعب من الابتعاد عنه أو البقاء مع الشرطي: "لا، جيمس... أريد القدوم معك!"تطلع إليّ باستغراب: "مجدداً؟!""لنتمشى... أرجوك."التفت جيمس نحو المفتش وقال باحترام: "أعتذر منك، سيد فينيك... هل يمكنك العودة بالسيارة
الفصل 36---لياركضتُ سريعا نحو الحظيرة الخشبية والامطار تتهاطل على وجهي، وأمسكتُ بزمام "شادو" محاولةً سحبه إلى الداخل ليتقي برودة المطر.لكن شادو كان يعاند برأسه المرفوع ويرفض الخضوع، يدق بأحذيته النحاسية على الأرض الطينية بلا رغبة في الدخول.شددتُ المقود بفرائص مرتعدة وهتستُ بتوسل:"شادو... أرجوك تحرّك، لندخل إلى الداخل!"ارتفع صهيل الحصان المجلجل والجميل في أرجاء المكان، كان عالياً للغاية حتى أنه لفت انتباه جيمس بالداخل، فجعل يطل من نافذة الغرفة العلوية مبتسماً بدفء وهو يراقب شادو وهو يداعبني ويريد اللعب معي في المطر.تراجعتُ إلى الخلف وأنا ألهث والذعر يلتف حول عنقي: "هيا شادو... أنا في وضع صعب وقاتل، لا تجعلني أتركك بالخارج أرجوك!"تحرك شادو بذكاء ونطح بجبهته العريضة السرج الملقى على الحافة الخشبية، محركاً إياه بأنفه الكبير نحو جهتي.تطلعتُ إليه بذهول: "هل تريد أن...؟ لا يا شادو، أنا لا أستطيع! لستُ جيدة مطلقاً في ركوب الأحصنة!"دفع شادو السرج بقوة ليسقط على الأرض الترابية، ثم أخذ يدحرج تجاه قدميّ بأذنيه المنصبتين.تنهدتُ بقلة حيلة وأنا أرفع نظري إلى السماء الماطرة: "يا إلهي! الص







