ログインالفصل 8
---
ليا
بقيتُ مستلقية على فراش جيمس العلوي، أتقلب بانزعاج وشعور بالذنب يأكل أطرافي. كان عقلي يحترق بالتردد والتساؤلات: هل أنزل إليه الآن وأعتذر عن انفعالي وجفائي؟ أم أترك الأمر يمر وكأنه لم يكن، تجنباً لمزيد من التوتر؟
مرت الساعات ثقيلة وخانقة حتى انقضت الليلة ، ولفت هامبستيد شمس يوم جديد.
استيقظتُ بنعاس، ونزلتُ درجات السلم بخطوات خافضة أبحث عنه في أنحاء البيت، لكنني لم أجد له أثراً. لم يكن هناك سوى طبق فطور دافئ أعده بعناية ووضعه على طاولة المطبخ، وبجانبه ورقة صغيرة مطوية.
سحبتُ الورقة بإنهاك وفتحتها لأقرأ خط يده الأنيق:
*(أنا أعتذر عن تطفلي بالأمس، لا أريدكِ أن تشعري بالانزعاج بسببي إطلاقاً. لقد ذهبتُ إلى لندن وسأعود غداً.. يمكنكِ البقاء في المنزل بحرّية حتى أعود وأقوم بإصلاح الباب... جيمس.)*
اعتصر قلبي ألم خفيف؛ وسرت في حلقي مرارة حزن لأنني لم أنزل بالأمس لأعتذر منه وأشرح له ما أعيشه. تناولتُ الفطور الذي أعده لي والابتسامة تتسلل إلى شفتي رغماً عني... كيف لشخص أن يكون بهذا اللطف والرقة رغم كل القسوة التي قابلته بها؟
ذهبتُ إلى الغرفة الخلفية ذات الباب المكسور، جمعتُ بعض ملابسي وأبدلت ثيابي سريعاً، ثم انطلقتُ نحو مطعم هانا لأبدأ عملي.
طوال النهار، كنتُ شاردة الذهن تماماً، أحوم بآلية بين الطاولات دون أن يستقر عقلي في مكان. وفي منتصف الوردية، أعدت إحدى النادلات طلباً وسلّمتني إياه لأوصله لأحد الجداول... رفعتُ بصري، لتتصل نظراتي بثلاثة من رجال الشرطة يجلسون بزيّهم الرسمي!
تسمرتُ في مكاني، وضرب الرعب شريان عنقي كالصاعقة. تراجعتُ للورا بخطوات مرتبكة وعدتُ إلى المطبخ والأطباق ترتجف بين يديّ.
لمحتني هانا وأنا أستند إلى الحائط بوجنتين شاحبتين، فأقبلت نحوي بقلق: "ليا؟ ما بكِ يا فتاة؟"
تأتأت بنبرة مرتجفة: "لا... لا شيء، فقط لستُ بخير."
تأملت وجهي وسألتني: "هل تشعرين بالدوار أو ما شابه؟"
تمسكْتُ بالقشة وقلت: "أجل... ربما لأنني لم أنم جيداً بالأمس."
سارعت بنصحي بحنان: "حسناً، اخرجي إلى الهواء الطلق قليلاً وتناولي عصيراً طازجاً، وحين تشعرين أنكِ أفضل عودي للعمل."
استمعتُ لنصيحة هانا وخرجتُ فوراً. جلستُ عند الرصيف المقابل للشاطئ، أرقب الشاطئ والماء الممتد وأستنشق نسمات البحر الرطبة.
غاص عقلي مجدداً في ذكريات أسوأ أيامي مع داني، ذلك الوحش الذي دمر كل لحظة جميلة في حياتي وأفقدني أماني... ولا أعلم لماذا في هذه اللحظة بالذات، تمنيتُ من أعماقي أن أرى جيمس أمامي.
كان الشخص الوحيد الذي خطر على بالي، وحضوره الفكري وحده منحني شيئاً من السكينة.
عُدتُ إلى المطعم واستأنفتُ العمل فور مغادرة رجال الشرطة المكان. وعندما انتهت الوردية في وقت متأخر، سرتُ بخطوات متعبة نحو بيت جيمس.
فوجئتُ بالأضواء المشتعلة تنبعث من النوافذ! ابتسمتُ تلقائياً وقلبي ينبض بلهفة، وركضتُ نحو الباب وأنا أظن أنه عاد من لندن. لكن حين فتحتُ الباب، جمدتُ في مكاني... لم يكن جيمس.
تراجعتُ خطوة للخلف وقلت بذهول: "أوه... من أنت؟"
ابتسم الشاب الجالس في الصالة وقال بنبرة ودودة: "أنا صديق جيمس... أنتِ الفتاة التي تسكن في الباحة الخلفية، أليس كذلك؟"
تأملتُ ملامحه لثوانٍ، ثم ابتسمتُ بتذكر: "أجل، أنا هي... لقد تذكرتك! أنت صاحب المحل الذي تناولتُ فيه القهوة يوم أتيتُ للقرية، صح؟"
أومأ برأسه بالإيجاب: "بالضبط، إنه أنا."
سألته بتوجس لطيف: "إذاً، ماذا تفعل هنا؟"
أجاب وهو يشير إلى بضعة أوراق على الطاولة: "لقد تركتُ بعض الأوراق الرسمية هنا عند جيمس أول أمس حين كنا نقضي السهرة عنده." فقلتُ بقلة حيلة: "آه... لكن جيمس ليس هنا، لقد ذهب إلى لندن."
رد باطمئنان: "أجل، أعلم... لقد مرّ عليّ صباحاً وأخبرني."
ساد الصمت بيننا لثوانٍ ونحن ننظر لبعضنا، قبل أن يقطع هو التردد بابتسامة: "نسيتُ أن أعرفكِ بنفسي... أنا لويس، لويس هاميلتون."
رددتُ برقة: "أهلاً لويس، أنا ليا... ليا ويلسون."
ابتسم وقال: "لا بأس، أنا أعرف اسمكِ بالفعل."
نظرتُ إليه بتعجب واستغراب، فضحك بلطف ليشرح لي: "لا داعي للتعجب... الجميع هنا يعرف بعضه هنا في هامبستيد، ولذلك بمجرد وصولكِ، عرفت القرية بأكملها اسمكِ."
تفهمتُ الوضع وهززتُ رأسي بموافقة، ليردف لويس باعتذار: "لم أكن أعلم أنكِ ستأتين الآن... لقد شدد عليّ جيمس أن آتي في الصباح وأنتِ في العمل حتى لا أزعجكِ."
شردتُ في كلماته لثوانٍ؛ كم هو شخص مراعٍ ومتفهم لأقصى حد! رغم أنه بيته وممتلكاته، إلا أنه حرص ألا يرسل أحداً إلى المنزل وأنا بمفردي فيه؛ كي لا يثير خوفي أو إحراجي.
أجبتُ بصوت خافت: "لا بأس... إنه بيته في النهاية."
نهض لويس وسحب أوراقه: "حسناً، سأستأذن أنا الآن."
"حسناً، رافقتك السلامة."
خرج لويس وأغلقتُ الباب خلفه بإحكام، ثم صعدتُ إلى الغرفة العلوية.
كان الجو في الخارج يزداد سوءاً بشكل مخيف؛ بدأت الأمطار تهطل بغزارة شديدة، وصوت الرعد يدوي في أرجاء القرية ويهز النوافذ.
اجتاحني الخوف والذعر من الرياح التي كانت تحرك الأبواب بقوة، فنزلتُ سريعاً وأغلقتُ نوافذ المنزل وأبوابه بالكامل، ثم صعدتُ مجدداً للغرفة.
جلستُ على الفراش وضننتُ ركبتيّ إلى صدري، أضم جسدي الصغير بذراعين مرتجفتين مع كل ضربة رعد تهز السقف...
كان السؤال الوحيد الذي يتردد في عقلي وسط الظلام والدوي الخارجي. *(أين أنت الآن، جيمس؟)*
ومع استمرار الرعد وطول الانتظار، غلبني الإرهاق الشديد وغفوتُ وأنا جائثة في مكاني، ليسقط جسدي المجهد مائلاً على الفراش، غارقةً في نومٍ مرهق ومضطرب.
الفصل 8---ليابقيتُ مستلقية على فراش جيمس العلوي، أتقلب بانزعاج وشعور بالذنب يأكل أطرافي. كان عقلي يحترق بالتردد والتساؤلات: هل أنزل إليه الآن وأعتذر عن انفعالي وجفائي؟ أم أترك الأمر يمر وكأنه لم يكن، تجنباً لمزيد من التوتر؟مرت الساعات ثقيلة وخانقة حتى انقضت الليلة ، ولفت هامبستيد شمس يوم جديد.استيقظتُ بنعاس، ونزلتُ درجات السلم بخطوات خافضة أبحث عنه في أنحاء البيت، لكنني لم أجد له أثراً. لم يكن هناك سوى طبق فطور دافئ أعده بعناية ووضعه على طاولة المطبخ، وبجانبه ورقة صغيرة مطوية.سحبتُ الورقة بإنهاك وفتحتها لأقرأ خط يده الأنيق:*(أنا أعتذر عن تطفلي بالأمس، لا أريدكِ أن تشعري بالانزعاج بسببي إطلاقاً. لقد ذهبتُ إلى لندن وسأعود غداً.. يمكنكِ البقاء في المنزل بحرّية حتى أعود وأقوم بإصلاح الباب... جيمس.)*اعتصر قلبي ألم خفيف؛ وسرت في حلقي مرارة حزن لأنني لم أنزل بالأمس لأعتذر منه وأشرح له ما أعيشه. تناولتُ الفطور الذي أعده لي والابتسامة تتسلل إلى شفتي رغماً عني... كيف لشخص أن يكون بهذا اللطف والرقة رغم كل القسوة التي قابلته بها؟ذهبتُ إلى الغرفة الخلفية ذات الباب المكسور، جمعتُ بعض ملاب
الفصل 7---ليادخلنا المنزل سوياً، وسارع جيمس بإضاءة الأنوار في المكان ليمنحني شعوراً بالأمان والاطمئنان. لمح ارتجافة جسدي الخفيفة أمام عينيه، فلم أكن أرتدي سوى شورت قصير وتيشيرت بدون أكمام، فجلب لي غطاءً دافئاً ليلفه حول كتفي بلطف."الجو يكون بارداً هنا في المساء... هل تشربين شيئاً ساخناً؟"تلعثمتُ بحرج وأنا ألف الغطاء حول جسدي: "لا أريد أن أزعجك..."ابتسم برقة وهو يهز رأسه: "ما بكِ يا فتاة؟ إنه مجرد كوب قهوة، أم أعدها لكِ شوكولاتة ساخنة؟""شوكولاتة ساخنة من فضلك..."ابتسم ودخل المطبخ، فلحقتُ به ووقفتُ عند حافة الطاولة أراقبه وهو يعد المشروب باحترافية.لم أستطع منع عينيّ من تفحص الجزء العلوي العاري من جسده؛ فقد خرج مسرعاً دون قميص، فتسمرت نظراتي بشرود على الوشوم الدقيقة التي تحتل مساحات متفرقة من كتفيه وجمال ذراعيه المشدودين.سألته بخجل محاولةً كسر هذا الصمت:."ألا تشعر بالبرد؟"نظر إلى جسده العاري ثم التفت إليّ بابتسامة دافئة:"لا، جسدي معتاد على هذه الأجواء."ناولني الكوب المشتعل بالدفء، وجلسنا سوياً عند طاولة المطبخ لنرتشف المشروب في سكون الليل."أنت تصنع مشروبات رائعة حقاً، سيد ج
الفصل 6---لياخرج جيمس وتركني بمفردي في الغرفة، لأسقط على طرف الفراش بتنهيدة ثقيلة يملؤها الإرهاق.كان صدري ينقبض برهبة وخوف جارف من فكرة الاقتراب من أي رجل آخر بعد الكابوس المظلم الذي عشته في لندن. بمجرد أن يخيم السكون، تنفتح أبواب الذاكرة رغماً عني ، لتستحضر تفاصيل تلك الليلة المرعبة بكل قسوتها...---"كايت...""أوه حبيبي، أتيت؟""أجل، انظري ماذا جلبت لكِ؟"أعطاني داني حقيبة أنيقة، فتحتها لأجد فستاناً أسود قصير بكتف واحد ، مطرزاً بالخرز اللامع حتى الخصر، بينما نصفه الآخر مصنوع من القماش الجلد الناعم."واو... إنه رائع حقاً، داني!""أريني كيف سيبدو عليكِ إذاً؟"دخلتُ الغرفة لأبدل ثيابي وارتديته، وحين خرجت وجدتُه يعد السفرة. أقبل نحوي بابتسامة يملؤها الإعجاب وأمسك بيدي:"تبدين رائعة يا حياتي.""حقاً؟"انحنى وقبّل عنقي بقوة وجنون: "بالطبع..."شعرتُ بأسنائه تعض على جسدي بحدة، ليجتاحني الانزعاج فوراً ، لقد كانت هذه طريقتَه المعتادة؛ يبدأ بالملاطفة والتودد، لينتهي بي المطاف مكبلة ومقيدة على الفراش حتى الصباح تحت رحمة قسوته.ابتعدتُ عنه بهدوء يحاول كتم الخوف: "لقد حضرتُ لك عشاءً لذيذاً."
الفصل 5---جيمسعدت إلى غرفتي العلوية بعد جلستي الطويلة في الشرفة، وجلست على طرف الفراش أخلع حذائي ببطء. سكنت عيوني على النافذة الزجاجية المقابلة تماماً لغرفة الضيوف في منزل هانا. أُضيئ النور هناك فجأة، وبغير قصد مني، وقع بصري على تلك الشقراء الذابلة ذات العينين الزرقاوين الساحرتين وهي تبدأ بخلع ملابسها الشاقة.جلستُ مشدوهاً لثوانٍ، قبل أن أبتعد عن النافذة بسرعة بابتسامة خطفتها من ثنايا الذهول، ثم أعدت نظري في غواية غير متوقعة لأجدها تقف بملابسها الداخلية فقط.تنهدت بعمق، متفادياً التلصص، وأطفأت نور غرفتي كلياً؛ كي لا تراني أو تتنبه لوجودي في العتمة. لم أكن لأحاول إنكار الأمر بيني وبين نفسي؛ لقد أعجبتني بلا أدنى شك، ومنذ اللحظة الأولى التي رأيتها فيها تلتحف الذعر عند موقف الحافلات. إنها من ذلك النوع المفضل لدي تماماً... شقراء بنكهة الغموض والهشاشة التي تغري بالتحدي.همستُ في نفسي وأنا أتأمل قوامها المتناسق من خلف الستار الخفيف: "يا إلهي... هذا الجسد بإمكانه إيقاف شاحنة كبيرة عن مسارها!"وفجأة، انتبهت هي للنافذة المفتوحة خلفها، فسحبت الستار بسرعة وجنون وهي ترتجف خوفاً، وكأن ذعرها انت
الفصل 4---لياأدخلتني هانا إلى منزلها الدافئ، ورافقَتني إلى الغرفة التي جهزتها لي بعناية. كانت الغرفة تفوح برائحة الزهور الناعمة، والفراش المرتّب يرتسل بالدفء الذي افتقدته لليالٍ طويلة.نظرت إليّ هانا بابتسامة حنونة وسألتني: "هل تريدين شيئاً آخر، ليا؟"ابتسمتُ لها بامتنان صادق وقلت: "لا، هانا، شكراً لكِ... أنا حقاً لا أعلم ماذا كنت سأفعل بدونكِ لولا لطفكِ معي."ردت برقة: "لا بأس، أنتِ مثل أختي الصغيرة تماماً."تأثرتُ بنبرتها وسألتها بتفضّل: "أوه... هل لديكِ أخت؟""أجل، هي في مثل سنكِ تماماً وتدرس في أكسفورد."انشرح صدري لسماع ذلك وقلت تلقائياً:"هذا رائع حقاً! لقد درستُ أنا أيضاً في أكسفورد."تطلعت إليّ باهتمام وسألتني: "حقاً؟ هل عائلتكِ تعيش هناك إذاً؟ وكيف انتهى بكِ المطاف هنا في هامبستيد بهذا الشكل المفاجئ؟"تجمّدت الدماء في عروقي لثانية، وانتابني ذعر خفي؛ إذ كيف لي أن أخبرها بالكابوس المظلم الذي فررت منه ليلة أمس؟ كيف أصارحها بأنني طعنتُ رجلاً مجنوناً يطاردني، وأن الدماء كانت تغطي كفّي، والشرطة تبحث عني في كل مكان؟أخفضتُ رأسي ونظرتُ إلى الأرض بابتسامة حزينة، محاولةً استحضار قص
الفصل 3---هامبستيد، الساعة الواحدة صباحاًجيمسكان الهدوء يلف هامبستيد بسكون تام ومطبق، هدوء لا يكسره سوى صوت أمواج البحر المتلاطمة بعيداً على الصخور، ونشيج الريح الخفيفة التي تلفح وجهي المرهق.كنت أقف في شرفة منزلي العلوي، أضع يدي في جيبي بينما الأخرى تدير سيجارة مشتعلة، ينبعث منها دخان رمادي يتصاعد ليتلاشى في عتمة الليل الشاسعة.كان جسدي يطالب بالراحة بعد يوم طويل وشاق؛ فقد قضيت نهار اليوم بأكمله قيادةً في زحام لندن الاختناقي لأجلب شحنات المعدات، الأدوات وبذور المزارع الخاصة بأهل القرية والمطاعم. عدت بظهر يئن من التعب وعضلات مشدودة، ولم أكن أبتغي سوى الجلوس في منزلي الهادئ واحتساء شرابي لترميم ما أفسده إرهاق الطريق والعمل المتواصل.فهامبستيد ليست مجرد قرية ساحلية عادية؛ إنها ملجأ لأصحاب النفوذ وأثرياء المجتمع الذين يفرون من صخب المدن ليختبئوا خلف أسوار قصورهم الفارهة ومزارعهم الممتدة.الجميع هنا يمتلك حسابه المصرفي الخاص، سيارته الفارهة، وعنوانه الثابت... الجميع معروف، والوجوه هنا معتادة لا تتغير ، وكل غريب يدخلها ينكشف أمره في غضون دقائق.لكن الليلة، ورغم إنهاكي الشديد ، كان هنا







