LOGINأجابه يوسف: "ولهذا أنا غاضب أكثر، لأنها كانت مستعدة للتضحية بنفسها من أجلنا، بينما نحن لم نكن نعرف حتى أنها تحتاج إلينا."
ساد الصمت للحظات، ثم تابع يوسف: "كانت تستطيع أن تكشف حقيقتها في يوم واحد، كانت تستطيع أن تخبرهم من تكون، وما الذي تستطيع فعله، وما الذي تملكه، وأن تجعل كل شخص احتقرها يندم على كلماته، لكنها لم تفعل، احترمت وعدها للجد، وحافظت على السر، وتحملت الصورة التي صنعها الآخرون عنها."ظل آدم صامتًا لحظات، لكن الهدوء الذي اعتاد أن يفرضه على نفسه لم يكن يعني أن الكلمات مرت عليهرفع يوسف عينيه إليها، وبدا أنه يستعد للاعتراض، لكنها تابعت قبل أن يمنح نفسه الفرصة لذلك: "حتى لو أرسلت إليّ دعوة، فلن أذهب. لدينا أمور أهم بكثير من حضور حفل إطلاق مشروع منافس، وأوريون نوفا لن تتعثر بسبب مشروع واحد، مهما كانت الحملة الإعلانية المحيطة به صاخبة. إن كان المشروع جيدًا فعلًا، فسيثبت قيمته بالاختبارات والنتائج، وإن لم يكن كذلك، فلن تنقذه عناوين الصحف مهما تكررت."ارتخت أصابع يوسف قليلًا حول بطاقتي الدعوة، وخف التوتر في كتفيه، لكنه لم يتخلَّ تمامًا عن انزعاجه. أنزل البطاقتين إلى سطح المكتب، ودفعهما بعيدًا عنه بحركة مقتضبة، ثم قال: "أعرف أنك محقة، يا أختي، لكن انظري إلى هذه الحملة. لقد صُوِّر الأمر وكأن أكسيوم اكتشفت سرًا ظل مجهولًا لعقود، لا كأنها طورت نظامًا جيدًا للتنبؤ بأعطال المركبات. أنا لا أقلل من قيمة الفكرة، فمراقبة بيانات الحساسات واكتشاف الأنماط غير الطبيعية قبل وقوع الأعطال أمر مفيد بالفعل، لكن أين الثورة التي يتحدثون عنها؟ وأين الإنجاز الذي يبرر كل هذا الضجيج؟"تقدم آدم نحو المكتب، وسحب المقعد المقابل ليوسف قبل أن يجلس عليه، ثم مد يده إلى الجهاز الل
ومع ذلك، لم يستطع منع نفسه من التفكير في أن الأمر قد يكون أكثر تعقيدًا مما يبدو، فبعض التغييرات لا تبدأ باعتذار واضح أو اعتراف صريح بالخطأ، بل تظهر أولًا في تفاصيل صغيرة، في سؤال زائد عن الحاجة، أو دعوة إلى العشاء، أو نظرة تطول قليلًا قبل أن تنصرف.قال آدم بنبرة أخف محاولًا إنهاء الحديث: "حسنًا، لن نعرف الحقيقة ما لم يكشفها سليم بنفسه. وحتى ذلك الحين، سنراقب تصرفاته فحسب، دون أن نمنحه أكثر مما يستحق."أومأت إيلين موافقة، ثم عادت بنظرها إلى الطريق الممتد أمامهما. لم تكن مهتمة بمعرفة ما إذا كان سليم قد بدأ يراها بصورة مختلفة، ولم يكن يهمها أن يكفّر عن أحكامه القديمة أو يبررها. لكن فكرة واحدة ظلت عالقة في ذهنها رغم محاولتها تجاهلها: إن كان حادث المنتجع قد كشف لسليم جانبًا منها لم يعرفه من قبل، فهل كان ذلك وحده كافيًا ليجعله يعيد النظر في سنوات كاملة من العداء، أم أن هناك شيئًا آخر لم تستطع رؤيته بعد؟ لم تجد إجابة، ولم تحاول البحث عنها. فبعض الأسئلة لا تستحق أن تطاردها، على الأقل حتى يقدم أصحابها سببًا حقيقيًا لطرحها.أمالت رأسها للخلف وأغمضت عينيها لتأخذ قسطاً من
أبقى آدم عينيه على الطريق، لكنه لم يخفِ ما يشغله، وقال: "أقصد محاولاته المتكررة للتقرب منا، وتحديدًا منكِ أنتِ. ربما لم تنتبهي إلى الأمر لأنكِ اعتدتِ التعامل مع الجميع بهدوء، لكنني أراقب تصرفاته منذ فترة، وهناك تغيير واضح في طريقته معكِ. جميعنا نعرف أنه أقرب أصدقاء مراد، ونعرف جيدًا مدى تحيزه له، كما نعرف موقفه منكِ في الماضي. أنتِ بنفسك أخبرتنا أنه كان يحتقركِ، تمامًا كما كان يفعل مراد وبقية أصدقائه، رامي وكنان وخالد. لم يكن سليم يومًا مختلفًا عنهم بما يكفي لنعتقد أنه قد يغير رأيه فيكِ فجأة، ومع ذلك، انظري إلى طريقته الآن. إنه يبحث عن فرص للحديث معكِ، ويهتم بمعرفة ما تفعلينه، بل ويبدو حريصًا على البقاء بالقرب منكِ كلما سنحت له الفرصة. فما الذي استجد حتى يتغير موقفه بهذه الصورة؟" عقدت إيلين حاجبيها قليلًا، وأدارت وجهها نحو النافذة، تستعيد في ذاكرتها لقاءاتها الأخيرة بسليم. لم تكن قد أولت تصرفاته اهتمامًا كبيرًا، وربما لأنها لم تعد تمنح مراد أو أي شخص من دائرته القديمة المساحة نفسها التي كانوا يحتلونها في حياتها، لم يخطر ببالها أن تفسر اقترا
لم يتردد آدم طويلًا قبل أن يجيبه بأدب: "أشكرك على دعوتك يا سيد سليم، لكنني أعتذر منك. لدينا ترتيبات أخرى هذا المساء، وقد وعدنا يوسف بالعودة إلى الشركة قبل أن نتوجه إلى الفيلا. ربما تتاح لنا فرصة أخرى في يوم قريب."لم يبدُ الانزعاج على وجه سليم، وإن كان قد شعر بخيبة أمل صغيرة لم يتوقعها. قال مبتسمًا: "لا مشكلة على الإطلاق، أنا أعتذر ، فقد كانت دعوتي مفاجئة، ولم أتحقق من ارتباطاتكما قبل أن أطرحها."أجابه آدم: "لا عليك، ونعتذر منك مرة أخرى. علينا الرحيل الآن، فقد تركنا يوسف ينتظرنا، وأخشى أن يكون قد بدأ بالفعل في كتابة تقرير عن غيابنا."ضحك سليم بخفة وقال: "إذن لن أحتجزكما أكثر. أبلغوا السيد يوسف تحياتي، وأتمنى أن نلتقي قريبًا."أومأ آدم مودعًا، ثم فتح الباب لإيلين حتى استقرت في مقعدها، قبل أن يركب السيارة وينطلق بها خارج موقف السيارات. بقي سليم واقفًا في مكانه يتابع السيارة بعينيه، حتى ابتعدت عن البوابة واختفت بين المركبات العابرة، تاركة خلفها صمتًا أثقل من ذلك الذي سبق اللقاء.ظل يحدق في الطريق الذي سلكته السيارة، بينما أخذت الأفكار تتشابك في ذهنه على نح
وقبل أن يفتح باب السيارة، اقترب منهما رجل بدا أنه كان يتجه إلى موقف السيارات منذ لحظات. رفع آدم رأسه، وما إن تعرف إلى ملامحه حتى استقام في وقفته وقال بترحيب: "السيد سليم! مرحبًا بك. هل جئت لحضور المحاضرات؟ لقد علمت أنك غادرت الجامعة لإنجاز أمر عاجل، ولم أتوقع أن أراك اليوم."ابتسم سليم وهو يتوقف أمامهما، ثم أجاب: "نعم، كانت هناك بعض الأمور التي اضطررت إلى متابعتها بنفسي، لكنني عدت فور انتهائها. للأسف، يبدو أنني وصلت متأخرًا، وقد فاتتني المحاضرات التي كنت أرغب في حضورها."قال آدم بنبرة ودودة: "لا مشكلة، يمكنك تعويضها في المرة القادمة. المعلمون لم ينتهوا بعد، وهناك محاضرات أخرى تستحق المتابعة، وإن كنت أشك في أن جدولهم سيمنحنا فرصة لالتقاط أنفاسنا قريبًا."ابتسم سليم عند سماع العبارة، ثم انتقلت عيناه إلى إيلين، التي كانت تقف بجوار السيارة. لم يكن وجودها في الجامعة أمرًا يستطيع تجاهله، خصوصًا بعد ما سمعه مؤخرًا عن سجلها الأكاديمي، وبعد الشكوك التي بدأت تتجمع في ذهنه بشأن هويتها وعلاقتها بالمحاضرات التي يلقيها المعلمون بأسماء مستعارة. ومع ذلك، لم يسمح لتلك الأف
تابع يوسف، وقد بدا أنه لم يفرغ بعد من غضبه: "ومن الواضح أن السيد مراد يدعمها بقوة. الحملة الإعلانية التي أطلقتها للمشروع ضخمة، والتحركات المحيطة بالشركة توحي بأن هناك من يفتح لها الأبواب على مصراعيها. لا أستطيع الجزم بكل التفاصيل، لكن من الصعب تجاهل التوقيت، خصوصًا مع كل ما يحدث حول مشروع المدينة الذكية. يبدو أنها لا تريد إطلاق مشروعها فحسب، بل تريد أن تضع نفسها في موقع المنافس المباشر لأوريون نوفا، وربما تتوقع أن اسم مراد وحده كافٍ لمنحها أفضلية لا تستحقها بعد."أجاب آدم بهدوء مقصود: "حسنًا يا يوسف، لقد علمنا الآن. لا أظن أن بطاقة دعوة ستغير شيئًا من حساباتنا، ولا أن استبعاد إيلين سيمنح أكسيوم تكنولوجي أي ميزة تقنية لم تكن تمتلكها بالأمس.أخذ نفساً إبتسم وهو ينظر لإيلين وقال" أما بخصوص الحفل، فلدينا أسبوع كامل قبل موعده، ويمكننا التفكير في الأمر عندما نعرف ما الذي تريد ميرال تحقيقه فعلًا لا تنس من لدينا فمما نقلق ."قال يوسف بلهجة متشككة: "أتمنى ألا يكونا على وشك اختراع لقب جديد لها. لقد سئمت من الأشخاص الذين يتعاملون مع كل شيء وكأنهم محور العالم، ثم يتوقعون من الآخرين
لم يكن الصباح مختلفًا في شكله… لكنه كان مختلفًا في معناه. جلست إيلين الشهاب أمام مكتب خشبي أنيق داخل غرفة هادئة، تتوسطها طاولة زجاجية واسعة. أمامها وُضعت عدة أوراق مرتبة بعناية، كل صفحة تحمل بنودًا واضحة، محددة… ونهائية. لم تمد يدها فورًا. فقط نظرت اسمها لم يكن في الأعلى هذه المرة… بل في الأسف
أما آدم، فظل يراقب إيلين فقط.لأنه الوحيد الذي يعرف الحقيقة كاملة.يعرف أن فتاة في الخامسة عشرة من عمرها جلست يومًا داخل غرفة مغلقة… وصممت نظامًا جعل جهات كاملة تعيد بناء أنظمتها الأمنية من الصفر.ويعرف أيضًا أن الدولة نفسها أخفت اسمها عمدًا بعد ذلك.بموجب الاتفاقية السرية واخفاء
لم يكن في العودة من المقابر ما يشبه الرجوع العادي.الطريق نفسه بدا أطول، أو ربما كانت المسافة هذه المرة تُقاس بما تُرك خلفهم لا بما ينتظرهم. جلست إيلين في المقعد الخلفي، ساكنة على نحو لا يُفسَّر بالهدوء، بل بشيء أقرب إلى الحسم. لم تكن تنظر إلى الخارج بقدر ما كانت تنظر إلى الداخل، إلى نقط
لم يكد صندوق المخمل يُغلق حتى تغيّر إيقاع الجلسة بالكامل، كأن اللحظة نفسها قررت أن تعلن عن معناها الحقيقي دون مواربة. لم يعد الأمر مجرد هدية فاخرة أو لفتة عابرة، بل بدا وكأنه إعلان صامت عن شيء أكبر، شيء فهمه الحاضرون جميعًا دون أن يُقال صراحة.كانت الأنظار تتنقل بين العقد المستقر حول عنق







