Masukثم جاءه اسم رامي تيمور في ذاكرته، فاشتد غضبه أكثر، لم ينسَ كيف نقل عنها أسوأ صورة، وكيف ساهمت كلماته في ترسيخ النظرة التي جعلت إيلين تدفع ثمنًا لم تستحقه، كان الرجل قد تحدث عنها بثقة أمام الآخرين، ورسم عنها صورة امرأة انتهازية تحاول الوصول إلى عائلة الداغر من خلال مراد، بينما كانت الحقيقة مختلفة تمامًا؛
كانت إيلين في ذلك الوقت تخفي كل شيء، حتى حقيقتها، وتحمل وحدها عبء قرار لم يكن أحد يعرف أسبابه، وكان أكثر ما يؤلم يوسف أن الرجل الذي ساهم في تشويه صورتها لم يكن يعرف شيئًا عن الحقيقة التيوما إن رأت إيلين تقترب حتى تقدمت ميار واعترضت طريقها، رافعة ذقنها بنظرة متعالية، ثم قالت بحدة: "كم أنتِ وقحة! تطاردين عائلتنا في كل مكان، حتى إن وقاحتك أوصلتك إلى المجيء إلى مجموعة الداغر نفسها. ألم تجدي مكانًا آخر تذهبين إليه؟ أم أن التعلق باسم عائلتنا أصبح عادة لا تستطيعين التخلي عنها؟"توقفت إيلين، ونظرت إليها بهدوء دون أن تبدو عليها المفاجأة. أما آدم، فانتقل ببصره من ميار إلى إيلين، يراقب رد فعلها. كان يعلم أنها لن تصمت أمام هذا النوع من الإهانة، لكنه كان يتألم من أجلها بسبب الكلمات التي ألقتها ميار عليها أمام الموظفين والزوار، وكأنها تتعمد التقليل منها وإجبارها على الدفاع عن نفسها في مكان جاءت إليه للعمل.واصلت ميار حديثها، وقد بدا أنها أعدت كلماتها مسبقًا: "أم أنكِ اتخذتِ من العمل حجة جديدة لتظهري أمام أخي مراد؟ لا أفهم كيف تملكين الجرأة على الحضور إلى هنا بعد كل ما حدث. هل تظنين أن مجرد حمل ملف أو التحدث عن مشروع تقني سيجعل أحدًا يصدق أنكِ تفهمين شيئًا في هذا المجال؟ لقد كنتِ تعملين هنا من قبل، ونعرف جيدًا طبيعة عملك. لا تحاولي الآن ارتداء ثوب الخبيرة بعد أن قضيت
أومأ زين موافقًا، ثم أغلق نسخته من الملحق وقال: "سأتابع هذه المسألة بنفسي. وأعتقد أن وجود فريق أوريون نوفا في الموقع منذ اليوم الأول سيختصر علينا الكثير من الوقت، خصوصًا أن المرحلة الأولى تتطلب مراجعة البنية الحالية، وربط مصادر البيانات، وتأمين قنوات الاتصال، ثم بناء النموذج الأولي ومعايرته. لا يمكننا القفز مباشرة إلى التشغيل الكامل."كانت نرمين تجلس في أحد المقاعد القريبة من النافذة، تتابع الحديث باهتمام واضح، وإن كانت تحاول ألا تقاطع الاجتماع. لم تكن مشاركتها في مراجعة التفاصيل التقنية بقدر اهتمامها بما سيحدث بعد قليل، فقد كانت تنتظر وصول إيلين وآدم بفارغ الصبر. منذ أن أخبرها نديم ببعض ما عرفه عن سجل إيلين الأكاديمي، لم تعد تنظر إليها بالطريقة نفسها التي عرفتها بها من قبل. ثم جاءت المعلومة التي أضافتها بنفسها إلى معرفتها عنها، حين أخبرت نديم أن إيلين أصبحت طالبة دكتوراه في جامعة أوريليا الوطنية، وأن آدم يعمل مساعدًا لمشرفها الأكاديمي.أثار الأمر فضول نرمين بشدة. كانت قد رأت إيلين في أكثر من مناسبة، واعتادت هدوءها وطريقتها البسيطة في الحديث، لكنها لم تكن تتخي
ضحكت إيلين هذه المرة، وكانت ضحكتها قصيرة لكنها حقيقية. قالت: "أنت بارع في تحويل أي موقف إلى قائمة مهام."أجابها بجدية مصطنعة: "هذه موهبة نادرة، ويجب أن تحترميها. ثم إنني لا أريد أن أضطر إلى الشرح ليوسف لماذا تأخرنا، فهو على الأرجح ينتظر في أوريون نوفا فرصة لإطلاق مشروعه الجديد، وأخشى أن يقرر إطلاقه على حسابنا إذا منحناه وقتًا كافيًا."هزت إيلين رأسها مبتسمة، وشعرت أن المزاح أزاح شيئًا من التوتر الذي ظل يثقل صدرها منذ الليلة الماضية. لم يختفِ الألم تمامًا، لكنه لم يعد يسيطر على اللحظة. نظرت مرة أخيرة إلى واجهة مجموعة الداغر، ثم أعادت كتفيها إلى استقامتهما، وأمسكت الملف بإحكام، قالت: "حسنًا، لنبدأ العمل."فتح آدم لها الطريق نحو المدخل، ثم سار إلى جوارها. وعندما عبرا البوابة، لم تلتفت إيلين إلى الخلف. لم تكن عودتها إلى هذا المكان محاولة لاستعادة ما فقدته، ولا انتظارًا لاعتذار من أشخاص لم يدركوا يومًا ما الذي أخطؤوا في حقه. لقد جاءت من أجل عمل محدد، وعقد واضح، ونظام سيُختبر في بيئة لا تحتمل المزيد من التسريبات. أما الذكريات، فستظل جزءًا من ماضيها، لكنها لن تكو
توقفت السيارة أمام المقر الرئيسي لمجموعة الداغر، فرفع آدم نظره إلى الواجهة الشاهقة التي ارتفعت خلف البوابة، بينما فتحت إيلين باب السيارة ونزلت ببطء. وقفت أمام المبنى للحظات، تتأمل الواجهة الزجاجية التي كانت تعكس ضوء الصباح، واللافتة الكبيرة التي تحمل اسم المجموعة، ثم شعرت بأن السنوات التي قضتها هنا لم تبتعد عنها بالقدر الذي ظنته.لم تكن الذكريات صورًا واضحة فحسب، بل كانت مشاعر قديمة تعود دفعة واحدة، كأن المكان احتفظ بكل ما حدث بين جدرانه وانتظر عودتها ليعيده إليها. تذكرت الأيام التي دخلت فيها هذا المقر بصفتها زوجة مراد سرًا، ثم وجدت نفسها مضطرة إلى إخفاء حقيقتها خلف صورة موظفة هامشية، لا يُلتفت إليها إلا عندما يحتاج أحدهم إلى تنفيذ مهمة لا يرغب في القيام بها. تذكرت كيف جرى تهميشها، وكيف عوملت بوصفها سكرتيرة لا تملك رأيًا ولا قيمة حقيقية، وكيف كان بعضهم يمر بجوارها دون أن يمنحها أكثر من نظرة عابرة، بينما كانت هي تعرف من المعلومات التقنية ما لم يكن كثيرون في المناصب العليا قادرين على فهمه.كان الألم في تلك الذكريات مختلفًا عن الألم الذي شعرت به حين أهانها مراد أ
توقفت إيلين لحظة وهي تستمع إليه، ثم أجابت دون تردد: "يوسف، أنت أخي وشريكي أيضاً مثلك مثل آدم ، وأنت تعرف أن أوريون نوفا ليست مشروعًا أديره وحدي ثم أسمح لك بالعمل داخله. لك حرية التصرف في حدود مسؤولياتك، وإذا كان المشروع يخدم خطتنا ويستند إلى أساس تقني واضح، فلن أضع أمامك عراقيل لا داعي لها. أنا أثق بك."ساد الصمت لثانية على الطرف الآخر، ثم انفرجت ملامح يوسف بابتسامة واسعة لم تستطع إيلين رؤيتها، لكنها سمعت أثرها في نبرة صوته. قال: "كنت أعرف أنك لن تخذليني، لكنني لم أتوقع أن تمنحيني هذه المساحة بهذه السرعة."أجابته مازحة: "لا تجعلني أندم على ثقتي بك. إذا عدتَ إليّ بعد أسبوع بمشروع لا يفعل سوى إصدار أصوات جميلة عند تشغيله، فسأجعلك تقضي الشهر كله في مراجعة الوثائق."ضحك يوسف وقال: "سأعتبر هذا تهديدًا إداريًا مشروعًا، وسأحرص على ألا أمنحك أي سبب لتنفيذه."أنهت إيلين كلامها ، بينما كان يوسف يضع الملفات بحقيبتة، وقد ازدادت حماسته. لم يكن ينوي إطلاق مشروع شكلي، ولا الدخول في منافسة إعلامية فارغة. كان يريد أن يضع أمام أكسيوم تكنولوجي ومجموعة تيمور معيارًا لا يم
لم تعد ذكرى فؤاد وفيروز شأنًا يخص الماضي وحده، ولم يعد عيد كنس القبور مجرد موعد سنوي تعود فيه إيلين إلى قبر والديها لتضع الزهور وتنظف الحجر بصمت. لقد أصبح موعدًا يحمل احتمالًا جديدًا، واحتمالًا قد يربط بين شخص مجهول، ومعمل أخفاه الزمن، وملف سولاريس الذي لم تُكشف كل أسراره بعد.أما صاحب الرسالة، فلم يكن يعرف كل شيء عن إيلين، ولم يكن يدرك أن السنوات الأخيرة غيرت الطريقة التي تواجه بها الخطر. لقد أرسل الصورة وهو يتوقع أن يجدها وحدها أمام ماضيها، وأن تدفعها الكلمات إلى التحرك دون تفكير. لكنه لم يعرف أن إيلين توقفت هذه المرة، وأنها لم تعد مستعدة لأن تترك خوفها يقودها إلى المكان الذي اختاره لها شخص آخر.كان يختبرها، وربما كان يملك سببًا وجيهًا لذلك. لكنه لم يكن يعرف إن كانت قد اجتازت الاختبار أم بدأت للتو في قلبه عليه.وبينما كانت إيلين تنظر إلى الصورة مرة أخيرة قبل أن يشرع آدم في حفظ نسختها الأصلية، لمحت شيئًا صغيرًا عند طرف المدخل الجانبي للمبنى. لم تستطع تمييزه بوضوح، ولم تكن متأكدة إن كان مجرد ظل ناتجًا عن زاوية التصوير أم علامة تستحق الفحص. لكنها شعرت
لم يكن الصباح مختلفًا في شكله… لكنه كان مختلفًا في معناه. جلست إيلين الشهاب أمام مكتب خشبي أنيق داخل غرفة هادئة، تتوسطها طاولة زجاجية واسعة. أمامها وُضعت عدة أوراق مرتبة بعناية، كل صفحة تحمل بنودًا واضحة، محددة… ونهائية. لم تمد يدها فورًا. فقط نظرت اسمها لم يكن في الأعلى هذه المرة… بل في الأسف
أما آدم، فظل يراقب إيلين فقط.لأنه الوحيد الذي يعرف الحقيقة كاملة.يعرف أن فتاة في الخامسة عشرة من عمرها جلست يومًا داخل غرفة مغلقة… وصممت نظامًا جعل جهات كاملة تعيد بناء أنظمتها الأمنية من الصفر.ويعرف أيضًا أن الدولة نفسها أخفت اسمها عمدًا بعد ذلك.بموجب الاتفاقية السرية واخفاء
لم يكن في العودة من المقابر ما يشبه الرجوع العادي.الطريق نفسه بدا أطول، أو ربما كانت المسافة هذه المرة تُقاس بما تُرك خلفهم لا بما ينتظرهم. جلست إيلين في المقعد الخلفي، ساكنة على نحو لا يُفسَّر بالهدوء، بل بشيء أقرب إلى الحسم. لم تكن تنظر إلى الخارج بقدر ما كانت تنظر إلى الداخل، إلى نقط
لم يكد صندوق المخمل يُغلق حتى تغيّر إيقاع الجلسة بالكامل، كأن اللحظة نفسها قررت أن تعلن عن معناها الحقيقي دون مواربة. لم يعد الأمر مجرد هدية فاخرة أو لفتة عابرة، بل بدا وكأنه إعلان صامت عن شيء أكبر، شيء فهمه الحاضرون جميعًا دون أن يُقال صراحة.كانت الأنظار تتنقل بين العقد المستقر حول عنق







