Mag-log inلم تجادله إيلين، بل أومأت ببطء وقالت: "أنت محق في ذلك، ولهذا أخبركم الآن أن الإعلان ليس الفخ الوحيد الذي وضعناه. هناك فخ آخر أعددته أنا وآدم، وهو مختلف في طبيعته عن الأول. لا أريد أن أكشف تفاصيله قبل أن تصبح بعض خطواته جاهزة، ليس لأنني لا أثق بكم، ولكن لأن الخطة تعتمد على أن تبقى بعض المعلومات محدودة التداول إلى أن نعرف من يستطيع الوصول إليها. كلما اتسعت دائرة من يعرفون التفاصيل، زادت احتمالات أن تصل إشارة واحدة إلى الطرف الذي نحاول استدراجه. لكن هذا لا يعني أنكم ستظلون خارج الصورة؛ ما أستطيع
أما آدم، فاكتفى بإيماءة موافقة، ثم أخرج هاتفه ليتفقد بعض الرسائل التي وصلت خلال غيابهما عن الشركة. عادت المحادثة تدريجيًا إلى الأعمال التي ينبغي إنجازها قبل نهاية اليوم، وتناول الثلاثة بعض التفاصيل المتعلقة بالمهام المؤجلة، بينما ظل الجهاز اللوحي يعرض في الخلفية صور الحملة الإعلانية لأكسيوم تكنولوجي وعناوينها الصاخبة. كانت ميرال في مكان آخر تستعد لحفلها، بينما كان اسم شركتها يتردد على المنصات بوتيرة متزايدة، ولم تكن تعرف بعد أن اثنين من أبرز الأسماء اللذين حرصت على دعوتهما قررا بالفعل عدم الحضور.وبينما كان يوسف يستعد لإغلاق الجهاز اللوحي، انقطع الحديث فجأة بصوت رنين قصير صدر من هاتف إيلين الشخصي. لم يكن الرنين مألوفًا، ولم يظهر على الشاشة اسم جهة اتصال أو رقم معروف، بل أضاءت الواجهة بإشعار واحد يشير إلى وصول رسالة من مرسل مجهول.توقفت يد إيلين فوق الملف الذي كانت تتصفحه، ورفعت رأسها ببطء نحو الهاتف. اختفت الابتسامة الخفيفة من وجهها، وحل محلها تركيز حاد لم يلحظه آدم في اللحظة الأولى. ثم مدت يدها إلى الجهاز، والتقطته من فوق المكتب، بينما بقيت عيناها م
لم يكن يوسف يعلم أن هدوءها لم يكن نابعًا من تجاهل ما يحدث، بل من معرفتها بجزء من الصورة لا يملكه الآخران. فقبل مغادرتها مجموعة الداغر، كانت إيلين قد اتخذت تدابير احترازية دقيقة لحماية بعض المسارات والمعلومات التي قد تتأثر بأي اختراق أو تسريب. لم تكن تلك التدابير تعني أنها تتابع كل تفاصيل التحقيق لحظة بلحظة، لكنها أبقت أمامها مؤشرات محددة تسمح لها بمعرفة ما إذا كانت هناك أزمة تمس المشروعات التي ارتبطت بها سابقًا، أو ما إذا كانت التحركات داخل المجموعة تشير إلى خطر يتجاوز مجرد خلل تقني عابر.ولهذا لم يكن خبر التسريب مفاجأة لها بالقدر الذي قد يتوقعه الآخرون، كما أنها لم تكن تعتمد على التخمين وحده في تقدير انشغال مراد. كانت قد رصدت مؤشرات كافية لتدرك أن الأزمة أكبر من أن تُترك جانبًا من أجل حملة ترويجية، وأن تعدد الأطراف المشاركة في إدارة مجموعة الداغر سيجعل أي محاولة لتجاهلها أمرًا صعبًا. والأهم من ذلك أنها كانت قد أرسلت تحذيرًا إلى الملك الأسود قبل أن تصل الأمور إلى هذه المرحلة، مستندة إلى ما استطاعت جمعه من إشارات ومعلومات عبر التدابير التي وضعتها مسبقًا.
رفع يوسف عينيه إليها، وبدا أنه يستعد للاعتراض، لكنها تابعت قبل أن يمنح نفسه الفرصة لذلك: "حتى لو أرسلت إليّ دعوة، فلن أذهب. لدينا أمور أهم بكثير من حضور حفل إطلاق مشروع منافس، وأوريون نوفا لن تتعثر بسبب مشروع واحد، مهما كانت الحملة الإعلانية المحيطة به صاخبة. إن كان المشروع جيدًا فعلًا، فسيثبت قيمته بالاختبارات والنتائج، وإن لم يكن كذلك، فلن تنقذه عناوين الصحف مهما تكررت."ارتخت أصابع يوسف قليلًا حول بطاقتي الدعوة، وخف التوتر في كتفيه، لكنه لم يتخلَّ تمامًا عن انزعاجه. أنزل البطاقتين إلى سطح المكتب، ودفعهما بعيدًا عنه بحركة مقتضبة، ثم قال: "أعرف أنك محقة، يا أختي، لكن انظري إلى هذه الحملة. لقد صُوِّر الأمر وكأن أكسيوم اكتشفت سرًا ظل مجهولًا لعقود، لا كأنها طورت نظامًا جيدًا للتنبؤ بأعطال المركبات. أنا لا أقلل من قيمة الفكرة، فمراقبة بيانات الحساسات واكتشاف الأنماط غير الطبيعية قبل وقوع الأعطال أمر مفيد بالفعل، لكن أين الثورة التي يتحدثون عنها؟ وأين الإنجاز الذي يبرر كل هذا الضجيج؟"تقدم آدم نحو المكتب، وسحب المقعد المقابل ليوسف قبل أن يجلس عليه، ثم مد يده إلى الجهاز الل
ومع ذلك، لم يستطع منع نفسه من التفكير في أن الأمر قد يكون أكثر تعقيدًا مما يبدو، فبعض التغييرات لا تبدأ باعتذار واضح أو اعتراف صريح بالخطأ، بل تظهر أولًا في تفاصيل صغيرة، في سؤال زائد عن الحاجة، أو دعوة إلى العشاء، أو نظرة تطول قليلًا قبل أن تنصرف.قال آدم بنبرة أخف محاولًا إنهاء الحديث: "حسنًا، لن نعرف الحقيقة ما لم يكشفها سليم بنفسه. وحتى ذلك الحين، سنراقب تصرفاته فحسب، دون أن نمنحه أكثر مما يستحق."أومأت إيلين موافقة، ثم عادت بنظرها إلى الطريق الممتد أمامهما. لم تكن مهتمة بمعرفة ما إذا كان سليم قد بدأ يراها بصورة مختلفة، ولم يكن يهمها أن يكفّر عن أحكامه القديمة أو يبررها. لكن فكرة واحدة ظلت عالقة في ذهنها رغم محاولتها تجاهلها: إن كان حادث المنتجع قد كشف لسليم جانبًا منها لم يعرفه من قبل، فهل كان ذلك وحده كافيًا ليجعله يعيد النظر في سنوات كاملة من العداء، أم أن هناك شيئًا آخر لم تستطع رؤيته بعد؟ لم تجد إجابة، ولم تحاول البحث عنها. فبعض الأسئلة لا تستحق أن تطاردها، على الأقل حتى يقدم أصحابها سببًا حقيقيًا لطرحها.أمالت رأسها للخلف وأغمضت عينيها لتأخذ قسطاً من
أبقى آدم عينيه على الطريق، لكنه لم يخفِ ما يشغله، وقال: "أقصد محاولاته المتكررة للتقرب منا، وتحديدًا منكِ أنتِ. ربما لم تنتبهي إلى الأمر لأنكِ اعتدتِ التعامل مع الجميع بهدوء، لكنني أراقب تصرفاته منذ فترة، وهناك تغيير واضح في طريقته معكِ. جميعنا نعرف أنه أقرب أصدقاء مراد، ونعرف جيدًا مدى تحيزه له، كما نعرف موقفه منكِ في الماضي. أنتِ بنفسك أخبرتنا أنه كان يحتقركِ، تمامًا كما كان يفعل مراد وبقية أصدقائه، رامي وكنان وخالد. لم يكن سليم يومًا مختلفًا عنهم بما يكفي لنعتقد أنه قد يغير رأيه فيكِ فجأة، ومع ذلك، انظري إلى طريقته الآن. إنه يبحث عن فرص للحديث معكِ، ويهتم بمعرفة ما تفعلينه، بل ويبدو حريصًا على البقاء بالقرب منكِ كلما سنحت له الفرصة. فما الذي استجد حتى يتغير موقفه بهذه الصورة؟" عقدت إيلين حاجبيها قليلًا، وأدارت وجهها نحو النافذة، تستعيد في ذاكرتها لقاءاتها الأخيرة بسليم. لم تكن قد أولت تصرفاته اهتمامًا كبيرًا، وربما لأنها لم تعد تمنح مراد أو أي شخص من دائرته القديمة المساحة نفسها التي كانوا يحتلونها في حياتها، لم يخطر ببالها أن تفسر اقترا
لم يتردد آدم طويلًا قبل أن يجيبه بأدب: "أشكرك على دعوتك يا سيد سليم، لكنني أعتذر منك. لدينا ترتيبات أخرى هذا المساء، وقد وعدنا يوسف بالعودة إلى الشركة قبل أن نتوجه إلى الفيلا. ربما تتاح لنا فرصة أخرى في يوم قريب."لم يبدُ الانزعاج على وجه سليم، وإن كان قد شعر بخيبة أمل صغيرة لم يتوقعها. قال مبتسمًا: "لا مشكلة على الإطلاق، أنا أعتذر ، فقد كانت دعوتي مفاجئة، ولم أتحقق من ارتباطاتكما قبل أن أطرحها."أجابه آدم: "لا عليك، ونعتذر منك مرة أخرى. علينا الرحيل الآن، فقد تركنا يوسف ينتظرنا، وأخشى أن يكون قد بدأ بالفعل في كتابة تقرير عن غيابنا."ضحك سليم بخفة وقال: "إذن لن أحتجزكما أكثر. أبلغوا السيد يوسف تحياتي، وأتمنى أن نلتقي قريبًا."أومأ آدم مودعًا، ثم فتح الباب لإيلين حتى استقرت في مقعدها، قبل أن يركب السيارة وينطلق بها خارج موقف السيارات. بقي سليم واقفًا في مكانه يتابع السيارة بعينيه، حتى ابتعدت عن البوابة واختفت بين المركبات العابرة، تاركة خلفها صمتًا أثقل من ذلك الذي سبق اللقاء.ظل يحدق في الطريق الذي سلكته السيارة، بينما أخذت الأفكار تتشابك في ذهنه على نح
“إيلين؟” توقّف يوسف في مكانه، وعيناه متسعتان بوضوح كأنه غير مصدق لما يراه. “أأنتِ حقًا؟” أومأت بهدوء: “نعم.” تحرّك نحوها بسرعة، لكنه توقّف فجأة قبل أن يقترب أكثر. ملامحه تغيّرت؛ الدهشة لم تختفِ… لكنها تحوّلت إلى شيء أثقل: “متى عدتِ؟” “اليوم.” سكت لحظة… ثم ضحك ضحكة قصيرة لم تكن مريحة: “
لم يكن الصباح مختلفًا في شكله… لكنه كان مختلفًا في معناه. جلست إيلين الشهاب أمام مكتب خشبي أنيق داخل غرفة هادئة، تتوسطها طاولة زجاجية واسعة. أمامها وُضعت عدة أوراق مرتبة بعناية، كل صفحة تحمل بنودًا واضحة، محددة… ونهائية. لم تمد يدها فورًا. فقط نظرت اسمها لم يكن في الأعلى هذه المرة… بل في الأسف
أما آدم، فظل يراقب إيلين فقط.لأنه الوحيد الذي يعرف الحقيقة كاملة.يعرف أن فتاة في الخامسة عشرة من عمرها جلست يومًا داخل غرفة مغلقة… وصممت نظامًا جعل جهات كاملة تعيد بناء أنظمتها الأمنية من الصفر.ويعرف أيضًا أن الدولة نفسها أخفت اسمها عمدًا بعد ذلك.بموجب الاتفاقية السرية واخفاء
لم يكن في العودة من المقابر ما يشبه الرجوع العادي.الطريق نفسه بدا أطول، أو ربما كانت المسافة هذه المرة تُقاس بما تُرك خلفهم لا بما ينتظرهم. جلست إيلين في المقعد الخلفي، ساكنة على نحو لا يُفسَّر بالهدوء، بل بشيء أقرب إلى الحسم. لم تكن تنظر إلى الخارج بقدر ما كانت تنظر إلى الداخل، إلى نقط







